عام
2017/10/09 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 445   -   العدد(4036)
عن الحاء والباء


أديب كمال الدين

* ملك الحروف غير السعيد
*********
اجتمعَ ملوكُ الأرضِ السعداءُ في احتفالٍ عظيم.
جاءوا من الشرقِ والغرب،
من الشمالِ والجنوب،
مُتوّجين بتيجانِ الذهبِ والفضّة،
أو بتيجانِ الفواكهِ والريش.
أو بتيجانِ الجماجم والعِظام .
كانوا بِيضاً وسُوْداً،
حُمْراً وصُفْراً،
شيباً وشبّاناً.
وبعدَ أنْ ألقوا خطاباتهم السقيمة
صعدتُ المنصّةَ لألقي خطابي،
أعني قصيدتي الحروفيّة التي تحتجُّ على الرؤوس
إذ تتدحرجُ عبثاً في الحروب،
وعلى الحروبِ التي أجّجتْ براكينَ الحقدِ والدم،
وعلى الدمِ الذي يفيضُ في شوارعِ الفقراءِ والمُعْدَمِين،
لكنَّ ملوكَ الأرضِ السعداء
منعوني من إلقاءِ خطابي
أعني قصيدتي الحروفيّة
لأنّي لستُ ملكاً مثلهم كما يَزعُمُون
ولستُ سعيداً كما يَدّعون.

* حوار في الوقت الضائع
*********
سألتني صحفيّةٌ ذات شفتين عذبتين
وعطرٍ لاذع:
صِفْ نفْسَكَ في كلمةٍ واحدة!
قلتُ: طائر.
قالتْ: طائر؟ أين؟
ثُمَّ ضحكت.
قلتُ: ما بين السماء والأرض.
قالتْ: جميل.
ثمَّ أشعلتْ سيكارةً ونفثتْ دخانَها بلطفٍ شديد.
قالتْ: إذن، فأنتَ شاعر؟
قلتُ: نعم، في الوقتِ الضائع.
قالتْ: لم أفهمْ. ما شكلُ الوقتِ الضائع؟
قلتُ: الوقتُ الضائعُ طائرٌ هو الآخر
لكنّه أكبر مني.
جناحاهُ أكبرُ من جناحيّ حَرْفي.
وحينَ يطيرُ أنسى الطيران
فأركضُ خلفَهُ مثلَ طفلٍ ضائع.
* الاحتراف لا يليق بالشعراء
*********
في هذه الأبجديةِ التي لا أوّلَ لها ولا آخِر،
أنا مجردُ حرفٍ هاوٍ.
نعم، فالاحترافُ لا يليقُ بنقطتي.
*
أنا حرفٌ أضاعَ نقطتَه
في هذا الليل الذي لا أوّلَ له ولا آخِر،
فاحتجَّ على نَفْسهِ وعلى نقطته
ثُمَّ احتجَّ على الليل
ثُمَّ احتجَّ على الاحتجاج.
*
بينَ الهلْوَسَةِ والشِّعر
خيطٌ رفيعٌ من البكاء.
*
في المقبرةِ
رأيتُ الموتى ينامون هادئين جميلين
مثل مجانين فقدوا ذاكرتَهم وعناوينهم.
*
على شاطئ البحر،
كلّما ازدادَ عُري النساء
طالتْ لحيةُ البحر.
*
جلسَ الملكُ المجنونُ على شاطئ البحر
ومدَّ قدميه في الماء
فشعرَ ببرودةٍ مُنعشة.
التفتَ إلى وزيره
وأمره بتكريمِ البحر!
*
الحرفُ رسالةٌ هائلة
عادتْ إلى مرسلِها لعدمِ الاستلام
بعدَ أنْ بقيتْ في صندوقِ بريدِ الكون
عمراً تجاوزَ عمرَ نوح.
*
وحشتي اتّسعتْ حدّ الألم
فاضطررتُ إلى اختصارِ صحرائي الشاسعة
إلى حبّةِ رملٍ واحدة.
*
هكذا فأنا مجرّدُ هاوٍ في هذه الحياةِ العجيبة.
نعم، الاحترافُ لا يليقُ بالشعراء.

* البحث عن بوصلة
*********
حينَ شارفتُ على السبعين
تحوّلَ حرفي إلى غيمةٍ
ترحلُ من الجنوبِ إلى الشمال
ومن الشرقِ إلى الغرب.
ثُمَّ تحوّلَ حرفي إلى عينٍ حَجَريّة
تَرى ولا تُرى
ثُمَّ تحوّلَ أخيراً إلى ريحٍ
تطيرُ بسريري الليل كلّه.
كنتُ انتظرُ الفجرَ مُرتبكاً
لأترجّلَ من السريرِ إلى الأرض
فأرى العينَ الحَجَريّةَ وقد امتلأتْ بالدمع،
وأرى الغيمةَ
تبحثُ في محلِّ الأدواتِ المُستعملة،
أعني تبحثُ في ذاكرتي،
عن بوصلةٍ حتّى لو كانتْ مُزيَّفة
تعينُها على معرفةِ الشمالِ من الجنوب
أو الشرقِ من الغرب.

* الآخَرُ الذي هو أنا
*********
لم أكنْ مُحتاجاً إلى ما تقول،
كنتُ مُحتاجاً إلى شفتيك.
ولم أكنْ مُحتاجاً إلى شفتيكَ بل إلى لسانِك.
لا لم أكن مُحتاجاً إليه بل إلى روحِك.
لا لا لم أكنْ مُحتاجاً إليها بل إلى حائك،
أعني إلى بائك،
أعني إليك.
وأعرفُ أنّكَ لا تعرفُ نَفْسَكَ مِثْلي
فقدْني إليك.
نعم،
جميلٌ أنْ ألتقي بأعمى مِثْلي،
تائهٍ مِثْلي
يبحث عنّي
ولا يتركني أهذي في الطريق
إلى أنْ أموت.

* رقصة الدانوب الأزرق
*********
كانَ يتخيّلُ أنّ حبيبتَهُ مَعَهُ
فيمسك يدَها ويضع يدَهُ مُبتهجاً خلفَ ظهرِها،
ويتمايل فتتمايل مَعَهُ،
ويذوب فتذوب مَعَهُ،
مع كمانات الدانوبِ الأزرق
وموسيقى الدانوبِ الأزرق.
بَقِي على هذي الحال يوماً يومَين،
سنةً سنتين،
دهراً دهرين
حتّى ماتتْ حبيبتُهُ من التعب
وجفَّ الدانوبُ الأزرق
وكماناتُ الدانوبِ الأزرق
لكنّه بَقِي يرقصُ يرقصُ يرقصُ أبداً.

* مُفسّر الأحلام
*********
مثل حُلمٍ مُتهرِّئٍ كانتْ حياتي.
وحينَ حاولتُ أنْ أرتّقَ ثقوبَه
أو أخفّفَ من غلواءِ رماده المُتوحّش
أو أزرقه الملآن بالشموسِ الغرقى،
لم أستطعْ.
حتّى مُفسّر الأحلام الذي لجأتُ إليه
لم يفهمْ هُدهُدَ سرّي
ولم ينتبهْ إلى بابِ حائي
ولا شبّاكِ بائي
فبقي يدمدمُ في وجهي طويلاً:
أنتَ ستكتبُ عن الوهمِ والحُلْم
كتاباً كبيراً
يحلّقُ عالياً
فيما سيبقى جسدُكَ الموشومُ بالحاءِ والباء
مَرسوماً على الطين
دونما عينين أو جناحين.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون