آراء وافكار
2017/10/05 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 982   -   العدد(4033)
الدولة الكردستانية.. الحُلم باقٍ والطريق طويل  (1)
الدولة الكردستانية.. الحُلم باقٍ والطريق طويل (1)


 غالب الشابندر

الكرد بشكل عام مظلومون، سواء في سوريا أو إيران أو تركيا أو العراق، على درجات متفاوتة بطبيعة الحال، وما حققوه من مكاسب هنا وهناك جاء بفضل نضالهم وصبرهم وتعاطف بعض الأنظمة الدولية معهم، وبفعل تطورات مفاهيم حقوق الإنسان وترسخها في الضمير البشري، فقد تم الاعتراف باللغة الكردية في بعض مناطق تواجدهم، وحازوا على نصيب كبير من الحقوق في العراق، بل وكبيرة جداً، وفي طريقهم لأن يفوزوا بحق أكبر وأعمق أين ما وجدوا.
الحُلم الذي يراود الكرد هو الدولة الكردية (كردستان)، وهو حلم مشروع بطبيعة الحال، انطلاقاً من مبدأ حق تقرير المصير، فإذا كان لليهود حقهم في دولة، وهم ديانة وليسوا قومية، كيف لا يكون للكرد مثل هذا الحق وهم قومية؟ وهذا الحُلم يراود الكرد ليس على مستوى قيادات كردية وشخصيات كردية كبيرة وأحزاب كردية، بل هو حُلم كردي يراود كل أسرة كردية، كل (فرد) كردي، وبالتالي، هي قضية قومية بكاملها، لا فرق بأن يكون الكردي عراقياً أو تركياً أو سورياً أو لبنانياً أو إيرانياً... وفيما يشكل هذا الحق القاسم المشترك الأعظم لكل الكرد، إلاّ أنهم يختلفون في التفاصيل، تُرى كيف يتم إحراز هذا الحُلم؟ هل يكون الحق في الحكم الذاتي منطلقاً لتأسيس الدولة الكردية فيما بعد، أم ينبغي العمل على الانفصال على شكل دويلات كردية ثم يتم التأسيس الأكبر؟ وهل العمل السياسي والإعلامي هو السبيل أم حمل السلاح والقتال هو السبيل؟ وهل يستوجب ذلك ستراتيجية شاملة متكاملة يتفق عليها كل كرد العالم، أم هي قضية متروكة لاجتهاد متعدد، والاجتهاد خاضع لظروف دولية وأقليمية ووطنية؟ وهل السياسي والثقافي متقدم على العسكري أم العسكري متقدم على السياسي والثقافي أم كلاهما معاً، ستراتيجيتان متوازيتان؟
هذه الأسئلة وغيرها مطروحة، ولا شك في أن زعماء الكرد وصنّاع القرار السياسي منهم لم تغب عنهم مثل هذه الأسئلة، ونظائرها كثير، وربما هناك حوارات جادة بينهم، إلاّ أن البيّن لا يكشف عن اتفاق في الإجابة على هذه الأسئلة، بدليل الصراعات بين مكونات هذا الشعب التي تتسم أحياناً وأحياناً كثيرة بالدم، حتى داخل البلد الواحد. التجربة العراقية ماثلة هنا بشكل صريح وصارخ، فالدماء التي سالت من الجسم الكردي العراقي بسبب المعارك بين الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني كانت غزيرة وغزيرة جداً، والخلاف الكردي / الكردي في تركيا كثيراً ما يهدد بقتال عنيف، والأحزاب الكردية في سوريا مختلفة، وهي من الكثرة بما يفوق كثافتهم السكانية...
هل مثل هذه المفارقة تستدعي التخلي عن هذا الحُلم الكبير؟ حُلم كل كردي يعيش على وجه الأرض، مهما كانت جنسيته الآن، ومهما كان دينه، ومهما كان اتجاهه الايديولوجي، ومهما كان مذهبه ولونه؟
لا...
لأنه حق مشروع، فهو ليس حُلماً مجرَّداً، بل حُلم له مناشئه الطبيعية والجغرافية والعرقية، فليس مثل القومية الكردية متواصلة الجغرافية والديمغرافية، وليس كالكرد يملكون تاريخاً مشتركاً، والظلم متساوٍ بالنسبة لهم جميعاً، وعليه من التعسف أن تكون تلك المفارقة وربما أيّ مفارقة أخرى سبباً للتخلي عن هذا الحُلم المشروع...
إن القضية الأولى التي ينبغي أن يعيها الشعب الكردي هنا، أن هذا الحُلم ستراتيجي، ولا مناص عنه، ولكن الطريق إليه طويل، لقد صرح أحد قادة الكرد العراقيين قبل أيام، أن الدولة الكردية سوف تشهد النور خلال السنوات العشر الآتية !
إن التوقيت بمثل هذه الحدية الجازمة مضرٌ بالقضية الكردية بشكل عام، اقصد الحُلم الكبير. كيف يتسنى لمثل هذا التوقع في ظل متغيرات دولية هائلة، لم تستطع أرقى مراكز الرصد الدولية سياسياً واقتصادياً وعسكرياً أن تضبطها وتحددها؟
إن التوقيت بمثل هذه الحدية الجازمة لا يخدم هذا الحُلم، والاوفق هو أن يُقال: إن حلم الدولة الكردية قائم، باقٍ، والطريق إليه طويل وشاق، وأفقه الزمني متروك لأكثر من عامل، منها الدولي، ومنها الاقليمي، ومنها طبيعة العلاقات بين الكرد أنفسهم، هذه هي لغة السياسة بمدرستها الواقعية التي حققت ظهوراً متميزاً على نظيرتها من المدارس الأخرى...
إن استعجال الحلم ليس بالضرورة في نفع هذا الحُلم، بل قد يكون في ضرره، فقد يكون كميناً بصنع الكثير من العوائق والعراقيل على الطريق، إن دولة كردستان الكبرى أو الجزئية ليست بهذه السهولة، هنا نستذكر ما قاله مرّة رئيس وزراء السويد الراحل اولوف بالما حول هذا الحُلم الكردي المشروع، حيث قال بما يفيد استحالته ! لم يصدر الرجل عن خيال أو تقدير غير محسوب، بل من قراءة واعية ودقيقة للواقع، وعندما يرى بعضهم استحالة هذا الحلم من سياسيين كبار، ومثقفين كبار أمثال نعوم دشومسكي وغيره انطلاقاً من هذه التقديرات التي وضعها اولوف بالما في الحساب والحكم. وما لنا نذهب بعيداً، وهناك كرد من الوزق الثقيل على هذا التصور، كما هو منقول عن السيدين جلال الطالباني ومحمود عثمان.
الذي أريد أن اخلص إليه من كل هذا، أن الحُلم يبقى حياً في النفس، وفي الضمير، ولكن هذا الحُلم رغم مشروعيته يجب أن لا يدعو للاستعجال، والتوقيتات الحازمة، بل يجب أن ترافقه واقعية مكثفة، قوامها أن الطريق طويل وشاق.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون