المزيد...
عام
2017/10/11 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2050   -   العدد(4038)
وطنيّتنا  الافتراضية (القسم الأول)
وطنيّتنا الافتراضية (القسم الأول)


لطفية الدليمي

مقاربة أولية
تأسس العراق الحديث كما نعرف وفق مقاسات صناعة بريطانية كولونيالية تقاسمت تركة القتيل العثماني، وليس في هذا ضير أو مثلبة؛ إذ لطالما تشكلت دول بفعل مقصات قوى كولونيالية أو استعمارية. ترافق تأسيس العراق الحديث مع الكثير من معالم الدولة الحديثة: حكومة وجيش وبرلمان ودستور كتب عام 1925 علي يد المحامي الانكليزي (بونهام كارتر) وهو أفضل في كثير من مواده من دستور عام 2005 !!!، وكان ثمة إمكانية حقيقية لنهضة علمية وزراعية وتعليمية وعمرانية  تتأسس على معالم ليبرالية واضحة المعالم وإن كانت خديجة في الكثير من جوانبها، وترافقت تلك الإمكانية مع أمل جدي لتأسيس دولة على قاعدة الأمة - الدولة التي شاعت في أوربا القرن التاسع عشر؛ لكن المغالاة القومية المدعمة بحس ديني بدائي لدى أطياف عديدة قضمت الخواص الثقافية الراقية للعراقيين وجعلتها تتآكل في عمل تخريبي ممنهج أشاع حالة من التغريب والانفصام المرضي بينهم؛ فشاعت روح العبثية البليدة واللاجدوى بفعل حالة الخواء الحضاري والقهر المصاحب للاستلاب الذي تمارسه نظم شمولية قامعة، ثم أطلت حقبة العسكر بكل حمولتها الثقيلة الوطأة لتطيح بالبناء الليبرالي الهش في الدولة العراقية وتدخل البلاد في نفق شديد الظلمة عانى فيه العراقيون الكثير لينتهوا كائنات إنفصامية ذات نزوع مرضي يتخذ واحداً من نمطين: عدواني صارخ في عنفه وقسوته المفرطة أو انكفائي يجنح الى الخنوع والتبلّد المستكين، وفئة عقلانية مثقفة قليلة العدد وضعيفة التأثير،  وبوجود النمطين السائدين تقطعت الروابط الحية التي تشدّ سكان هذه الارض إلى جذورهم الحية، وكان من نتائج هذا الفعل التدميري أن استحالت المواطنة محض شكل فولكلوري خائب غير فاعل في المنظومة القيمية والأخلاقياتية للفرد العراقي بعد أن ضاعت إمكانية الارتقاء بها من القيمة الفولكلورية العفوية إلى المستوى الحقوقي والقانوني ثمّ - لاحقاً - إلى مرتبة القيمة الاخلاقياتية الأعلى مقاماً والأمضى في قوة التأثير على مفردات السلوك اليومي في أدق تفصيلاتها.

أكذوبة الدولة المصطنعة
يلوح الكثيرون بأن العراق محض دولة مصطنعة صنعها المقصّ الإنكليزي عام 1921 وفقاً للاعتبارات الجغرافية السياسية وتوازنات مصالح القوى الكولونيالية في عالم مابعد الحرب العالمية الأولى طبقاً لبنود معاهدة سايكس - بيكو العتيدة، وسينتشي هؤلاء لدى قراءتهم المقاربة الأولية أعلاه والتي تسعى لتوصيف شكل المعضلة الوطنية العراقية، وسيجدون فيها مصداقاً لأسطورة "الدولة المصطنعة" التي لطالما قصفوا أسماعنا بها متناسين أنّ كلّ الدول - صغيرة كانت أم كبيرة، عظمى أم متواضعة - هي في نهاية المطاف صناعة بشرية وليست جعلاً إلهياً على وفق مايرى العروبيون في مفهوم "العروبة" الذي يرونه لصيقاً بالإسلام في محاولة منهم لإعلاء شأن العروبة وجعلها مفهوماً علوياً على الزمان والمكان والبيئة والتفاعلات الإنسانية،  ولا أحسب المؤمنين بفكرة الدولة العراقية المصطنعة سيكفون يوماً من تكرار عبارات نسِبت للملك فيصل الأول وأوردها المؤرّخ الراحل (حنا بطاطو) في كتابه (الطبقات الاجتماعية القديمة والحركات الثورية في العراق) المنشور عام 1978 بشأن كون العراقيين مللاً ونحلاً متشبعين بأباطيل دينية ولاتنفع معهم أية جهود تبذل للارتقاء بواقعهم المعيشي: هاهو المثال الهندي والباكستاني واضح أمامنا؛ إذ كانتا جسداً واحداً ثم انفصلتا إلى باكستان الإسلامية والهند المتعددة الطوائف والأديان بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم انتهى الأمر بدولة الباكستان لتستحيل دولة مأزومة في حين غدت الهند ديمقراطية راسخة ودولة عظمى تتنافس بقوة وطموح في الكثير من حقول التقنية المستحدثة وبخاصة تلك الداعمة لإقتصاد المعرفة .
 
وطنيتنا العراقية افتراضية وليست حقيقية
إذن ليست المعضلة الوطنية العراقية كامنة في كون العراق دولة مصطنعة كما يرى غلاة المتعصبين للدولة ذات اللون الواحد؛ بل أن أصل المعضلة يكمن في فشلنا كعراقيين في الارتقاء بمواطنيتنا العراقية فوق مستوى القناعات الفلكلورية المفترضة التي ترى في العراقي "الآخر" محض جارٍ لنا نستقبله بالأحضان والقبل يوماً مثلما قد نقاطعه يوماً آخر وبطريقة كيفية أقرب لزعل سكّان الحواري والمحلات الشعبية.  ربما تبدو الإشارة الى الوطنية العراقية بكونها "افتراضية" وصفاً قاسياً أو في أقل تقدير يفتقد اللياقات المعتادة؛ والحقيقة أن هناك حقائق صلبة على الأرض تنبئ أن وطنيتنا المزعومة هي محض انشغالات عاطفية بلا ترتيبات قانونية محكمة  كتلك السائدة في البيئات المتحضرة . لنحاول أن ننقب الآن بهدوء في بعضٍ من سمات هذه الوطنية الافتراضية التي لاتنفكّ النخب السياسية العراقية توظّفها جهلاً بمصالح العراق أو استجلاباً لغايات لعوب:-
• وطنية فلكلورية وانفعالية بلا رابطة قانونية: غالباً ما نرى الوطنية العراقية مبرقعة في شكل فولكلوري غارق في العاطفة الجارفة ذات التأثير اللحظي، وفي العادة يكون هذا الشكل الفلكلوري منغمراً في تمظهرات ايديولوجية ذات محمولات عنفية مؤذية: نرى مثلا أنّ وسائل الاعلام حيثما أرادت تأكيد اللحمة الوطنية المفترضة تعمد الى بث صور لجماعات من معقلين (لابسي عُقُل) بطرز عِقال مختلفة، في اشارة واضحة الى مرجعية قبائلية ومناطقية محددة، ويبدو الرجال فيها يرقصون ويرددون عبارات مفرطة في المبالغة ومشحونة بمفردات حب الوطن والفداء في سبيله وبذل الدم من أجله، وينسحب الأمر ذاته على لابسي الشروال الكردي والأزياء الآثورية،، الخ، ويمكن لنا أن نقرأ كم تخفي بواطنهم من المشكلات الجدية والحقيقية التي تتمحور على سمة من شعور طافح بالتفوق والغلبة العشائرية والمناطقية الى حد صارت معه الوطنية تعني بالضرورة الموت في سبيل وطن موهومة أوصافه طبقا للتخييل البليد الذي تحيل اليه المقولة الأكثرعنفاً في الخطابات الشعبوية "نموت ويحيا الوطن"، ولسنا نعرف ما قيمة وطن افتراضي يبقى بعد أن يموت أبناؤه!! . ثمة جزئية مهمة في هذا الصدد: إن القول عن إخوة وطنية تبذل في العادة بلا حساب وفي كل مناسبة طالما كان الكلام مجانياً وبلا التزامات محددة ؛ ولكن ما أن تصبح للموضوع المطروق جوانب اعتبارية أو حقوق محددة (مالية بخاصة) تنفرط لغة الخطاب وتستحيل نزاعاً وتغالباً حتى مع الأطراف الأقل حظاً وقدرة على منافسة الحيتان الكبيرة، وربما كان المثال الأوضح في هذا ما يحصل عند تحديد مقاعد الاقليات في مجلس النواب العراقي؛ حيث انبرت الالسن التي طالما صعقتنا بالحديث عن الإخوة المفترضة مع الأقليات لتستطيل وتطالب بمقعد أو اثنين لأقليات خاسرة في لعبة التقاتل على المصالح الخاصة للفرد او العشيرة فحسب بلا أي اعتبار لمواطنة هي مغيبة أصلاً. يلاحظ في هذا السياق أيضاً أن العبارات الخاصة بالمواطنة في دساتيرنا مازالت عبارات معومة ولا يمكن أن تتخذ في العموم صيغة تنفيذية حاسمة يدعمها اقتناع شعبي واسع .
• وطنية مؤسسة على قطائع حضارية : لنكن واضحين وحاسمين تماماً فنقول إن الوطنية العراقية نتاج قطائع حضارية (بدل قطيعة واحدة) مع الحضارات الرافدينية الزاخرة بالفخامة والممهورة بالاستقرار المديني المفضي الى شيوع سطوة القانون مع تنظيم يليق بالحضارات المائية وهو ما نشاهده في توائم الحضارة الرافدينية، وهو في الوقت ذاته ما لا يتفق مع ما نراه اليوم من سلوك مقترن بالعنف الذي يعدُّ سمة البداوة المفرطة  الساعية لإشاعة روح السبي وأخلاقيات الغزو والاعتداد بالقدرة العضلية وتفكيك روح النسيج الحضاري الرافديني الذي يسم أية حضارة مائية. وعلينا أن لا نتوهم يوماً أن بإمكان دولة مواطنة حقيقية أن تقوم على عصبية دينية أو قومية أو عشائرية، فضلاً عن دولة تتمازج فيها المواطنة بصبغة قومية أحادية اللون مؤسسة على نزعة دينية تستند الى مواضعات فقهية صلبة وزئبقية في الوقت ذاته.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون