الاعمدة
2017/10/03 (21:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1419   -   العدد(4032)
منطقة محررة
فيما خصَّ الهجرة وطرق الهروب
نجم والي




 

ها هو البحر الأبيض المتوسط يتحول إلى مقبرة، كما تحول قبله طريق البالقان إلى طريق للموت، ولا حلّ يلوح بالأفق، على العكس أعداد الهاربين في تزايد، والسياسة تحذر وحسب، الموقف الأخلاقي أوروبياً بائس، المنطق يقول، من يريد مواجهة ما أطلقوا عليه أزمة اللاجئين، عليه إعادة السلام إلى مناطق الحرب، لكن في نفس الوقت تصدر أميركا، روسيا، أوروبا، المانيا وفرنسا وغيرها السلاح، الرفاهية التي نعيشها في الغرب، لها علاقة بتزايد تجارة السلاح، الأرقام تشهد على ذلك، 4,2 مليار يورو وصل وحده حجم تصدير السلاح في المانيا عام 2015 (رقم قياسي في تاريخ المانيا، جريدة تاتز 10.مارس/ آذار 2016)، المنطق يقول: لو لم يحدث الأمر بهذا الشكل دائماً، لو لم يُصدر السلاح وبهذا الحجم، لكان على الفرقاء المتقاتلين خنق بعضهم بأيديهم.
فيما على الطرف الآخر نرى المهربين ذاتهم، هم أنفسهم، التسعيرات ذاتها، كان يجب دفع مبلغ كبير للمهربين، لكي تصل أختي خلال يومين وسالمة إلى فرانكفورت، بالتأكيد هم أنفسهم الذين أشرفوا على عمليات تهريب البشر الكبيرة التي حدثت بين صيف 2015 وربيع 2016، أو ربما هم أبناؤهم، لا يهم، فمن الناحية الشكلية لم تختلف عمليات التهريب، لا في الطريق الذي اختاره المهربون لبضاعتهم البشرية، وإن انحرفت أحياناً إلى هذا الطريق الجانبي أم لا، فهي ظلت على حالها في المحصلة، طريق البالقان ذاته، ولا في العدّة التي طلبوا من الهاربين التزود بها: الملابس ذاتها سواء فيما خصَّ زي النساء أو زي الرجال، دائماً من قماش الجينز، الأحذية الرياضية ماركة نك، حقيبة ظهر صغيرة، قنينة ماء صحي عُلقت في أسفل الحقيبة، وفي حالة القادمين عن طريق البحر، سترة النجاة البرتقالية ذاتها، العدّة هذه التي ربما لحقت بها أشياء صغيرة أخرى، على الهاربين أنفسهم دفعها للمهرب الذي سيشتريها لهم بعد معرفة قياساتهم، ثمنها  ضمن الإضافات (أو النثريات) اللاحقة بتسعيرة التهريب.
كل ذلك تعرفه السياسة، تعرف أن وراءه شركات ومصانع ورأسمال ومافيات، حتى الفنادق في أزمير وآيفالك وتسالونيكي وأثينا، هي عناوين محددة، إجبارية على الهاربين النوم فيها ثلاثة ليالٍ على الأقل، قبل تهريبهم، وهي من النثريات التي عليهم دفعها، 50 يورو تسعيرة الليلة الواحدة. على الأقل.
لم أعرف أن الرحلة التي فكرت بالقيام بها، لفضول، لرؤية ما يجري بأم العين، للحصول ولو على انطباع بسيط لما يجري هناك، ستذهب باتجاه آخر، أو أنها ستنتهي إلى منحى آخر، كان أكثر ما فكرت به في حينه هو عرض المساعدة بالترجمة من اللغة العربية بين اللاجئين والمنظمات الطبية العاملة هناك، لم أعرف أن الرحلة في أبريل/ نيسان 2015 إلى معسكر إيدوميني، ستحملني على زيارتها مرة أخرى في يوليو/ تموز من نفس العام وحسب، هذه المرة لفترة أطول، وعن طريق التنقل براً عبر طريق البالقان، بالباص مع الناس، من تسالونيكي حتى أسطنبول، أكثر من 550 كم، ومن اسطنبول حتى إزمير، قرابة 400 كم، ومنها إلى آيفاليك، حيث تنطلق شمالها بكيلومترات قليلة قوارب المهاجرين، ثم بالباخرة إلى جزيرة ليسبوس، حيث هدف أغلب تلك القوارب المشحونة بالبضاعة البشرية، شرق وشمال الجزيرة بالتحديدة، في إيفتولو وموليوس، مثلما لم أعرف أن هذه الرحلة ستجعلني انتهي إلى كتابة كتاب لم أخطط له أبداً، لا عام 2015 ولا قبلها. بل والأكثر مفاجأة لي من ذلك، هو أن الرحلة هذه، ستحملني على تذكر موجات هروب ساحقة، أولها هجرة الهجرات أو لحظة الهروب الكبرى التي تأسست عليها البشرية، هجرة الهجرات بالأحرى التي سيبدأ بها هذا الكتاب الذي بين أيديكم.
* من مقدمة كتاب "طريق البالقان" لعنة وبركة آلاف السنين، الذي سيصدر للكاتب الأسبوع المقبل في 12 تشرين الأول في ترجمته الالمانية مع يوم انطلاق معرض الكتاب العالمي في فرانكفورت.

 



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون