المزيد...
تقارير عالمية
2017/09/27 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2002   -   العدد(4028)
خشخاش العراق مذكرات امرأة عاشت  طفولتها  في العراق
خشخاش العراق مذكرات امرأة عاشت طفولتها في العراق


 ترجمة/ احمد الزبيدي

تروي بريغيت فندقلي (ولدت عام 1959) وهي كاتبة فرنسية، من أصل عراقي ولدت في مدينة الموصل، ذكريات طفولتها التي عاشتها في العراق في كتاب بعنوان (خشخاش العراق) وهو كتاب مزيّن بالرسوم التي رسمها زوجها لويس ترونييم وهو رسام كاريكاتير فرنسي شهير، حيث نرى رسوماً لأجهزة الراديو القديمة في فترة  سقوط النظام الملكي، عندما أعلن قيام الجمهورية في العراق، وكيف كان عدد من ابناء بلدها يستمعون الى برنامج إذاعي باللغة العربية تبثه الاذاعة الإسرائيلية ، التي كانت المصدر الوحيد للأخبار غير الخاضعة للرقابة من قبل الحكومة العراقية.


واستمر بث البرنامج لأكثر من 20 عاماً وكان محظوراً  بشدة: حيث تذكر أن "أولئك الذين يستمعوا إليه كانوا معرضين لخطر عقوبة السجن المشدد".."وتظهر  فندقلي، في احد رسوم الكتاب وهي في سن الحادية عشرة  في عام 1970، وهي  تبتسم في السرير وقد وضعت جهاز راديو على الوسادة بجانبها،  تستمع إلى أغاني البوب الإنكليزية التي تبثها اذاعة صوت أمريكا. ويتبين غنى وعمق ذلك الكتاب، من  الطريقة التي كتب فيها، حيث نجد فيه الذكريات الجميلة والحلوة جنباً إلى جنب مع الذكريات  المرعبة. فهو يأخذنا  مع تلك الطفلة  التي تلعب  بين  الآثار القديمة في الموصل  اثناء الرحلات المدرسة - والتي تعرضت للتدمير فيما بعد. فقد أزال مقاتلو داعش تلك الآثار القديمة بالديناميت والجرافات. وفي بعض تلك  الرحلات، كان يتم إقناع الطلاب بالترحم  علناً على الجنرالات الميتين، أو تقديم فروض الطاعة للجنرالات  الجدد. وتتذكر الكاتبة ما حدث  في عام 1964، عندما تم نقل شقيقها البالغ من العمر آنذاك  تسع سنوات مع زملائه في حافلة لمشاهدة جثث القتلى المعلقة  على الأعمدة.
ونطالع  في الكتاب، رسماً لقاعة السينما يظهر فيها اعلاناً  باللغة  العربية عبر شاشة سوداء. كان معظم الحاضرين  يدخنون السكائر وهم يقرأون الاعلان الظاهر على الشاشة : "حفاظاً على سلامة الوطن، نحذر المواطنين من الجواسيس وأعداء الشعب، والمندسين ارصدوا تحركات هؤلاء المشبوهين، واتصلوا بنا  على الهاتف التالي ... ".
تتزايد مظاهر الرعب من سيل الدم المتدفق في كل مكان من البلاد وتزخر هذه المذكرات. بقصصه المخيفة ويصيب القلق عائلات مثل فندقلي حول أطفالهم خوفاً من  اختطافهم. وبات من  الأمور الخطيرة أن تقوم بانتقاد  الحكومة أو  حتى أن  لا تثني عليها. كان الناس يعلّقون صور القادة العسكريين ولا يتذمرون من ذلك.  
عاشت الكاتبة طفولتها  وسط  قوانين اجتماعية حادة ومتحفظة، حتى في عهد ما قبل حكم صدام حسين. عندما كانت الكاتبة في التاسعة، تصادقت مع أنيسة، البالغة من العمر 14 عاماً والتي جاءت من الريف لتعمل خادمة لدى عائلتها. جمعت مشاعر المحبة  بينهما، وكانت الكاتبة تساعد أنيسة  في أعمالها حتى يتمكنا من اللعب معا لفترة أطول. وعندما اصبحت أنيسة  في السابعة عشرة من العمر لمحتها  والدة فندقلي وهي تمزح مع صبي في  الشارع. فاستدعت شقيق أنيسة، الذي جاء  دون تردد واختار أن يعيدها إلى القرية إلى الأبد.
كانت والدة  فندقلي فرنسية، أما والدها فكان عراقياً، والتقيا في أحد القطارات في باريس، عندما ذهب والدها الى هناك لدراسة طب الأسنان. وفي حين أن فندقلي ولدت في العراق، كانت لها  القدرة على مغادرة البلاد بسبب اصول أمها الفرنسية . وهذا الامتياز كان سبباً في شعورها جزئياً بالاغتراب. في جزء منها كانت امرأة  فرنسية تعيش في الشرق الأوسط. وأمراة مسيحية في بلد مسلم. و تنتمي الى  الطبقة الوسطى وتعيش في منطقة فقيرة.
تغادر عائلتها العراق بحلول عام 1973. ويقول والدها أنهم سيعودون مرة اخرى عندما تتحسن الأمور. "لكن هذا كان تقليلاً  من شأن الشدائد التي سيعيشها العراق في المستقبل"، حيث يصبح  صدام حسين رئيساً في عام 1979، وتندلع الحرب بين إيران والعراق وتستمر من عام  1980 إلى 1988، وتندلع حرب الخليج في عام 1990، وتعقبها العقوبات الاقتصادية، ثم تندلع حرب الخليج الثانية في عام 2003، ويظهر اخيراً تنظيم داعش".
عندما عادت  فندقلي إلى العراق في عام 1989 وهي في سن الثلاثين، كانت صدمتها  أكبر من المعتاد. حيث تقول: "لم يتم سد الشقوق في منزل الاجداد ولا استبدال البلاط المتكسر  بسبب النقص في  مواد البناء". "لقد تركت  بنات عمتي وظائفهن. كن متزوجات ولديهن أطفال. وبينما كنا متعودات على تناول  المشروبات معاً قبل العشاء، اصبحن  الآن مشغولات  بخدمة أزواجهن". وتمزج  فندقلي بشكل رائع  مشاعر القلق من الشيخوخة لديهن مع تجربة العيش بشكل محافظ. ولم تستطع حتى في هذا الجزء من أن تتهرب  من الحديث عن القتل والموت، ودائماً ما كان خطر الموت  والتعرض للصدمات  هو قدر  العراقي في اي مكان في العالم،. تعرض ابن عم فندقلي، وهو طبيب عسكري، الى احد الانفجارات، وتم نقله في شاحنة مليئة بالجثث. وفي المستشفى، يكتشف احد الاشخاص وسط  كومة الجثث، أنه لا يزال يتنفس. وفي رحلتها عام 1989 إلى الموصل، تلتقي فندقلي بابن عمها هذا. اصبح  أصلع، ومحدودب الظهر، وأجريت عملية جراحية لفكه ولم يعد بإمكان فندقلي أن تنظر في وجهه اثناء العشاء.
وحتى بعد انتقالهم إلى باريس، فإن الخطر لم يكن  بعيداً عن عائلة فندقلي. وفي عام 1978، يطلق رجل فلسطيني النار باتجاه السفارة العراقية، ويحتجز رهائن عدة، بمن فيهم والدها. ويستسلم الرجل في نهاية المطاف للشرطة.
ولكن ليس قبل أن يقتل احد الضباط اثناء  تبادل لإطلاق النار في الشارع المجاور. ولكننا  نختبر  هذا الحدث - وهذه هي لمسة فريدة من هذا الكتاب - من خلال مشهد مميز  فهي تكتب قائلة : "ثقبت احدى الرصاصات  سيارتنا، التي كانت متوقفة في الشارع،  لم نكن  نرى الناس الموجودين في السفارة. ولم نرَ والد فندقلي حتى خلال أزمة الرهائن. ولكننا نرى الأسرة بأكملها في السيارة بعد ذلك، وتروي لنا فندقلي كيف كانت تحدّق بثبات من خلال الزجاجة الأمامية. وتكتب، قائلة، عندما  كان ينزل المطر، كنت احاول الامساك  بقطرات المياه التي تتساقط على الزجاج.
 عن: لوس انجلوس ريفيو

 



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون