المزيد...
عام
2017/10/05 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 894   -   العدد(4033)
آليس الدليلة في اكتشاف عجائب القراءة
آليس الدليلة في اكتشاف عجائب القراءة


 سعد محمد رحيم

القراءة ليست وسيلة، وحسب، لبلوغ غايات (أولها التعلّم).. إنها غاية بحد ذاتها أيضاً.. أنا أقرأ لأنني أشعر بالحاجة الملحّة إلى القراءة.. القراءة لأشخاص معينين إدمان. لذا قد تكون كلمة (المتعة) مبتذلة، أحياناً، ونحن نتحدث عن غايات القراءة.. ذلك أمر يتجاوز المتعة إلى ما يشبه الغبطة الصوفية، أو فرح العشق. أو أنها المتعة التي يصعب تعريفها، كما يصعب تعريف الأنا المنغمسة فيها، وكذلك تعريف لحظة تلك المتعة مثلما ينبئنا ألبرتو مانغويل في كتاب (فن القراءة.. ترجمة عباس المفرجي.. دار المدى/ بيروت 2014).. وهل نقول إن الإيقاع الذي على وفقه تنبثق سعادة الممارسة الإيروتيكية ونشوتها يحاكيه إيقاع القراءة السارّة لكتاب آسر؟.
 
يضيف مانغويل: "أنا أعتقد أن تجربة القراءة شأنها شأن تجربة الإيروتيكا، يجب أن تكون في النهاية مجهولة. يجب أن نكون قادرين على الدخول إلى الكتاب أو إلى الفراش كما دخلت آليس إلى غابة المرآة، لا نعود نحمل معنا أحكاماً مسبقة عن ماضينا ومتخلين من أجل تلك اللحظة من الاتصال عن حيلنا الاجتماعية. قارئين أو ممارسين الحب، علينا أن نكون قادرين على فقد أنفسنا في الآخر، في ـ باستعارة صورة القديس يوحنا ـ ما تحوّلنا إليه: قارئ في كتاب في قارئ، عاشق في معشوق في عاشق. (Jouir de la lecture) (التمتع بالقراءة)، يقول الفرنسيون الذين عندهم بلوغ ذروة النشوة والمتعة معبر عنها بكلمة شائعة وحيدة"ص275.
وبمناورة بلاغية ـ منطقية بمستطاعنا تقليب دفتر التساؤل؛ ألستَ مع فعل القراءة، أحياناً، تشعر بالاكتفاء، من غير وجود الآخر، كوحيد الجنس، حيث تكون أنت المكتوب والمقروء والقارئ؟.
إذن، ما الإغواء الذي تمارسه القراءة؟. أي الكتب تخبئ بين صفحاتها وسطورها سايرانات تجذب سامعيها/ قرائها إلى الهلاك؟ الهلاك، ها هنا، ليس الموت الفيزياوي، بل أنك لن تعود كما كنت.. نفسك الماضية ستتلاشى، لتحل محلها نفس بديلة، في معظم الأحايين أفضل... الكتب تحوِّل.
آليس تدخل المرآة:
يصدر مانغويل فصول كتابه بعبارات مقتبسة من كتابيّ (آليس في بلاد العجائب) و (عبر المرآة).. آليس التي تدخل في المرآة، فتألف العالم مكثّفاً مختزلاً مرمّزاً في صراعاته وتغيّراته، في خيره وشرّه، بجماله وقبحه.. لكأن آليس تصبح له الخارطة الموجِّهة للقراءة.. مرشدته في عوالم الكتب وممراتها، فهي التي تمنحه الضوء وإشارات الطرق، وربما الهدف أيضاً. وكما اكتشفت آليس فـ "كل القراءات الحقيقية هي هدّامة، ضد المزاج"ص25.. مسرّة الرؤية الأولى، رهبة ولوج الغابة المجهولة، الغموض الذي يستنفر الحواس، ويستفز الحدس، أن يأخذك العجب، وأن تسمّي ما لم يتخذ اسماً بعد، حين تلتقي الكتب، حتى وإن سبق لك قراءتها "مثل آدم محيياً زرافته الأولى" ص28. لإعادة التعرف على الأشياء.. لتجاوز بلادتنا المتراكمة بسبب التكرار، بعدما فقدنا الاحساس لا بجمال الوجود ومغزاه فقط، وإنما بتعاسات العالم وآلام البشر في كل مكان... ما يبتغيه مانغويل هو صور "لها عمق، تستلزم تفكيراً، حتى لو لم تعرض (أثناء سريانها) مفردات لتسمية ما موجود فيها" ص27.
وحكايات آليس التي قد يراها بعضهم نتاجَ خيالات صبيانية، إنما هي في الحقيقة وكما يستعين بكشّافاتها مانغويل وهو يترسم خطاه في دنيا الكتب والثقافة، صور تعكس لا طبيعة الحياة الإنسانية وتناقضاتها فقط، وإنما طريقة تفكيرنا أيضاً بالتواءاتها ومفاجآتها وجانبها اللا معقول، إذ تشق سبيلاً إلى الحقيقة.. الحقيقة المتوارية المخاتلة المقنّعة المتلوِّنة والهاربة.. "تجربة حقيقية وفن حقيقي (مهما أضحت الصفات غير مريحة) يشتركان في هذا: هما دائماً أعظم من فهمنا، حتى أعظم من قدرتنا على الفهم. حدّهما الخارجي هو لنا دوماً بعيد المنال.." ص27.  
على آليس أن تعرف أولاً من هي/ ماهية أناها؛ (ذلك اللغز الأعظم) لتدرك العالم من حولها. أن تعرف إلى أين تمضي حتى يرشدها القط إلى الطريق. أن تؤمن بوحيد القرن، بعدما تراه، كي يؤمن هو بها. أن تكتب الأشياء لأجل أن تفهمها أكثر. أن تتأمل قول التوأم (همبتي دمبتي) حين تعتقد أن السؤال الأصل هو (إن كنت تستطيع أن تجعل الكلمات تعني أشياء مختلفة كثيرة) فيجيبانها (السؤال هو؛ أي كلمة ستكون هي الغالبة ـ هذا كل شيء). أن تفصح عن عجزها باستسلام لصانع القبعات في حزر اللغز. وتسأل: ما هو الحل؟. أن ترى ما تبدو عليه الحديقة. وأن تنال شيئاً من المرح.. فرحلة آليس هو رحلة الكائن في الوجود من أجل المغامرة والتجربة، ومن أجل المعرفة، ومن أجل التلاؤم والانسجام حتى مع أشد الأحداث غرابة وخطورة. وأخيراً من أجل الحرية.
والمتاهة التي تجد آليس نفسها بها يضعها مانغويل أمام مرآة القراءة فتتوضح له المسالك والدروب.. تماماً كتلك الفكرة التي خطرت لآليس (لماذا، إنه كتاب مرآة بالطبع! لو وضعته أمام مرآة ستظهر كل الكلمات بشكلها الصحيح ثانية). فآليس هي دليل مانغويل، في هذا الكتاب لفك شفرات ما يحيطنا وما يباغتنا وما يغوينا وما ينفرنا، وذلك كله بوساطة القراءة. الاستمرار في القراءة.. القراءة، وإلى الأبد.
نستمر في القراءة لأننا مهووسون بالتساؤلات المقلقة، مدمنو حيرة، هيامنا الغموض.. ليس الوصول إلى الحقيقة هو دافعنا على الدوام، ولا حتى الوضوح، بل المتاهة.. مغامرة الدخول في المتاهة.. وكان بورخس يقول: "إن المتاهة هي الثيمة المركزية للأديب الكبير".. فنحن لا نريد أن نكتفي، لا نريد أن نتوقف.. نسعى لتلك اللذة المجنونة التي تمنحها المحاولة وتكرارها.. أن نعلق في الممرات المتداخلة، ونمضي قدماً من غير أن نرجو الخروج.. حريتنا هناك.. ومن يدخل متاهة كتاب جيد، لن يخرج منها على الإطلاق.. فمن حسن حظنا أنه ليست هناك الحقيقة الناصعة الكلية النهائية الثابتة والصلبة، وإلاّ ماذا بعدها غير العطالة والملل وتوقف التفكير، والبلادة؟!.نشتري كتباً جديدة ولا نمتلك توقعات كبيرة بأننا سنعرف بعد قراءتها كل شيء.. ما نرومه هو تحسس ظلال معانٍ رجراجة، تذوّق حلاوة اللغة وقد صيغت ببراعةٍ وفنٍ عالٍ. وعدُ معانقة جنّية الجمال المراوغة والمتمنِّعة والغاوية، والتي لا تبعث على الراحة، ولا تمنح الأمان.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون