المزيد...
آراء وافكار
2017/10/10 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 577   -   العدد(4037)
العلاقة بالتأريخ.. هل هي صارمة؟
العلاقة بالتأريخ.. هل هي صارمة؟


 جاسم عاصي

في تناول التاريخ أحداثاً ورؤى، إنما يصب الجُهد في مجرى العلاقة المباشرة التي نُقيمها مع أحداثه، عبر كل الفعاليات الممكنة، والتي فاضت في الكثير منها، إلى منسوب خيالي، بسبب كونه إجراء له علاقة في تعطيل فعالية العقل. وحين نأخذ بمبدأ الإبداع، أي مستوى علاقة النص بالتاريخ، إنما نعني تنقية العلاقة المباشرة، لأن النص جزء من المدونة الكبرى في التاريخ. فما ذكره (لوكاش) في دراسته للرواية التاريخية؛ أنها لا يمكن أن تقوم إلا على مفارقة التاريخ، بما يجعل زمن التلفظ مقدّماً على زمن الملفوظ. وإذا كنا لا نشك في تغيير آفاق الانتظار بين زمن الخطاب التاريخي وزمن الخطاب الروائي؛ فإن الأمر يبدو أكثر تعقداً في حالة الرواية التاريخية. ذلك لأن التاريخ والرواية يندرج كل منهما في منظومة محددة؛ هي منظومة الأجناس ذات الغاية النفعية بالنسبة إلى التاريخ ومنظومة الجناس، ذات الغاية المثالية بالنسبة إلى الرواية. ومن هنا تحفل الروية التاريخية بإشارات وتضطلع بدوّر التعبيد (distancation) الذي يُقام على أساس التقريب والتماهي (identification) بين التاريخي والروائي / ندوة الرواية والتاريخ ــ محمد القاضي.) ووفق هذا المفهوم نجد أن المدن حضت على مدوّنات سردية متميّزة، من ناحيتي ممارسة السرد وفق رؤى تأريخية من جهة، وروائية فنية من جهة أخرى. وهذه النصوص السردية، كانت أمينة ووافية، ويكمل بعضها البعض الآخر باجتهاد تسجيلي. ويواخي بينها كنصوص استشرفت البنية الفنية تداخلاً مع بنيتها التسجيلية . أي أنها أسّست نوعاً من التكامل لبنائها من أجل تقديم صورة أكثر قوة في بنائها المعماري الروائي. وكان هذا مجسّداً في إنجاز نصوص روائية مثّلت الى حد ما أجيال من الكتاب لهم رؤاهم ومكوّناتهم الفكرية والجمالية. ولعلّ ثلاثية (نجيب محفوظ) تُجيب على هذا، من الناحية التاريخية، و(الحرافيش) تُجيب على جانبه المتخيّل الذي هو أقرب إلى الصياغة الأسطورية. وثلها (الدون الهادئ، الحري والسلام) والقائمة تطول. هذه الأعمال دونت التاريخ، فاستحقت التخليد. بينما نجد ثمة فعاليات تؤدي إلى ضمور التاريخ، بسبب عدم تناوله بشكل فيه شفافية ورؤى متوازنة، أي غير مبالغ فيها، وتأريخهم المعرفي. إن المادة المتشكّلة بواسطة السرد، قد انقطعت وظيفتها التوثيقية والوصفية، وأصبحت تؤدي وظيفة جمالية ورمزية. فالمتخيّل التاريخي ــ حسب رأي الدكتور عبد الله إبراهيم ــ لا يُحيل على حقائق الماضي، ولا يقرّها، ولا يروّج لها، إنما يستوحيها بوصفها ركائز مفسّرة لأحداثه، وهو من نتاج العلاقة المتفاعلة بين السرد المعزز بالخيال، والتاريخ المُدعّم بالوقائع. لكنه تركيب ثالث مختلف عنهما. وقد ظهر على خلفية أزمات ثقافية لها صلة بالهُويّة والرغبة في التأصيل والشرود نحو الماضي باعتباره مكافئاً سردياً لحاضر كثيف ومشوّه، تتضارب فيه وجهات النظر . فوصول الأمم إلى مفترق طُرق في مصائرها؛ يدفع بسؤال الهُويّة التاريخية ــ السردية إلى المقدمة. ويصبح الاتكاء على الماضي ذريعة لإنتاج هُويّة تقول بالصفاء الكامل، والمسار المتفرد بين الأمم والجماعات التاريخية. إن وجود الماضي في قلب الحاضر يكون مهماً بمقدار تحوّله إلى عِبرة للتأمل ، وتجربة داعمة للمعرفة .
وفي هذا نجد أن الانتساب الى المدينة ــ وهو حق مشروع كما ذكرت الروائية (لطفية الدليمي) ــ شكّل الأساس في طرح بنية الإحساس بما تعرّض له المكان والإنسان في المدينة من دمار وخراب وتجاوز على وجوده ووجود الإنسان فيه. ونرى أن بنية الانتساب ليست ضمن وثيقة رسمية. المهم في هذا التشكل البنيوي هو الأساس في الاحساس بالمدينة، وبمكوّنيها العام والخاص. وأجد أن الجُهد في تدوين تاريخ المدن وظيفة تعكس ما أصطلح عليه (ت.س.أليوت) بتحقيق المعادل الموضوعي .
أن الكتابة عن سيرة المُدن تتطلب جملة ممكنات منها :
ــ المعايشة والانتساب الاجتماعي والتاريخي والنفسي
ــ القدرة على البحث عن طبيعة الوثائق الدالة والمركزية
ــ إمكانية ذاتية على  تمثّل ما تقضي به المعلومة
ــ معرفه طبيعة الأشخاص والرموز المؤثرة في تأريخ المدينة
ــ الاحساس بالمكان وخصائصه الذاتية والموضوعية  
ــ وعي جدلية العلاقات على كل الصعد وإدراك مركز حراكها  
ــ  دراسة وعي الناس لإقامة صلة بينهم لاسيّما إذا رام إنتاج مركب لنصه  (تسجيلي- تأريخي – فني ).
ولعلّ شروط أخرى تساعد وساعدت في إنتاج هذه الوثيقة التاريخية المنصّب جهدها في إنتاج ما يمكن أن يكون نصاً محايداً ومحايثًاً . ولعلّ المخيّال السردي أكثر تأثيراً في إنتاج من هذه النصوص. فهو العامل الفني الذي يمنح النص شعرية فائقة تضعه في مصاف النصوص العالمية. ولنا في روايات عالمية وعربية وعراقية نماذج دالّة على هذه القدرة في إنتاج أحداث التاريخ. وبهذا نستطيع أن نوّفر للنص مساحة من التأسيس لنص فيه ابتكار للتاريخ عبر منطق الدلالة، إذا ما قورن بالأنساق التاريخية. فهو نص يصح تشخيصه وفق رؤى (التخييل التاريخي) بكل عناصره. فالمخيّال السردي يذهب بالرؤى بعيداً عن نسق الواقع ضمن مدوّنة المدينة، لكنه لا يُطلّق محوّرها الأساس، في كوّنها مدينة رافضة لمنطق الاحتلال، معتّزة ومكتفية بخصائصها الذاتية، الذي هو جزء من تاريخ المُدن العراقية. وهذا ما يتوجب أخذه بنظر الاعتبار ونحن نتعامل مع التاريخ، سواء في الكتابة أو إقامة الشعيرات والطقوس، بمعنى نُقيم علاقة تجدد ونهوض لقوى الإنسان، لا أن نجعله خاضعاً لمخيال غير متوازن، يعمل على تخديره وفقده لإرادته الذاتية.
إن رواة النصوص يمتلكون خاصية المدوّنين؛ يتوجب عليهم أن يكونوا أكثر دقة في تأثيرهم على ذاكرة الكتابة  لسيّر مدنهم، مما  يضفي سمة أخرى للنص في تعامله مع الزمان والمكان، فالزمان يتكثف ويتقلص ويصبح ناضجاً فنياً. أما المكان فيصبح بدوره قوياً ويمتد حتى يصل الى حركة الزمان والمضمون والتأريخ.
فالكتابة بهذا السياق، أي استنهاض الذاكرة الزمانية والمكانية والبحث عن الجذور والأصول؛ يعني الدفاع عن الوجود، الذي حاولت قوى خارجية تدميره، مثل سيطرة الاستعمار بأشكاله وهوياته المتعددة بالمباشرة أو عبر الوسيط المحلي . الهدف من نشاطه محو ذاكرة الشعوب، وتأسيس ذاكرة جديدة ملفقة. وبالتالي تغييب الوجود الذاتي والموضوعي للمستَعمر . وهذا ما يوّصلنا إلى حقيقة كوّن العلاقة فعّالة بين الذات والمكان لتحديد الهوية.
إن المكان والإزاحة وانتشار الاهتمام بأساطير الهوية والأصالة، مع تجاوز الاختلافات التاريخية والثقافة بينها، يُمثل ملمحاً مشتركاً لجميع آداب ما بعد الكولونيالية المكتوبة بالانكَليزية، حسب (بيل اشكروفت) عن التخيّل التاريخي (للدكتور عبد لله إبراهيم) فربط الكتابات الروائية التي مثّل ساردها وراويها بمنحى الدفاع عن الهوية؛ أمراً بدأ من البديهيات، ذلك لأن (أشكروف) أكد على التشويه الثقافي نتيجة القمع الواعي أو غير الواعي للشخصية والثقافة الأصيلتين عن طريق طرح نموذج عنصري أو ثقافي يفترض أنه أعلى، بينما ثقافة الشعوب وذاكرتها هي الأسفل أو الأدنى. من هذا تكون الكتابة فعل تنشيط للذاكرة في ما يخص الزمان والمكان وهو أمر مشروع.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون