محليات
2017/10/09 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 894   -   العدد(4036)
التسوّل في الموصل.. مهنة أنعشها التهجير والحرب
التسوّل في الموصل.. مهنة أنعشها التهجير والحرب


 الموصل/ أحمد العكيلي

اخترقت أمل، ذات الخمس سنوات، طاولات أحد مقاهي سوق النبي يونس في الموصل، حيث المكان الأكثر تجمعاً لشرائح المجتمع كافة، فهو مكان اللقاءات والمقاهي وشرب الشاي وتدخين الأركيلة وتجمع الشباب، وأمل بجسمها النحيل، ولسانها الثقيل وملابسها الرثة ووجهها الباكي، تمد يدها بين أكتاف الجالسين طالبة العون منهم، فتارة تحصل وتارات أخرى لا تحصل على ما تريد، وبالتوازي وفي خط آخر من خطوط  المقهى، تراقبها أختها الأكبر منها ببضع سنوات وتواصل هي أيضاً الاستجداء من الجالسين.
تقول أمل بعد أن قدمنا لها مبلغاً من المال بعد صمت نسبي منها، إن والدها معاق ويسكنون في أحد أحياء الموصل الفقيرة، وبدت وكأنها قد حفظت هذا الكلام، فلديها إجابات جاهزة للأسئلة المتوقعة عن حالها، وتجيب بصوت طفولي وكلام يصعب فهمه، أن والدها هو من يقوم بإخراجها عنوةً هي واختها من أجل التسوّل في الشوارع، وحين لا يجلبان المطلوب يقوم بضربهما وطردهما في الشارع من دون مأكل. ليست أمل وشقيقتها فقط من يقومان بفعل التسوّل، بل لا يكاد يخلو تقاطع أو إشارة مرور أو سوق أو باب دائرة حكومية أو أي تجمع بشري في الموصل، من أطفال التسوّل وغيرهم من الذين يغلّفون فعل التسوّل، ببيع المناديل والعلكة، أو حمل بخاخات الماء والمساحات ويتكالبون على السيارات التي تقف‘ لحظة إعلان الاشارة الضوء الأحمر إيذاناً بالتوقف .
محمد طفل يبلغ من العمر سبع سنوات (نازح) من منطقة جنوب الموصل، يقف في أحد التقاطعات الرئيسة في الموصل يحمل كيساً من المناديل، لا يأبه  بحرارة الجو ولا لحركات السيارات السريعة، ويكاد أن يكون متلاشياً بينها، إلا أنه يحاول التنطط بين الطرق على نوافذ السيارات، ويقول محمد، إن والده قتل على أيدي "داعش " بعد أن هجروهم من جنوب الموصل، ويضيف أنه وعائلته المكونة من أم وثلاث بنات يعيشون في أحد المباني المهجورة، ودائماً ما يقدم لهم الأهالي المساعدات، إلا أنه يحاول أن يقدم الاعانة إلى عائلته عبر بيع هذه المناديل وبشتى طرق الإقناع.
وفي هذا الصدد يتساءل الكاتب والناشط المدني صقر معن، عن هذه الظاهرة ما الذي يدفع أطفالنا للتسوّل وبأشكال مختلفة على الأرصفة والطرقات ليل نهار، هل عجزنا كدولة وشعب عن معالجة مشكلة قد تكون معالجتها الأسهل من بين المشاكل العراقية المستعصية، من خلال " كبح جماح" حالة التسوّل وغيرها من السلوكيات القبيحة ؟
وأمام ذلك يحاول صقر وضع الإجابات والحلول والتي من الممكن تنفيذها في الدولة العراقية، ويقول لابد أن ينسب عدد من أفراد الشرطة والمراتب والضباط لتشكيل مركز مؤقت للشرطة المحلية، أو قسم من أقسام الشرطة وينسب معهم عدد من المدنيين ومنهم مندوب عن مجلس المحافظة ومندوب عن ديوان المحافظ، أن يكونوا باحثين اجتماعيين.
فيما يوضح، موفق ويسي الاستاذ في كلية الاداب قسم علوم الاجتماع لـ(المدى) إن ظاهرة التسوّل كما رصدناها قبل فترة، تبين لنا أن هناك نساءً ورجالاً من خارج محافظة الموصل، يتم نقلهم بشكل جماعي أو فردي خصوصاً ايّام الجمع، للتسوّل في المدينة مما يبرهن على أن هؤلاء جميعاً يتحركون بتنسيق وتنظيم وليس بطريقة عشوائية، مبيناً: أن هذا يشكل خطراً اجتماعياً و حتى خطراً أمنياً.
 وعن دور منظمات المجتمع المدني بهذا الشأن يضيف ويسي، حالياً ليس هناك دور فاعل لمنظمات المجتمع المدني للحد من هذه الظاهرة  كونها أصبحت تجارة منظمة ولكون موارد المنظمات محدودة، فاقتصر دور هذه المنظمات على مطالبة الحكومة المحلية بتطبيق القانون بحق أولياء أمور الأطفال المتسولين وبحق المتسولين الأكبر عمراً.
أعداد المتسولين الكبيرة في شوارع مدينة الموصل، أثارت أكثر من تساؤل عن ذلك  وتحدث عضو مجلس قضاء الموصل مروان نزار بأن ما نسبته 90 بالمئة من المتسولين في الموصل، هم من خارج المحافظة.
 ويوضح نزار لـ(المدى) إن إجراءات المراقبة كشفت، أن هنالك باصات تقوم بجلبهم من خارج المدينة وتقوم بنشرهم بين الأحياء والشوارع والتقاطعات الرئيسة، ومن ثم تقوم بإرجاعهم بأوقات معينة،  وكأن الأمر تجارة رائجة .  مؤكداً: على أن أغلب أعمار المتسولين من الذين لم يبلغوا سن الرشد، داعياً في الوقت ذاته إلى ضرورة تكثيف الجهد الاستخباري والتنسيق ما بين المحافظات لدواعٍ أمنية. مبيناً: إن عملنا في هذا الخصوص كشف أن عمليات التسوّل تقوم بها عصابات منظمة تجلب المتسولين وبأعمار مختلفة من المحافظات القريبة من الموصل، ويتم نقلهم عبر باصات وتوزعهم على المراكز المهمة.
وفيما يخص تحديد هويات المتسولين وأعمارهم، يقول عضو مجلس قضاء الموصل: أن أعمار المتسولين متفاوتة وغالبيتهم من النساء وكبار السن والأطفال لاسيما المعاقين منهم، نافياً: المعلومات التي تتهم النازحين والمهجرين بالقيام بهذه العملية، وقال إن الحديث عن تسوّل النازحين في المحافظة غير دقيق، نعم هنالك حالة واحدة تم تحديدها وتم أخذ التعهدات من ذويهم في عدم الممارسة، داعياً في الوقت ذاته إلى ضرورة تشريع قوانين خاصة بهؤلاء الذين نبذهم المجتمع وتركهم دون مأوى أو عمل .
سبق وأن كشفت اللجنة الأمنية في مجلس قضاء الموصل، عن تنامي ظاهرة التسول خلال الفترة الماضية، وفيما دعت الأجهزة الامنية الى إتخاذ الاجراءات اللازمة للحدّ من هذه الظاهرة التي أصبحت تشكل تهديداً أمنياً وأخلاقياً، مؤكدةً أن نسبة كبيرة ممن يقومون بالتسول من خارج المحافظة.
وقالت رئيسة مجلس قضاء الموصل بسمة بسيم لـ(المدى) إن هذه الظاهرة التي استفحلت في الآونة الاخيرة باتت تشكل تهديداً لأمن المدينة بسبب المخاوف من استغلالها من الجماعات لتنفيذ سرقات أو أعمال ارهابية"، فضلاً " عن استغلالها بأعمال غير اخلاقية "على حد قولها. داعية: الاجهزة الامنية والاستخباراتية لمتابعة هذه الظاهرة ومعرفة هويات المتسولين واتخاذ الاجراءات المناسبة للحدّ منها.
المواطن وليد محمد: بيّن إن مدينة الموصل تعد من المدن الصناعية والمهمة في العراق، إلا أن الفترة الاخيرة، شهدت تراجعاَ اقتصادياَ مخيفاً، بسبب الظروف الاستثنائية" حسب قوله " وأصبحت المدينة واحدة من المدن الفقيرة في العراق بل تتصدرها لأسباب عدة  قد يقف الفساد الاداري في مقدمتها،والذي ساهم بشكل كبير باتساع رقعة التسول وتسرب الأطفال من المدارس.  موضحاً: أن الكثير من المتسولين يأتون من القرى والأرياف أو المدن المجاورة كي لا تكشف هويتهم.
في حين بيَن المدرس المتقاعد علي العكيلي: أن تنامي ظاهرة التسوّل تقف خلفه أسباب عدة في مقدمتها الجانب الاقتصادي والذي ترك أثره على الواقع المعيشي للكثير من العوائل.  مشيراً الى أن أغلب المتسولين خاصة الأطفال منهم يجبرون على التسوّل إن كان ذلك عبر عوائلهم أو استغلال الأيتام منهم من قبل بعض العصابات.
الباحث الاجتماعي عدنان داود، بين أن هناك مؤشرات خطيرة بتزايد حالات التسوّل ليس على مستوى المدينة فحسب، بل البلد أجمع.  لافتاً الى: أن التفكك المجتمعي لبعض العوائل وغياب المتابعة من الأهل، دفعا الكثير من الأطفال نحو التسوّل.  مشدداً: البعض ربما يتسوّل طلباً للمساعدة بسبب حاجته الفعلية لها وآخر وجدها مهنة مربحة تدر أموالاً دون عناء وتعب أو المجازفة برأس المال.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون