عام
2017/10/04 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 4477   -   العدد(4032)
ذاكرة (الأمواج) العراقية: قراءة في السيرة الذاتية العراقية للدكتور عبد الله إبراهيم(القسم الثاني)
ذاكرة (الأمواج) العراقية: قراءة في السيرة الذاتية العراقية للدكتور عبد الله إبراهيم(القسم الثاني)


لطفية الدليمي

عاشق السرديات الذي كاد أن ينتهي موظفاً دبلوماسياً
نقرأ في السيرة الذاتية جانباً من جوانب المأساة الأكاديمية العراقية المفتقدة للتقاليد الرصينة وحيث تفرض متطلبات العيش قيودها على البحّاثة والدارسين من جهة، وحيث يعيش المرء تحت طائلة الخوف من أن يكون ضحية للقوانين الصارمة (وبخاصة القوانين العسكرية) فيضطرّ حينئذ لسلوك مسالك تبدو للمراقب من بعيد وكأنها انقطاع فجائي عبثي في مسيرة المرء!!، وهذا ماحصل للدكتور عبد الله عندما أضطرّ لطلب التعيين في وزارة الخارجية العراقية طلباً للقمة العيش من جهة، وابتعاداً عن الانخراط في المؤسسة العسكرية ثانية بعد أن ظهر قبوله في قوائم الدراسات العليا، وسيضطرّ لاحقاً لطلب الاستقالة من هذه الوزارة للمضيّ في دراسته العليا .
إنّ التفاصيل التي نقرأ عنها هنا تكشف جانباً مسكوتاً عنه من هزالة التخصيصات المالية التي تُفرَد للتعليم العالي بالمقارنة مع التخصيصات الضخمة التي تذهب لمرافق أخرى قد تكون غير منتجة ، وتلك واحدة من أكثر جوانب سوء التخطيط والإدارة في بلدان العالم الثالث .

المشروع السرديّ: البداية والآفاق ورفقاء الرؤية
تكاد أن تكون إحدى أكثر جوانب السيرة إمتاعاً (على المستوى المفاهيميّ الثقافي) تلك الخاصة بنشوء جماعة كركوك، وكذلك جماعة المشروع النقدي الجديد التي ضمّت المؤلف والثلاثيّ (سعيد الغانمي ، عوّاد علي، محمد صابر عبيد)، والتي تبنّت توظيف المشاريع الثقافية البازغة حديثاً في المشروع السرديّ على الرغم من تنوّع مشارب أعضاء هذه الجماعة واختلاف دوافعهم للكتابة، وقد أجاد المؤلف وأبدع في محاكمة المعوقات التي تعترض سبيل مثل هذه التجمعات الثقافية وبخاصة إذا ما كانوا ذوي انشغالات ثقافية متباينة، وأرى أن مشهد مساءلة الآراء والإنجازات الذي حصلت وقائعه في أحد فنادق السليمانية (خلال إحدى الفعاليات الثقافية) بين الأعضاء الأربعة واحد من أكثر المشاهد إمتاعاً ويكشف عن الخلل المستعصي لإقامة أي شكل من أشكال التجمعات الثقافية (على شاكلة حلقة فيينا أو فرانكفورت مثلاً) لأسباب كثيرة .
لايكتفي الدكتور عبد الله بالإشارة إلى أعضاء جماعته السردية؛ بل ثمة حشود من الأسماء الثقافية المهمة في تأريخ الثقافة العراقية، وقد كان الدكتور موفقاً غاية التوفيق عندما أشار إلى حالة التباغض والتكاره والمغالبة على المغانم التي تسود الأوساط الثقافية العراقية والتي أراها حالة غير متناشزة مع مجمل نمط العلاقات السائدة في التشكلات المؤسساتية التي تعدّ ذيولاً طفيلية تعتاش على أعطيات الحكومة وتسود في أوساطها - وبخاصة بين أعضاء مجالسها التنفيذية - نوازع التغالب والإثرة والتدافع الشره لحصد المنافع الشخصية .

الحرب: ذاكرة الأوجاع العراقية  
لايمكن لأية سيرة ذاتية عراقية - كما أحسب - أن تتغافل عن الحروب التي خاضها العراق وأثخنت جسده أوجاعاً مزمنة مثلما تركت ندوبها في أرواح مواطنيه، وقد أفاض الدكتور عبد الله في جزء كبير من سيرته الذاتية في رسم معالم هذه الحروب وتداعياتها الخطيرة في الحياة العراقية، ونلمح نوعاً من التأكيد على التفاصيل الوقائعية لتلك الحروب وعلى نحوٍ بدت فيه السيرة وكأنها ذاكرة وثائقية لآثار تلك الحروب، وتلك خطوة مفهومة من جانب الدكتور عبد الله سعى من ورائها التأكيد على أن تلك الحروب باتت معلماً أساسياً في الذاكرة العراقية، وأنّ مقادير حظوظ العراقيين ترتّبت بفعل مقادير تلك الحروب وآثارها المدمرة .

سيرة المنفى العراقي
صار المنفى بالنسبة للعراقيّ - وبخاصة للإنتلجنسيا العراقية - سمة رئيسة في عقد التسعينيات من القرن العشرين والسنوات اللاحقة له كذلك، وقد نال الدكتور عبد الله جرعته الكبيرة من سنوات النفي الطوعي؛ فبعد أن عمل أستاذاً للسرد في الجامعة المستنصرية غادر صوب عمان بحثاً عن فرصة عمل أفضل تسدّ شيئاً من الرتق الإقتصادي الفظيع الذي طال العراقيين إبان سنوات الحصار الجائرة ، ثمّ ينتهي المطاف به أستاذاً في إحدى الجامعات الليبية على تخوم الحدود الليبية - التونسية قريباً من موجات البحر المتوسطي الذي أتاح له بعض التفرّغ لإنجاز مؤلفاته السردية المهمّة برغم كلّ المستويات المتواضعة في البيئة الجامعية التي لم تكن لتتفق مع تطلعاته الكبيرة ، وقد سعى بعدها للتدريس في جامعة إماراتية ؛ غير أنّ المقادير حملته لجامعة قطر، وهناك بدأت فصول جديدة من مسيرته السردية الخلاقة التي تتوّجت بنشر ( موسوعة السرد العربيّ ) غير المسبوقة في حقل الدراسات الثقافية العربية .

العراق المتخيّل في المنفى
يختصر الدكتور عبد الله في سيرته رؤيته المتخيّلة لعراقه البعيد في مقطع عظيم الدلالة ينطوي على توصيف دقيق لإعادة الهيكلة  السايكولوجية القلقة والضرورية معاً التي تتطلّب كبح النوازع النوستالجية الطبيعية وتطويعها للحفاظ على رؤية متخيلة لعراق محفوظ في المخيال الفردي بعيداً عن صور الرثاثة التي سادت في عراق مابعد العقد السبعينيّ من القرن العشرين . يكتب الدكتور عبد الله في هذا الصدد :
غيَّرت العزلة نظام حياتي في بلاد الرمال ، فانقطعت عن كل شيء تقريباَ إلا القراءة والكتابة، وبعض الأسفار، فضلاً عن المحاضرات القليلة التي كُلِّفت بها، وبدأ يضمحلُّ الإيقاع الساخط لحياتي العراقية ، وبه استبدلت ذكريات عن أشخاص ، وأحداث، وأمكنة ؛ لكن الحال المتعفِّنة في العراق صدَّتني عن الحنين إليه. عكفت بقوة لا تنقصها البراعة على إعادة تشكيل ذاتي غريباً في مجتمع لم يحسم أمر قبوله لي، فكأنني بذلك حقَّقت ما كنت أصبو إليه ، وهو أن أتحلَّل من روابط ورثتها من الماضي، ومع ذلك اتَّخذتْ علاقتي بالعراق شكلاً أكثر شفافية، وتدافعت سلسلة متداخلة من الذكريات إلى نفسي أخذت تزيح إلى الوراء تشدُّدي الممزوج بنقمة لاتخفى على الأوضاع السائدة فيه ؛ فتجلَّى لي محضناً دافئاً لمسار حياتي في مظهرها الجميل، ورُحت أُؤثث في مخيلتي لعراق مفعم بالبهجة يطابق صورته القديمة في خاطري؛ فلم أعد ، في ضوء هذا الترتيب الجديد، أحس بالانفصال عنه، لكنني آثرت ، بيقظة لا تكلُّ، مراقبة عواطفي كيلا أتَّصل به مجدَّدًا وهو رهين الأمر الذي دفعني إلى مغادرته ، حتى لو بقيت بعيدًا عنه إلى الأبد . ( صفحة 493 من السيرة )

عراق مابعد 2003 :
انتهى عصر الحمقى وبدأ عصر الغُشَماء
يخصّص الدكتور عبد الله الموجة الأخيرة في سيرته الذاتية للكتابة عن حال عراق مابعد 2003 ، وهو مايوصف بالعراق الأمريكيّ في الأدبيات التي تتناول ستراتيجيات النفوذ والهيمنة الدولية ، وقد أسهب الدكتور في وصف المؤثرات الفاعلة في هذا العصر الذي خلع عليه وصف " عصر الغشماء " : الغشماء في كلّ المستويات وعلى شتى الأصعدة . كتب الدكتور عبد الله في سيرته :
رأيت أن العراقيين القادمين من الخارج، وأولئك المقيمين في الداخل، غير مؤهَّلين لتمثيل تجربة ليبرالية ديمقراطية حقيقية لأسباب عملية؛ فأهل الخارج مشبعون بأفكار : الثأر، والتشرُّد ، والاضطهاد ، والمنافي، ومعرفتهم بطُرز الحياة الديمقراطية معرفة ذهنية لا سلوكية، وكانوا طارئين في بلاد كثيرة، لكنهم لم يندمجوا في أهلها، وقد عامَتْ خواطر الاستئصال والعقاب في مؤتمراتهم كلِّها، وما نفذ التسامح إلى نفوسهم، وإلى ذلك فإنّ اقتباس نماذج جاهزة للحكم محفوف بالخطر، فالعراق بحاجة إلى تطوير أنموذج ينبثق من صلب التنوُّعات الموجودة في البلاد مستفيدًا من تجارب الآخرين. وبالإجمال، فهم يشعرون بأن العراق مكان لممارسة سياسة الثأر والانتفاع وليس وطنًا يتشاركون فيه مع الآخرين ........... أما أهل الداخل فحُرموا من التدرُّب على مفاهيم الحرية، والاختلاف، والشراكة، وصيغوا في المدارس والجامعات، وفي التنظيمات الحزبية ، وفي ظل إعلام مغلق، وحكم استبدادي مطلق، على الخوف والطاعة، ومهما كان الحكم قاسياً في المستقبل على ما أقوله، فهم غير قادرين عشيَّة الاحتلال وفي أثنائه، على اختيار حصيف لمستقبل العراق ......... ( صفحة 561 - 562 من السيرة ) .
ينتهي الدكتور عبد الله إلى التعبير عن خشيته من الهوة السحيقة التي سينتهي إليها عراق الغشماء لامحالة ؛ فيواصل الكتابة ليقول :
بدأت أخشى من انحسار الروح الدنيوية، وتعذَّر عليَّ الإيمان بخدع مزورة، وظل هذا الاستشعار ملازماً لي؛ فكلَّما تقدَّم الزمن انحسرت مباهج الدنيا، فكأنَّ سحر القرون الوسطى يبسط يوتوبيا جديدة ، وصار وعد الآخرة أشد حضوراً في حياة الناس من إيقاع الدنيا، وحينما خيَّم الاستبداد السياسي والدِّيني نُذِرَت الجموع للأساطير ......... ( صفحة 568 من السيرة )

خلاصة الحكمة المعتّقة
الوعي: جدلية التجاوز المستديم
جاءت هذه السيرة مصداقاً للتجاوز المستديم للأفكار والقناعات والطروحات ، وقد عبّر الدكتور عبد الله عن هذه الحقيقة أفضل تعبير عندما كتب في سيرته الذاتية العبارات الكاشفة التالية التي تذكّرنا بكتابات الرائين الخلّص الذين دأبوا على السعي نحو الرؤية الخلاصية الفردية بعد إنغلاق الخلاص الجماعيّ :
جعلتني رضَّة الحرب أفكِّر بالعراق في ضوء مختلف، وتبيَّن لي أنني لم أزل مشوشاً؛ فلا يستقيم أمر الوعي بالرغبة والادِّعاء؛ إنما بالتجارب والملامسات المباشرة.  وكلَّما حاولت أن أطوِّر وعياً في قضية أجدني خاملاً  في أخرى. ولعلي أدرك الآن بأن اكتساب الوعي كاملاً أمر مستحيل ؛ فالمرء تلتبس لديه أحاسيس متداخلة من الماضي والحاضر، ومن العلاقات والمصالح، ومن التأملات والمخاوف، وهو بحاجة لإعادة تعريف وعيه المتواصل بالظواهر التي تحيط به .  يترقَّب الآخرون مساراً متصاعداً للوعي بكل شيء، لكن مساراته ملتوية، ومتداخلة، وبطيئة، ويصعب التنبؤ بالنهايات التي ستنتهي إليها، وهي كالأمواج المتلاطمة، تتدافع حيناً، وتتتابع حيناً آخر، فتنحسر موجة لتظهر أخرى . ( صفحة 432 من السيرة )
ثمة موضع آخر من السيرة نقرأ فيه مايدعم الفكرة السابقة ويستزيد عليها ، وهي أقرب إلى خلاصة رؤيوية تتصادى مع متطلبات الرؤية الإنسانية العولمية ، وقد أجاد الدكتور عبد الله أيّما إجادة في الإشارة إليها في سيرته ووجد فيها حلاً لمعضلة وجودية ملحّة ، فكتب قائلاً :
وقد حلَّ لي راهب سكسوني يُدعى فيكتور، عاش في القرن الثاني عشر الميلادي، تلك المعضلة ؛ إذ قال : لعل من أهم مصادر الفضيلة ، لدى الإنسان ذي العقل السليم ، أن يتدرَّب منذ البداية ، ثم خطوة إثر خطوة بعد ذلك ، على تغيير نظرته إلى الأشياء الطارئة، لكي يتخطَّاها؛ فالإنسان الذي يؤمن أن بلاده أثيرة إنما هو غرٌّ طريُّ العود، أما الذي يرى في وطنه الأرضَ كلها فقد بلغ مشارف القوة ؛  لكنّ المرء لا يبلغ الكمال إن لم يجد أن العالم بأجمعه غريب عنه ؛ فالغضُّ هو الذي يركِّز حبه على بقعة من العالم ، والقوي هو الذي يغزو بحبِّه العالم ، أما الكامل فهو الإنسان الذي أطفأ جذوة حبه إلى الأبد . (صفحة 494 من السيرة).



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون