المزيد...
آراء وافكار
2017/09/30 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1358   -   العدد(4030)
التصورات الاجتماعية عن المرض
التصورات الاجتماعية عن المرض


 علي كريم السيد

ينظر علماء الاجتماع الطبي الى المرض على أنه حالة اجتماعية منحرفة، ظهرت نتيجة اضطراب في السلوك الطبيعي وهو حالة بيولوجية غير طبيعية، ويربطون بين المرض وبين القيم الاجتماعية السائدة..
يفيد المنظور الاجتماعي للصحة والمرض بتوجيه اهتمامنا نحو متطلبات الحياة الأسرية والعمل والأنشطة الاجتماعية والثقافة الغذائية والأمن الغذائي، والرياضة، والقيم الاجتماعية المساعدة في انتشار الامراض! فحينما يرتفع معدل المرض واعداد العاجزين، وحين يصيب المرض كل الاعمار وبشكل غير طبيعي، يخالف المنطق الطبي العلمي. عندها يجب أن نتوقف للسؤال والبحث كيف ولماذا؟ خصوصاً اذا ما قارنا بين مجتمعنا والمجتمعات الاكثر تقدماً.
 فالمرض ليست حالة أو مشكلة بايولوجية فقط، بل هو نتاج بيولوجي ثقافي نفسي، والدليل أن نسبة عدد المرضى والعاجزين تقل في المجتمعات التي لديها سياسات صارمة في الأمن الغذائي ومنع التدخين ومحاربة السمنة وممارسة الرياضة. وأيضاً لديها ثقافة ووعي صحي وغذائي.(كوريا والسويد أنموذجاً).
إن الصحة الكاملة، الشباب الدائم، الجين الذي لا يقهر، الحق في الصحة والعلاجات الاولية، الصحة للجميع.. هذه المفاهيم التي غذت الثقافة الغربية وملأت الوسائط الاعلامية لفترة طويلة، بدأت تطولها الشكوك امام هول الأمراض والأوبئة التي ضربت عصرنا (الايدز، السكري، السرطان، السمنة..) وتعود في جزء منها لا الى الفقر والفاقة، كما كان في السابق، وإنما الى الوفرة والإفراط بالاستهلاك، واتضح في الوقت نفسه استمرار الفوارق الاجتماعية والمجالية أمام الصحة والمرض، حيث أنه رغم انتشار المساواة وتكافؤ الفرص والعلاج المجاني، فتؤكد الدراسات على أن متغيرات السن والجنس والطبقة والمستوى التعليمي، لها اثار واضحة في توزيع الصحة والمرض بين الافراد والجماعات داخل البلدان الغنية. وفي باقي البلدان النامية فما زالت العديد من الدول الفقيرة تعاني استمرار امراض سوء التغذية والمجاعات وما زالت الانظمة الحكومية عاجزة عن الاستجابة للحد الأدنى من الخدمات العلاجية والاستشفائية.
يتحدث الكاتب والروائي المصري يوسف زيدان في احدى مقالاته عن زيارته لكوريا الجنوبية، ويشير الى كونه كان مهتماً بمعرفة آليات وطقوس التدين لديهم، ولكم عندما سأل مرافقه عن الدين والتدين هناك؟ اجابه: " نحن هنا نهتم بالعمل والرفاهية والصحة بشكل أساس، لذلك نحرص على أن يكون في كل بناية هنالك مركز صحي ورياضي! أما التدين فهذا شأن شخصي لكل مواطن".
أما في العراق، فيشكل الطعام العنصر الأساس لأي طقس ديني أو مناسبة عشائرية، فلا تكتمل مناسباتنا إلا بازهاق وجبات كبيرة من الطعام ومن اللحوم خصوصاً، لكي تدل على مكانة الشخص، وإلا فإن الفرد سيتهم بالبخل اذا ما قام بعمل وجبة بسيطة في العرس أو في المأتم.
فالأكل لدينا لا يؤدي وظيفته الطبيعية فقط، بتزويد الجسم بالطاقة والعناصر الغذائية، انما يشكل عنصراً ثقافياً يتم استخدامه للدلالة على المكانة والقوة والسلطة. "الزلم تأكل على كد أفعالها" كما يشير المثل الشائع! فحتى الأكل ونوعيته يتم ربطه بالرجولة والتفاخر، وهو ما يسميه الدكتور علي الوردي "بعقدة الطبيخ". وفي هذا الجانب نلحظ انتصار الثقافة البدوية على النص الديني والتراث الاسلامي الذي يشجع على الزهد وعدم التبذير كما تقول الآية الكريمة "أن المبذرين كانوا اخوان الشياطين".
كما أن هذه الثقافة البدوية تتعارض مع سلوكيات رموزنا الدينية والاسلامية التي ندّعي اتباعنا لها، فالإمام علي (ع) كان يفطر تمراً ولبناً ويرفض أن يكون الملح عنصراً ثالثاً من شدة ايمانه وخوفه من أن يكون مبذراً. وكما نعرف جميعاً، فالإمام علي هو رمز للشجاعة والبطولة. فهل منعه الأكل القليل من أن يكون شجاعاً؟!
الغريب أيضاً، أن فكرة الرجولة وعلاقتها بالأكل، نجد لها صدىً أيضاً عند بعض المثقفين والعلمويين من ذوي الميول للاتجاه اليميني، حيث يعتبرون الدعوة الى الأكل النباتي وعدم ذبح الحيوانات هي فكرة من بقايا اليسار الضعيف، ومن بنات افكار حركات اجتماعية يسارية ناشطة في حماية البيئة.
مع أن اغلب التقارير العلمية تؤكد على الآثار السلبية لأكل اللحوم والسكريات على الصحة، حتى إن الاعلامي باسم يوسف وهو طبيب جراح بالأصل، قام بإنشاء كروب على موقع الفيس بوك من اجل الترويج للنظام النباتي وأهميته وفوائده الصحية، ويتحدث عن تجربته بالقول إنه، استشار عدة اطباء مثل كولن كامبل ودين اورنيتش وقرأت ابحاثهم وشاهدت الافلام الوثائقية التي اعدوها، وعندها تعرفت على جانب من التغذية لم أكن أعلم عنه شيئاً "وهنا نتحدث عن العلم الذي نسير معه حيث يسير!".
في خمسينيات القرن الماضي ومع ارتفاع أعداد مطاعم  الوجبات السريعة وظهور ما يعرف بالهرم الغذائي الغربي المبني على البروتين الحيواني، منذ ذلك الحين بدأت تظهر الامراض المزمنة مثل السكري والقلب والسرطان.
لست هنا من اجل الدفاع عن نظام غذائي معين، فهذه ليست مهمتي، بقدر ما هي مهمة المختصين، ولكن هدفي هو الدعوة للقراءة والبحث والتثقف صحياً، هدفي أن يدرك كل شخص اهمية صحته وعلاقة ذلك بأسلوب حياته ونمط غذائه وطريقة تفكيره وتصوراته عن الصحة والمرض.
يرتبط الأكل في الدول المتقدمة بهوية الشعب وثقافته، ويشكل جزءاً مهماً من صورته وأيضاً يشكل عامل جذب للسيّاح! بل هناك بلدان يرتبط اسمها بأكلاتها، ايطاليا مثلاً تتميز (بالبيتزا والسباكيتي والكابتشينو) وهي تستفيد من الترويج لهذه الاكلات، بل وأحياناً يحدث صراع سياسي وثقافي بين الدول لإثبات اصل اكلة معينة، لأن الموضوع له ابعاد ثقافية واقتصادية كبيرة. أما في العراق فنلحظ أن اشهر الاكلات تتميز بالقسوة والتعقيد (المشويات، الباجة، التشريب) وقد تكون هذه الاكلات هي انعكاس لطبيعة مجتمعنا القاسي والمعقد!
إن طرق التعامل مع الطعام مجال أولي لنقل المعنى، كما يؤدي الطعام وظيفته بوصفه نسقاً من انساق التواصل، لأن الناس من جميع انحاء العالم، ينظمون طرق تعاملهم مع الطعام في نسق يخضع لنظام موازٍ للأنساق الثقافية، الأخرى ويبث فيها المعنى، إن مطبخ اي شعب من الشعوب يرتبط بفهم هذا الشعب للعالم.
للأسف ما زلنا في العراق نعاني الجهل في الثقافة الصحية والطرق العلمية للتغذية الصحيحة، وهي مسألة لها اسباب كثيرة تتحملها الأسرة والمدرسة ووسائل الاعلام والمؤسسات الصحية.
كما يؤكد المختصون بالاتجاه الوظيفي في علم الاجتماع الطبي والأنثربولوجيا الطبية على العلاقة بين الثقافة الصحية والمرض في ما يتعلق بالتداوي الطب الشعبي والمعالجين التقليدين أو ما يسمون بالمعالجين الروحانيين!
ولاشك أن الثقافة ونقصد بها العادات والاعراف والتقاليد والقوانين، تشكل وتحدد نمط السلوك تجاه المرض وكيفية التصرف حياله، ومثال ذلك في الثقافة البدوية تشجع على اللجوء الى الطب الشعبي عند المرض . اما سلوك المريض في الثقافة الريفية فإنه يتمثل ببطء الاستجابة والانتظار حتى يشتد عليه المرض، وايضا يجب على المريض أن يظهر بشكل رزين وكتوم، لكي لا يبدو ضعيفاً، فعليه أن يتماسك عند الألم والتحمل والصبر والاكثار من الدعاء. أما في الثقافة الحضرية فيكون اسلوب الحياة مركزاً على الاكل الصحي وممارسة الرياضة واستشارة الطبيب بشكل دوري .
إن تركيزنا على الفرد والفعل الاجتماعي، لا يعني نسيان التقصير الواضح من قبل الجهات الحكومية في توفير الامن الغذائي للمواطن، وحمايته من السلع المغشوشة والاغذية التالفة، وليس بعيداً عنا ما حدث في صفقة الرز الفاسد، الذي استوردته وزارة التجارة. حيث يلعب الفساد الاداري والمالي دوراً كبيراً في اهدار صحة المواطن وزيادة المخاطر الصحية حوله.
اضافة الى ذلك، تغيب لدينا برامج التوعية والثقيف الصحي حيث تنشغل وسائل الاعلام بمتابعة اخبار السياسيين ولا تركز كثيراً على برامج الفكر والثقافة والصحة فهي برامج لا تعود عليها بالنفع المادي!
كما تلعب المدرسة دوراً مهماً في توعية الاطفال منذ الصغر، وتعريفهم بماهية الاكل الصحي ونمط الحياة السليم. وهذا ما نفتقده للأسف، لذلك لا سبيل الآن سوى التعويل على الفرد نفسه في حماية صحته وأسرته، بانتظار أن يقوم المسؤولون بواجبهم. فالصحة هي رأسمالنا الاهم، والعقل السليم في الجسم السليم، والوقاية خير من العلاج، أليس كذلك؟ّ!
المصادر: للمزيد انظر: 1. د.عبد الفتاح محمد المشهداني، التصورات الاجتماعية للصحة، بحث منشور في مجلة دراسات اجتماعية، بيت الحكمة، العدد 28 لسنة 2012.
2. عصام العدوني، الصحة والمرض رؤية سوسيوانثربولوجية، بحث منشور في مجلة اضافات، العدد التاسع، شتاء 2010.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون