سينما
2017/10/05 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 4567   -   العدد(4033)
فيلم "أغنية لأغنية" تيرانس ماليك والدوران حول الذات
فيلم "أغنية لأغنية" تيرانس ماليك والدوران حول الذات


علي الياسري

من التأملات الفلسفية للدائرة، انطلق المخرج الاميركي تيرانس ماليك في حقبة سينمائية شكل فيها أسلوبه الإخراجي بوضوح نقلة نوعية عن المرحلة التي سبقت فيلمه (العالم الجديد)، الذي صدر بمنتصف العقد الأول من الألفية الجديدة. ملامحها الأولية ظهرت كبواكير جلية بفيلمه الرائع (الخط الأحمر الرفيع).
ومع مدير التصوير البارع ايمانويل لوبزكي تشارك دوامات الكشف البصري للصورة. ملوحاً بصوت يأتي من خارجها يسرد ملامح مكثفة للحياة التي تتحرك فيها. كما أن ماليك بنهجه السينمائي يستطرد بصرياً ضمن حدود الكادر، زارعاً أفكاره حول الكائنات، ومبرزاً دوران سير وجودها من التوهج إلى الانطفاء. يختزل خط الزمن الدرامي إلى لحظات تجود فيها الكاميرا المحمولة عن حدث يتداخل فيه الماضي بالحاضر في حلقة يضيق أفقها أو يتسع حسب شدة الاحساس الذي يكتنف الإنسان، ومنطلقاً من نقطة لايلبث أن يعود إليها في الختام. في سياق ذلك يضع كل الظواهر الطبيعية والمعارف والثقافات وحتماً المشاعر والأفكار الشخصية بحلقة دائرية صارت تضيق مع كل فيلم تلا عالمه الجديد، الذي امتلك مثل حكايته نقاء الشكل السردي المستحدث لماليك وقتها ودهشة المتعة البصرية لكاميرا لوبزكي، وصولاً لآخرها أغنية لأغنية. نضج هذا الأسلوب كثيراً في فيلمه (شجرة الحياة)، حين تتداعى الذاكرة على وقع الطبيعة لترسم صورة الحكمة النابتة من ثنائية الحياة والموت في حركة سمفونية مثلت موسيقى فلسفة الوجود الدائري. اتبعه بعجالة إخراجية لايفهم سرها الحقيقي، لأنها بدت غريبة حين تقارن بالفاصل الزمني بين (أيام الجنة) و(الخط الأحمر الرفيع) الذي بلغ 20 سنة، أو السبعة أعوام التي انتظرها حتى قدم فيلم (العالم الجديد)، ثم سنوات ست أخرى لظهور (شجرة الحياة). هذا التهافت الإنتاجي ضيق من معيارية الجودة لأفلامه، فبدا عمقها بالانحسار مع تصاغر دوائر الأفكار بقصص حب متشظية تفتقد المراكمة، وممزوجة بكليشيهات بصرية صارت تكراراً مملاً، فقدت فيها حركة الممثلين داخل الكادر قوة التعبير السابقة، وبدت أحياناً كثيرة بلا معنى، وغدا الصوت من خارج الصورة أو حتى الحوارات داخلها محملين بعبارات مبتورة ضبابية لاتبدد حيرة المشاهد ولا تساعده في لملمة أطراف الحكاية كثيراً. فكانت أفلام (نحو الأعجوبة) و(فارس الكؤوس) و(أغنية لأغنية) نماذج نمطية الشكل الإخراجي مبهمة المضمون وباهتة، عسيرة على تكوين الادماج المشهدي السينمائي الذي يسعى إليه ماليك في رصد الكشف الذاتي للإنسان، وسبر كينونته بالدوران توازياً مع أنساق الحيوات الأخرى للموجودات والطبيعة والكون. فيلمه الأخير (أغنية لأغنية) محاولة خائبة أخرى نحو خصوصية شعور إنساني من وجهة نظر أنثوية تسعى لتبديد حيرة الصراع الداخلي الذي يجتاحها بين الحب كاحساس نقي يولد الطمأنينة والسلام النفسي وبين حيرة الرغبة البشرية إزاء الحاجة الجسدية والطموح حيث يقف فيه الفرد على حد ينزلق فيه تارة نحو تلبية الأنا التي يتبعها الخيانة والكذب، وتارة يعود إلى نداء الروح. فيلمه هذا الذي تأخر اطلاقه من العام 2011 حتى العام 2017 يبدو منتمياً أكثر للفيلمين اللذين سبقاه، وفيها تتضح معايير سينما ماليك الساعية لتجارب بصرية تستدعي أفكاراً فلسفية وأنماطاً شعرية أقرب لسمات مابعد الحداثة، يحاول من خلالها استخراج مفهوم صوري بمضامين ثقافية وفنية واجتماعية تستقرئ البيئة الحياتية للإنسان المعاصر وفق خصوصية الحدث المكانية ضمن قصة كل فيلم، في مسعى شخصي للصانع قبل أن يكون عاماً للجمهور، لفهم التطور المتسارع لهوية الفرد الوجودية، والتي صار شعور الضياع والغربة وتشوش الرؤية والمشاعر وانحسار الأمل وتوالي الصدمات سماتها العامة. وربما يساعدنا هذا في استيعاب طريقة ماليك بالاعتماد على ارتجال الحوارات المقتضبة أثناء التصوير، فقد يكون ذلك لدفع الممثلين اضفاء جوانب من رؤاهم وأفكارهم على الشخصيات وفق فهمهم لملخص القصة التي يريد روايتها بالفيلم. ارتجال فرضه حتى على كاميرا لوبزكي، وبرأيي إن خيار ماليك هذا افقد أفق خيال مدير التصوير الزمن اللازم للخروج بالأفضل، وكذلك الحال بالنسبة للممثلين. ومن كل ذلك صارت الأفلام الثلاثة الأخيرة وخصوصاً (أغنية لأغنية) أشبه بقصيدة حداثية دائرية. فنجد هوساً متعاظماَ في الالغاء لتراتيبية السرد، عدم انتظام لتوقيتات المشاهد والقطع، وزيادة أكبر لحركة الكاميرا الدائرية. وسواء كان ذلك متقصداً لمسايرة الخلفية الموسيقية لقصة الفيلم وحساسيتها الشعورية القلقة، أو هو ثابت أساسي لنزعة التجريب عنده، فإن الأمر لم يفض إلا لصورة تقارب الهلوسة التي يحدثها المخدر، أو هذيان حلم في ساعة نوم بنهار قائظ. أن عجالة تيرانس ماليك في صنع الأفلام دون أخذ الزمن الكافي لنضجها ومنحها العمق الفكري اللازم، سواء على الورق أو خلف الكاميرا أو بغرفة المونتاج، وضعه في خانة تكرار الذات، وجعل دائرة معجبيه تضيق فيلماً بعد آخر، لأن منتجه الأخير بدا مشوشاً سردياً، يفتقد لمنحنى قوس الروح اللازم الذي يوصل جمالياً نقطة البداية بالختام، كدائرة محتمة للإبداع.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون