عام
2017/10/08 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 545   -   العدد(4035)
لا عن شجاعة الفراغ
لا عن شجاعة الفراغ


ياسين طه حافظ

لم أقل شجاعة في الفراغ، قلت شجاعة الفراغ، لأني أردت عصفورين لا واحداً. أردت أن أضع الشجاعة موضع الاتهام إن كانت في غير محلها وعن الشجاعة الفارغة التي نتبجح بها من بعيد أو التي نريدها من سوانا. وسوانا قد يكون إنساناً حياً على الأرض أو إنساناً نصطنعه في الكتابة الأدبية.

لكن لماذا اتحدث عن شجاعة وفراغ وأنا بعيد عن الثكنات؟ اتحدث لأن كثيرين يريدون الآخرين أن يكونوا شجعاناً، يريدون الآخرين، لا أنفسهم، هم! استغلال آخر. هم يريدون الإفادة من اقتحام هؤلاء، هؤلاء يواجهون جراحاً، أسراً، تعذيباً أو قتلاً وحشياً وهم يتحدثون عن شجاعات فارغة يريدونها قدر ما يستطيع الخيال. هذا تصور أول للشجاعة، كما نريدها في الحياة العملية، الاعمال الاعجازية، في المناصرة، وفي الاعتراض أو العقبات دون الانجاز.
لسنا ضد فكرة الشجاعة ولا ضد الاتصاف بها ولكننا نريد من انفسنا ومن سوانا أن يعرف المرء كيف هي ظروف "العمل الشجاع" لنقدرها بعد ذلك حق قدرها ولكي لا نطلبها لأسباب هيّنة أو بعمى عن كل شيء. يمكن ارجاء الطلب الى وقت الحاجة إن كان أكثر خطورة. يمكن أن يكون الطلب من اجل الوطن مثلاً، أو الإنسانية أو إنقاذ روح ممتحنة أو جمال في عسر صعب، لكن علينا أن نعرف الظرف ونعرف النتائج ونقدرها كما نعرف الأسباب.
في الحياة العملية وفي الأزمات، تكون خطابات الحث على الشجاعة خطابات أدبية والأدب مثلما يصنع نبضاً لتقدم العالم هو يقدم امثلة للشجاعة خيالية وأحياناً تبدو مضحكة  في الواقع العملي. الأدب خال من المواجهات الحية ويكتب في غرف آمنة ومريحة. لكنه في مواصلة الكتابة – وهي هنا لهو أو صناعة ، يصل بالمعركة أو بحركة البطل الى نهايتها وقد يهتم ببعضٍ يختاره أو يرتاح له مما فيها. وتراه مزهواً بإطالتها، ينهي صفحة ويبدأ أُخرى. لكن كل هذا في خياله. لساحة التجربة أو المعركة منطق آخر. السلوى أو صناعة الربح، غير المواجهة. وخوض التجربة.
وهكذا يمكن أن تكون القصيدة في موضوع كهذا ملحمة وتكون القصة بصفحات رواية، لكننا لا نرى القتل الحقيقي ولا نرى الدمار العصبي والنفسي ولا العذابات الخفية لأيّ من اصحاب هذه التجارب. نحن احياناً نصنع من المبالغات ومن الفراغ مجداً! نحن في كل الاحوال، في الكتابة، أو المواجهة العملية، نحتاج الى مزيد من الرصانة، من فهم الامور، من البصيرة، قبل أن نكتب وقبل أن نعلن عن طلب الشجاعة أو الحث عليها. وحين اقول  الحاجة الى بصيرة، يتضمن هذا الكلام الحاجة الى العلم الذي يحيط بالحال كلها: البيئة، القوة المتيسرة للإنجاز، القوة المواجهة ومدى الفراغ المتروك وراءنا والفراغ المتيسر أمامنا للحركة أو للتفكير أو للإقناع.
ليس هذا من أبواب العلم العسكري، أنا اتحدث في اخلاقيات الأدب والكتابة واختلاقيات العيش على الارض. اختلالات التوازن في المشاريع كلها، في الكتابة حيث التقاطعات المصيرية أو في الواقع حيث تقاطعات المصالح. كيف صورها الأدب، عفواً كيف فهمها و تعامل معها وهو يراها أو يتخيلها ؟ الأدب السليم لا يعمل وحده. إما أن يعمل بصحبة العلم وإما بصحبة وعون الفلسفة أو مع الاثنين. التراث العظيم في الأدب ما اكتفى بالوصف وحده. ما هو مهم ومحتفى به هو الاثر الذي تضمّن مواجهة مقنعة اسبابها ونتائجها. المؤلفون الكبار نقلوا التجارب من الأرض الى اذهانهم ليعيدوها الى الأرض ومعها ثقافتهم وفهمهم. وفيها نرى نماذج للشجاعة ونماذج مقنعة من الأبطال. ثقافة الفراغ ظلت للبُله ولليهاليل. نماذج من الشجاعة المثيرة  والمقنعة والتي وراءها فهم وبصيرة، نراها في المسرح اليوناني وفي الملاحم والروايات التي بقينا نعتز بها. المؤلف لا يحرّك بطله وكأنه دمية العاب. العمل المتقن والمطلوب وراءه أسباب معقولة نافذة ونتائج معقولة مؤثرة. هو هذا ما يسمى التفهم الإنساني والتبصّر المتفوّق على العادي. قلو تفحصنا عينات من الاعمال العظيمة التي تمثل تراث البشرية الأدبي، نجد أن الادب استعان مرةً بالفلسفة وقدم كوميديات سخرت من الأخطاء في الحياة والسلوك الفردي، افهمت البشر عبثية اعمالهم واضحكتهم من اللا جدوى. ومرة استعان الأدب بالدين فخلق لنا تراجيديات عظيمة تحكمت فيها آلهة جائرة وأهواء، ولكنها اشبعتنا ندماً وانهالت علينا بتأديب قاسٍ وملأتنا مرارة.
فهل اتضح الآن ما اردت ان اقول؟ حسناً أظن ذلك واضحاً أو سيتضح بعد تأمل بسيط. لكن دعوني الآن اسأل من يمارسون كتابة الأدب: هل من مجال للعبث في الكتابة وتحرك الاحداث والشخوص من غير اساس عقلي أو فلسفي أو مسببات واقع معقول؟ ألسنا مطالبين بإعادة صناعة ما على الأرض كتابة بعون من الفلسفة أو بعون من الايمان والقناعات بالصواب ، لكي لا تظل الكتابة كلمات؟ أهو هذا إذن ما نفهمه من عبارة قناعات الكاتب أو فلسفته أو موقفه من الحياة والإنسان؟ وهي هذه القناعة وهذه الفلسفة أو هذا الايمان ما يمنح الكاتب امتيازه الادبي واحترامه؟ الراصد الأدبي راصد اخلاقي عاقل راصد سلوك واختلال مدني. هذا الراصد يستفزه ما يهدد مصير الإنسان أو سلامه اليومي أو آماله، كما تهمه المواجهات التي تتعرض لها رغبات الإنسان ومصاعب عيشه. موت الإنسان اعظم الثيمات في الآداب كلها. لذلك لا يجب أن نستهين بما يطرح. إن لمعان القذائف ونيران الأسلحة ليستا مثل التماع وموسيقى الكلمات.
لا تستسهلوا طرح الكلمات على الورق فنصنع ابطالاً مزيفين، للعبث أو للربح. الحياة هي ما يجب حمايتها وضمان مستقبل وسلام الناس هو ما يستحق الجهد وما يستحق الحث على الشجاعة في المواجهة. افتقاد الشجاعة هنا يعني دمار حياة وقيم وجهود بشرية هائلة تراكمت عبر العصور، هي اليوم معرضة للدمار، هي مهددة بالنار، بالإفناء والمحو. هنا، في ظرف مثل هذا تكون الشجاعة مجيدة ويكون استقدامها العقلاني من مكامنها مطلوباً في الجبهة وفي الكتابة وفي العمل!



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون