المزيد...
آراء وافكار
2017/10/04 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 632   -   العدد(4032)
قضية للمناقشة:دفاعاً عن الملكية العامة
قضية للمناقشة:دفاعاً عن الملكية العامة


 فريدة النقاش

قبل عامين كتبت وزيرة الاستثمار "سحر نصر" مقالاً في صحيفة أمريكية كبيرة لدى زيارتها للولايات المتحدة الأمريكية، قالت فيه بوضوح، إن الحكومة المصرية في طريقها لبيع المرافق العامة بدءاً بالسكك الحديدية التي كانت قد شهدت سلسلة من الكوارث راح ضحيتها المئات، وحين عبّرت أحزاب وكتاب عن انزعاج كبير من هذا التوجه نفت الوزيرة أن يكون هناك مشروع كهذا.
وتعرف كل من السلطات والأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وصولاً إلى المواطنين العاديين مدى حساسية المصريين ضد الخصخصة، ومدى حرصهم ـ رغم كل شيء ـ على حماية الملكية العامة التي ارتبط التخلص منها بفساد غير مسبوق .
ومنذ ما قبل اندلاع موجات الثورة، دارت معارك طويلة بين المواطنين وسلطة  "مبارك" حين شرعت الأخيرة في بيع بعض ممتلكات الدولة، وكانت شركة "عمر أفندي" وسلاسلها التجارية عنواناً عريضاً لهذه المواجهة على المستويين القانوني والشعبي، وكانت أيضاً بؤرة فساد .
وبرز في هذا السياق الدور المجيد للطبقة العاملة وقدرتها على تنظيم احتجاجاتها التي كانت عنواناً بارزاً لما يقارب من ثلاثة آلاف إضراب واعتصام وتقديم عرائض، وتحريك القضايا أمام المحاكم والتي شارك فيها ملايين المصريين وكانت إرهاصاً باندلاع موجتي الثورة في 2011 ، و2013.
وجاءت هذه الموجات المتعاقبة تتويجاً فاتنا للنضال لم يهدأ عبر السنين، استهدف دائماً تغيير واقع المصريين البائس إلى الأفضل، ومنه انبثقت شعارات الثورة وأهدافها الخمسة "عيش ـ حرية ـ عدالة اجتماعية ـ كرامة انسانية ـ دولة مدنية" .
والآن وبعد أن نجحت قوى المجتمع القديم المعادية للثورة في كبحها، بل وأقول السطو عليها، يسفر مشروع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي عن الوجه القديم القبيح مرة أخرى، وتشرع الحكومة في طرح ما تبقى من مؤسسات وملكيات القطاع العام في البورصة كخطوة أولى نحو بيعها للقطاع الخاص المحلي والأجنبي، ويتجلى هذا التوجه في قطاع الصحة، إذ تقوم إحدى الشركات الخليجية بشراء المستشفيات متوسطة الحجم بما في ذلك المشروعات التعاونية التي أسستها جماعات من الأطباء.
وكانت ثقافة الملكية العامة منذ بدء سياسة ما سمّي بالانفتاح الاقتصادي عام 1974 موضوعاً للهجوم والتشهير المنظم الذي مارسه النهّابون والفاسدون، وهم يتلمظون بعد الانقلاب الذي قام به الرئيس الأسبق "أنور السادات" ضد سياسات جمال عبد الناصر الاجتماعية ـ الاقتصادية، وكان بذلك يستبق بسنوات ما أطلقه ثنائي السياسات الليبرالية الجديدة "مارغريت تاتشر" في المملكة المتحدة " ، و" رونالد ريغان" في أمريكا في مطلع ثمانينيات القرن الماضي، مطلقين وحش الرأسمالية المنفلتة على العالم كله بالتعاون مع مؤسسات الرأسمالية العالمية "صندوق النقد الدولي" و" البنك الدولي " و" هيئة المعونة الأمريكية " كأذرع باطشة للعولمة الرأسمالية .
وانطلقت كذلك الخطة الثقافية الجهنمية المواكبة للمرحلة الجديدة في تاريخ الإنسانية الحديث، والعنصر الرئيس في هذه الثقافة هو " الحل الفردي " الذي وأن فقد بريقه بعد الممارسة إلا أنه لا يزال شعاراً رائجاً في الأوساط الرأسمالية، وحتى بين بعض المواطنين الذين اختبروه في الممارسة واكتووا بناره على مدى نصف قرن، ثم عادوا ـ بعد ذلك ـ ليشاركوا في الانتفاضات الثورية وهم يبلورون حلولاً جماعية للمشكلات الكبرى التي يواجهونها في حياتهم اليومية، وفي كل المجالات الحيوية من التعليم للصحة ، ومن الإسكان للنقل ومن تلوث البيئة إلى تلوث السياسة وعنوانه الرئيس القيود على الحريات مع القبضة الأمنية .
وكانت ثقافة الملكية العامة قد تراجعت في هذا المناح الموبوء، كما شاعت ضمن هذا التراجع فكرة تقول بلا جدوى المقاومة، هذا بينما تبيّن لنا تجارب بلدان تواجه ظروفاً مشابهة أن المقاومة ممكنة، وشرطها الرئيس قدرة القوى السياسية والمجتمعية التي تبلورها وتقودها على تعبئة المواطنين أصحاب المصلحة، واستنهاض إرادتهم الجماعية والإسهام في إيقاظ وعيهم الذي شكلته الثورة وتحويل النضال من أجل الحقوق والحريات إلى جزء لا يتجزأ من النضال من أجل سياسات اقتصادية واجتماعية جديدة ، واقتلاع ثقافة اللا مبالاة والحلول الفردية من جذورها التي ترسّخها الرجعية والرأسمالية الليبرالية الجديدة لا في بلادنا فقط، وإنما في العالم أجمع، عبر سيطرة الاحتكارات الكبرى والثلاثي الأمبريالي على أقوى المنابر الإعلامية العالمية، وأكثرها نفاذاً إلى عقول وقلوب جماهير غفيرة في كل أرجاء العالم، وهو سلاح بتار من أسلحة الاحتكارات الكبرى توأم العولمة الرأسمالية.
رفض مواطنو " البرتغال " وحكومتهم التي كافحوا طويلاً ليدفعوا بها
إلى السلطة شروط صندوق النقد الدولي، والبنك الدولي وأخذ الاقتصاد ينمو بطريقة صحيّة في الارتباط بالمجتمع واحتياجات ملايين العاملين، وهو ما حدث قبل عقدين في " ماليزيا " التي وصلت صادراتها الصناعية ـ في ظل الاعتماد على الذات إلى 85% من مجمل الصادرات رغم أنها بلد بلا موارد .
نستطيع إذن أن نتعلم مجدداً من ثورتنا ومن تجارب الآخرين في طريقنا للخروج من الواقع البائس وتجنب الكوارث.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون