آراء وافكار
2017/10/03 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1178   -   العدد(4031)
نحن بحاجة إلى حوار اجتماعي
نحن بحاجة إلى حوار اجتماعي


 د. لاهاي عبد الحسين

"الحوار الاجتماعي" هو الوسيلة العلمية والعملية لما يمكن أنْ يسهم بتطوير وتعميق وعي الجماعة. وهو يختلف من حيث المستوى عن الحوار بين أفراد يبحثون عن فرصة للتغالب والتفوق على بعضهم البعض. وتبرز الحاجة للحوار الاجتماعي على أشدّها في زمن الأزمات التي تحدث فجوةً في السياق الاعتيادي للحياة الاجتماعية وتواجه المجتمع بتحديات لم يتهيأ لها. مثل كثير من الشعوب في العالم اليوم، فالعراق بلد يحتاج إلى البدء في حوار اجتماعي يهدف إلى تمشيط الآراء والأفكار وتصويبها من أجل الصالح العام.

 لم يحدث أنْ مرَّ شعبٌ بمثل ما مرَّ به العراقيون من تجارب صراعية ونزاعات وحروب ومع ذلك، ما زال كثير منهم يتكلم بلغة الحرب والقتال ويلوّح بها بل ويتحمس لها. لا بد أنّ شيئاً ما خطأ قد حدث في البنية والثقافة المجتمعية السائدة التي سمحت وتسمح بمثل هذه التوجهات الناتئة. واضح من خلال زخم التعليقات والرسائل المتبادلة على صفحات التواصل الاجتماعي وفي المجالس الخاصة والعامة ومن خلال النظر إلى الخلفية العمرية والتعليمية والتوجهات بل والالتزامات السياسية لهؤلاء الأفراد المتبادلين بشأن أزمة الاستفتاء في أقليم كردستان أنّه لم يبذل جهداً حقيقياً وصادقاً وهادفاً لزرع قيم المواطنة العراقية خارج التحزبات للانتماءات الدينية والمذهبية والقومية والعرقية العازلة للجماعات وليست الجامعة لها على مدى عقود متعاقبة من الزمن عبر تاريخ العراق المعاصر.
لا بدّ من الاعتراف أولاً أنّه ليس أمراً سهلاً أنْ يدخل مجتمع مثل المجتمع العراقي في حوار اجتماعي فعّال وبنّاء في محاولة لفضِّ الخلافات حول كثير من القضايا والأزمات التي تعصف به بين الفينة والفينة. الحوار الاجتماعي ليس سهلاً على مجتمع ألف الصراع والخصومة والارتياب من بعضه البعض، واستدخل العداء حتى صار عادةً ومسلكاً له. ليس سهلاً على البريطانيين الخروج من الاتحاد الأوروبي لتداخل المصالح ولم يكن مدعاة للفرح الغامر والواسع للحزب المسيحي الديموقراطي الذي ترأسهُ المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، أنْ يفوز فوزاً مشوباً بالقلق جرّاء خسارته لما لا يقل عن ثلاثة ملايين ناخب لصالح حزب اليمين الشعبوي المتطرف والحزب الليبرالي. ولكن البريطانيين اختاروا الدخول في حوارات بنّاءة لمعالجة إشكالات الخروج بأقلّ قدر من الخسائر فيما فعل الألمان الشيء ذاته لتشكيل حكومة مؤثرة  ومنسجمة تحترم إرادة ناخبيها وتعمل جاهدةً لإصلاح ذات البين بين المواطن والحكومة بسبب الخلافات التي دبّت بشأن الموقف من قضية اللاجئين وإيوائهم. الخلافات والتناقضات أمور لا يخلو منها مجتمع إنساني حديث متقدم أو غير متقدم بحكم تصادم المصالح وتعدد المقاربات، ولكن الفرق يظهر في التطبيقات العملية بين مجتمع يعود إلى الآليات الديموقراطية التي يعرفها ويحترمها ويتقن استخدامها وآخر يدّعي بها ولكنه لا يفقهها وإنْ اضطر إلى التعامل معها، فإنّه يستخدمها وفق قاعدة "شاوروهن وخالفوهن"، كما يحدث لدينا في العراق.
يلاحظ أنّ الحوار الاجتماعي الناجح والمسؤول لا يجري بين الجماعات المتطابقة في الرأي والتصور بل يجري بين الجماعات المختلفة والمتنازعة حدّ الافتراق. البنية الاجتماعية تنطوي على أكثر من مجرد فئتين أو صنفين من الجماعات لا ثالث بينهما، بل هناك الكثير من التدرج والتباين والتوافق والاختلاف المجتمعي. الحوار الاجتماعي لا يجري مع من نحبهم ونألفهم وننسجم مع توجهاتهم لأنّ هؤلاء من طبقة الأصدقاء والأصدقاء يتواصلون. ولكنّه يجري مع من نختلف معهم ونشعر بأننا لا نفهمهم أو لم نعد نفهمهم. عندما نتحاور مع من يشبهنا ويقرب منا، فإننا نعيد إنتاج أنفسنا ونتصرف كمن يكتفي بسماع صدى صوته وهذا ليس بحوار. الحوار يجري مع المختلف حدّ القرف. كما إنّ علينا استذكار حقيقة مهمة، وهي أنّ الحاجة إلى الحوار تشتدُّ في ظروف التشنج والعصبية وتوالد الأزمات وأنّه بسبب ذلك لا ينتظر حتى تهدأ الأمور. الحوار الاجتماعي الناجح والمسؤول أكثر من تحالف سياسي بين فصيلين مختلفين من حيث الأسس الفكرية والأيديولوجية والثقافية لتحقيق مصالح مشتركة ومتوافق عليها كما في التحالف بين التيار المدني والتيار الصدري. وهو أكثر من لقاءات بين قوى تمتلك الكثير من القواسم المشتركة ضمن تيار سياسي معروف بتوجهات محدّدة من أي خلفية كانت، من حيث أنّ لقاءات من هذا النوع تعزز العزلة وتعمّقها لأنّها لا تسهم في كسر المحظورات التي تُعد أحد أهمّ الأهداف الرئيسة للحوار الاجتماعي. يحدث الحوار بين فصائل متنازعة ومتضادة وغير متوافقة، وهو يستقدم أكثر من جهة. إنّه لا يكتفي بالحكومة ولا يشتمل على ممثلين لمنظمات المجتمع المدني فحسب، بل ويضمُّ مؤسسات عمل ومدارس وجامعات ودوائر ضمن سياقات تهدف إلى بلورة حلول ومعالجات وتبتعد عن تعميق المشاكل وترسيخها. تتحمل أكثر من جهة مسؤولية الدخول والمشاركة في الحوار الاجتماعي الناجح والبنّاء من قوى سياسية وشعبية ودينية وثقافية وحكومية تحضر بلا حماياتها أو شبكة مرافقيها. والأهم أنْ يحضّر للحوار بجدول عمل يتضمن القضايا ذات الاهتمام المركزي والمشترك، بالنسبة إلى المجتمع كما في العلاقة بين الجماعات المتعددة ومناقشة الخسائر التي يمكن أنْ تُمنى بها اذا ما استغنت عن بعدها الجغرافي والمجتمعي والاقتصادي، البحث في آليات تشكيل حكومة منسجمة لا يتجاوز فيها أحدٌ على أحد، ولا تتحكم فيها كتلة أو حزب، التطرف الديني والمذهبي والقومي وطرق معالجته بالكي وليس بالتغاضي والتشاغل والمواربة. وهناك القضايا الجندرية المهمّة، حيث تتصاعد حدّة الاعتداءات على النساء وتُهان كرامتهن في مجتمع طالما تباهى بأخلاقيات المروءة والشهامة والتضحية والإيثار.
واذا ما توقفنا عند الاستفتاء في إقليم كردستان الذي تسبّب في إثارة زوبعة خانقة ومقلقة من الشتائم والسباب والتهديد والوعيد، دعونا نضع خلافاتنا ومواقفنا وآرائنا السياسية جانباً ونمعن النظر في الاحتفالات الشعبية الواسعة ومظاهر الفرح والتحدي التي عبّر عنها عموم المواطنين الكرد في الإقليم. لا أحد يتنبأ بالمستقبل ولكنّ الذي نفهمه الآن، أنّ لهؤلاء الناس مبرراً قوياً للفرح وهم يعبّرون عن الرغبة في الاستقلال، وأمل لم تستطع تهديدات الدول المجاورة مثل إيران وتركيا أنْ تطفئه. ليس لمظاهر الفرح والاندفاع والمشاركة الواسعة وبخاصة من قبل الكرد تفسير غير أنّ هناك إرادة شعبية وأملاً يُداعب خيال كل هؤلاء الأشخاص ممن نتعرف على سحناتهم ولهجاتهم وتعابيرهم المنطوقة وغير المنطوقة لأنّهم منّا ونحن منهم كما نشعر ثقافياً وأدبياً وأخلاقياً. لطالما وصف الكرد بـ "العصاة" المتمردين على سلطة الدولة وخاضت الحكومات العراقية المتعاقبة حروباً نظامية ضدهم. وفي خضم الانتفاضة في تسعينيات القرن الماضي، خرج الكرد عن بكرة أبيهم من محافظات أربيل والسليمانية ودهوك، باتجاه دول الجوار ليتلقوا الموت والبرد والجوع في وديان الإقليم وجباله الوعرة بأذرع مفتوحة، باعتباره الخيار الأقل هوناً من انتظار الموت بسلاح القوات الحكومية التي كلفت بقمع الانتفاضة. استرجاع ذكريات أليمة من هذا النوع قد تنعش الضمائر بأنّ للكرد حقاً فيما ذهبوا إليه لاستغلال الفرصة التأريخية. ولكن هذا لا يبرر المطالبة بالانفصال في ظلِّ ظروف من التهديد واحتمالات التضحية بكل الإنجازات التي حققوها ويمكن أنْ يستمروا في تحقيقها في ظل العراق الموحّد القوي. إنّه ليس حديثاً رومانسياً ووجدانياً، ولكنّه حديثٌ بنفس أخلاقي وعلمي مسؤول بعيداً عن العنجهية والغطرسة والتبجّح القومي والمباهاة والتفاخر المقيت.  
بالنهاية، فالمشكلة في العراق اجتماعية، من حيث الجوهر. لو شعر الكرد بالطمأنينة وتعامل العرب بالمحبة والتضامن الذي لا تضلّله المواقف المحتدة والمعبّرة عن عنجهيات قومية عفا عليها الزمن، ولو نظرنا إلى الاستفتاء بحجمه الطبيعي، كونه لا يزيد على أنْ يكون استطلاع رأي قد نستطيع تخفيف إنْ لم يكن محو أسباب التوتر والتشنج المجتمعي. وكما كتب الكاتب نوزاد حسن في مقالة نشرت له في صحيفة الصباح العراقية بتاريخ 27 أيلول الجاري، معبّراً عن خيبة أمل واضحة إزاء زخم التعصب والتحريض على العنف ضد الكرد ما معناه "قوميتي الكردية من فضة بينما قومية الآخر من ذهب ..".
لا أحد يمتلك كل مفاتيح حل الأزمة والأزمات المتلاحقة التي تعصف بالعراق والتي تعطي للكثيرين مبررات للتدخل والتخبيث. الأزمة حالة طارئة تخلّ بوقع الحياة اليومية المستقرة وتقابل بأوضاع لا يتهيأ المجتمع لمواجهتها, ولن تحل هذه الأزمة أو تلك دون الاستعداد لمواجهتها. وهذا أمر لا يتحقق خارج القدرة على تعبئة الجماهير بنوايا حسنة وشروط مسبقة باتجاه الحل ووقف ما يشبه حرب الاستنزاف على المستوى الأدبي والثقافي والأخلاقي. المشاكل الاجتماعية تبدأ بسيطة ولا تتطلب غير إجراءات سهلة لتفاديها، ولكنّها سرعان ما تتعقد وتصعب اذا ما فشل المعنيون بمعالجتها. وهناك تلك النزعة التي يتمسك بها البعض ممن يعتقدون أنّهم وحدهم الذين يملكون وجهة النظر الصحيحة. في عالم اليوم وعلى الصعيد الاجتماعي لا وجود لوجهة نظر صحيحة واحدة وإنّما هناك وجهات نظر متعددة قد تكون كلها صحيحة، إذا ما نظرنا إليها من زاوية معينة دون غيرها. بالنتيجة فإنّ حاصل جمع الزوايا المتعددة سيساعدنا في التوصل إلى حلول شاملة ترضي معظم الأطراف المتصارعة. العالِم وسط الجهلة وصفة سيئة والجاهل وسط العلماء محنة. سنتقدم بخطوات أوسع وأسرع إذا ما قبلنا التخلي عن إطلاق الأحكام القطعية وتواضعنا قليلاً لكي نتعلم أنّ للمشاكل الاجتماعية بجوانبها السياسية والأدبية والثقافية أكثر من مقاربة وحل، وأنْ لا أحد فينا يمكن له/ لها الإدعاء بامتلاك الوصفة السحرية كاملة غير منقوصة.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون