المزيد...
آراء وافكار
2017/09/27 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1176   -   العدد(4028)
لا  ولاية للأوقاف على أعمال محاكم الأحوال الشخصية
لا ولاية للأوقاف على أعمال محاكم الأحوال الشخصية


 هادي عزيز علي

الوقف ليس من أحكام ثوابت الاسلام، كما أن جانباً من الفقه الاسلامي يقول بعدم شرعية الوقف الذري والأهلي لأنه يعطّل أحكام المواريث في سورة النساء، وقسم من الفقه يقول إنه مجرد هبة يجوز الرجوع عنها. ويقول أبو حنيفة، إن المال الموقوف يبقى في ملك صاحبه لذلك فهو غير لازم، ويجوز الرجوع عنه، ويستطيع بيعه. وتتفق المالكية مع أبي حنيفة في بقاء الموقوف بملك الواقف، وهذا يعني أن الوقف ليس من الأحكام القطعية ما دام الاجتهاد به جائزاً، في حين أن أحكام ثوابت الاسلام تعني الأحكام القطعية التي لا يجوز الاجتهاد بها.

يلاحظ أن الدراسات الحديثة لموضوع الأوقاف تدرجه ضمن نشاطات المجتمع المدني. في ندوة عقدت في بيروت سنة 2001  بالتعاون مع الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت تحت عنوان (نظام الوقف والمجتمع المدني في الوطن العربي)، حضرها باحثون ورجال دين من كل الدول العربية، وقدمت فيها بحوث عديدة شكلت مجلداً من (900) صفحة، ذهب قسم من البحوث الى اعتبار الوقف نشاطاً للمجتمع المدني يتوجب أن يُدار ويُستغل تحت هذه الصفة.
وبقدر تعلق الموضوع بمشروع القانون المقدّم الى مجلس النواب العراقي حول تعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي أعطى للأوقاف سلطة الافتاء في قضايا الأحوال الشخصية في القضايا المعروضة على المحاكم، وبغية الوقوف على وظيفة الوقف فقد وجدنا التعريف الفقهي الشائع له هو: (حبس العين وتسبيل المنفعة)، أي أن مهمة الوقف هي إدارة المال الموقوف. وبهذا الفهم سارت التشريعات العراقية على وفق ذلك. فقد حدد قانون إدارة الأوقاف رقم 64 لسنة 1966 وظيفة الأوقاف بالنص على انها: (إدارة واستغلال الأموال الموقوفة)، وحيث أن الأمر كذلك فإن أفضل جهة لإدارة المال الموقوف هي السلطة التنفيذية، وهكذا رسم المشرع العراقي تلك الوظيفة ابتداءً من قانون تصفية الوقف الذري رقم (1) لسنة 1950 الى يومنا هذا. وبعبارة أدق، أنّ التشريعات العراقية عدت الأوقاف دائرة رسمية مرتبطة بالسلطة التنفيذية، وحيث أنها احدى دوائر الدولة، فقد توالى على رئاستها طيلة عمر الدولة العراقية موظفون ببدلات أنيقة وربطات عنق، وقسم منهم لا يؤدي فروض الصلاة الى أن أدركتنا العمائم في السنين الأخيرة على رئاستها.
حيث أن الأوقاف دوائر رسمية مرتبطة بالسلطة التنفيذية، ومكلفة بتطبيق القوانين المتعلقة بإدارة المال الشائع واستغلاله، وهذا يعني أنها غير معنية بالشأن الديني لعدم وجود نصوص قانونية تخولها  ذلك، فهي غير مكلفة بالافتاء، لكونه خارج اختصاصها من جهة، ولأن للافتاء شروطه وأسبابه ومؤسساته الدينية المعروفة من جهة أخرى. ولكن أن يأتينا مشروع قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية، ومن خلال لي عنق القانون الذي ينظم أحكام الوقف ويفرض علينا تأسيس مجلس علمي في كل من الوقفين السني والشيعي مهمته اصدار الفتاوى لقضاة الأحوال الشخصية والتدخل بالشأن القضائي، وهذا يعني اضافة مهام وظيفية أخرى للأوقاف مخالفة  للوظيفة المرسومة له قانوناً.
ولو أسلمنا جدلاً بأن هذا المشروع وجد له مريدين في المؤسسة التشريعية ومؤيدين من اللون السياسي ذاته، ووضعوا هذا المشروع للتصويت وحاز على شروطه التشريعية وصار قانوناً نافذاً، واصبح قاضي الأحوال الشخصية ملزماً بتطبيق فتوى المجلس العلمي الافتائي في الأوقاف، فإن هذا يعني أن القانون قد قبل بتدخل السلطة التنفيذية في شؤون القضاء، واننا وجدنا أن هناك سلطاناً على القاضي غير سلطان القانون، وبعبارة أخرى شرّعنا لتدخل السلطة التنفيذية في شؤون السلطة القضائية، وعطلنا أحكام المادة (47) من الدستور التي تنص على مبدأ الفصل بين السلطات. فضلاً عن أن هذا المشروع لم يجد له مستقراً في النظام التشريعي العراقي مع وجود حكم المادة (87) من الدستور التي تنص على: (السلطة القضائية مستقلة، وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها، وتصدر أحكامها وفقاً للقانون)، أي أن مرجعية الحكم القضائي هو القانون وليس الفتوى المقدمة من السلطة التنفيذية. وبهذا فإن المشروع يشكل مخالفة دستورية ثانية، فضلاً عن مخالفته مبدأ الفصل بين السلطات.
(القضاة مستقلون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون، ولا يجوز لأية سلطة التدخل في القضاء أو في شؤون العدالة). هذا هو نص المادة (88) من الدستور. اذن لا علوية على القضاة إلا لنص القانون،  ولا يجوز لأية سلطة مهما علا شأنها أن تتدخل في القضاء. ولكن مشروع القانون هذا يتدخل بشكل فاضح في الشأن القضائي، ويخالف النص الدستوري في موقع ثالث.
ويبدو لنا أن أصحاب المشروع يسكنهم هاجس السلطات التي حرمهم منها قانون الأحوال الشخصية، والسعي الحثيث لاستعادة تلك السلطات، حتى لو تطلب الأمر لديهم الغاء قانون الأحوال الشخصية، والهوس بالعودة الى استرجاع تلك السلطات من المحاكم فرض وجود ثلاثة مشاريع لقوانين الأحوال الشخصية الجعفرية مدفوعة لمجلس النواب، من ثلاثة أحزاب ذات خطاب سياسي ديني، يؤكد الرغبة لديهم بإعطاء العلوية لرجل الدين على المؤسسة القضائية، بغية مغادرة الهوية الوطنية والارتماء في الهوية الطائفية وتعطيل مشروع الدولة المدنية.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون