آراء وافكار
2017/10/12 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 533   -   العدد(4039)
رأي بالأجنبي: ديون العراق.. معضلة جديدة تواجه الاقتصاد الوطني


 ترجمة: المدى

لم تتبع الحكومات المتعاقبة في العراق منذ عام 2003 نهجاً اقتصادياً سليماً لتخليص الاقتصاد الوطني من الاختلالات الهيكلية التي كان يعانيها نتيجة السياسات الطائشة والحمقاء للنظام السابق والتي جلبت الكوارث للبلاد.




ورثت هذه الحكومات اقتصاداً مشوهاً أحادي الجانب باعتماده على النفط كمورد وحيد للدخل القومي، وزادت العقوبات الدولية التي فرضت على العراق بعد غزو الكويت 1990 من مشاكل الاقتصاد العراقي وعمقتها الى حد كبير، ولاحت الفرصة بعد سقوط النظام الدكتاتوري لتجاوز كل تلك المشاكل والتغلب عليها ومحو آثارها، بانتهاج سياسة اقتصادية سليمة كان يمكن أن تضع الاقتصاد العراقي في المسار الصحيح للانطلاق نحو اقتصاد مزدهر وفعّال.
ومع التركة الثقيلة للنظام السابق في المجال الاقتصادي التي تمثلت بقطاعات اقتصادية معطلة بالكامل وخصوصاً قطاعي الزراعة والصناعة، والضرر الذي أصاب المنشآت النفطية التي تعتبر عصب الاقتصاد العراقي وتراجع مستويات الانتاج والتصدير في القطاع النفطي، فإن النظام السابق ترك الاقتصاد العراقي مكبلاً بالديون التي زادت على 100 مليار دولار، مضيفاً بذلك أعباء جديدة أمام راسمي السياسات الاقتصادية في العراق الجديد.
ولكن وبعد مباحثات طويلة وشاقة مع المؤسسات المالية الدولية، نجح العراق في أطفاء اغلب تلك الديون وبات الاقتصاد العراقي على عتبة انطلاقة جديدة لمحو آثار الماضي البغيض والشروع في بناء أسس علمية لاقتصاد وطني جديد يستثمر الموارد الكبيرة التي يتمتع بها العراق، ووما زاد من اهمية تلك الفرصة هو الارتفاع الذي حدث في أسعار النفط العالمية، مما وفّر لخزينة البلاد موارد مالية ضخمة نتيجة ارتفاع تلك الأسعار التي تجاوزت عتبة المئة دولار لأول مرّة في التأريخ.
وكان يمكن لتوظيف تلك الموارد المالية بشكل سليم أن يحدث نقلة نوعية في الاقتصاد العراقي وتجعله يرتكز على أسس صحيحة مع تنشيط القطاعات الإنتاجية المعطلة وترك الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للدخل القومي وفسح المجال أمام القطاع الخاص ليأخذ دوره في التنمية الاقتصادية ومعالجة جميع الاختلالات والتشوهات في بنية الاقتصاد العراقي.
 لكن ما حدث كان هو العكس تماماً، فلم يلتفت أحد الى معالجة مشاكل الاقتصاد العراقي والتركة الثقيلة التي كان ينوء بحملها، بل وظفت الايرادات المالية الضخمة المتأتية من ارتفاع اسعار النفط لأغراض سياسية بحتة، واستطاعت منظومة   الفساد المالي والاداري أن تشفط تلك الموارد عبر المشاريع الوهمية والمتعثرة التي أتت على كل موارد البلاد وملئت جيوب الفاسدين بالمال الحرام دون أي إجراءات حكومية تذكر لمكافحة آفة الفساد التي استشرت في البلاد وعمّقت من أزمة الاقتصاد العراقي ومشاكله المتراكمة، وكان لانتهاج سياسة التوسع في التعيينات الحكومية بالغ الأثر في زيادة الضغوط على الموارد المالية للدولة، وكان الأمر بمثابة نوع من (الرشى الاجتماعية) حتى يسكت الناس على ممارسات الإدارات الحكومية في استنزاف القدرة المالية للبلاد عبر الرواتب الخيالية التي بات يتمتع بها اصحاب المناصب الخاصة من اقطاب القوى السياسية المتنفذة والامتيازات التي بات يتمتع بها الأقرباء والاصدقاء مما خلق طبقة جديدة في المجتمع العراقي لا تعرف شيئاً عن معاناة الناس، ولا يهمها سوى تراكم الثروات لديها.
ولكن مع بدء المعركة للقضاء على تنظيم داعش اصبحت الحكومة ملزمة بتوجيه الجزء الأعظم من موارد البلاد نحو الجهد الحربي، ولسوء الحظ، فقد ترافق ذلك مع انخفاض شديد في أسعار النفط العالمية، مما قلص الايرادات المالية للخزينة العراقية وكان لا بد من البحث عن حلول لكي تستطيع الدولة أن تفي بالتزاماتها المالية سواء في الجانب العسكري أو في جانب تأمين رواتب موظفي الدولة، حيث أن الخزينة باتت شبه خاوية، والفاسدين سرقوا ما سرقوا من أموال البلاد، لجأت الحكومة الى مفاتحة المؤسسات المالية الدولية لغرض الحصول على قروض مالية تساعدها في تجاوز الأزمة المالية الخانقة التي باتت تواجهها.
لم يكن امام الحكومة العراقية سوى هذا الحل، فاسترجاع الأموال المنهوبة والمسروقة عبر منظومة الفساد طوال السنوات السابقة، يتطلب وقتاً طويلاً، ويتطلب قبل كل شيء إرادة سياسية شجاعة وقوية تطيح برموز الفساد الذي يحتمي أغلبهم بمراكز القوى السياسية المتنفذة.
ورغم عدم وضوح التفاصيل بشأن حجم الديون سواء كانت داخلية أم خارجية، إلا أن حقيقة الاقتصاد العراقي بات مكبلاً بمجموعة من الديون، فإن هذا الأمر يشكل مؤشراً خطيراً على أن مسار الاقتصاد العراقي لا يدعو للاطمئنان، وإن هناك معضلات جديدة ستواجهه في المستقبل القريب والبعيد، ومع تناقص الطلب العالمي على النفط الخام وانخفاض أسعاره ومع استمرار اعتماد العراق على النفط كمورد وحيد لدخله القومي، فإن من الضروري انتهاج سياسة اقتصادية جديدة تضع في المقام الأول مكافحة الفساد أولوية لها ومتابعة الأموال المسروقة والمنهوبة لإعادتها الى خزينة الدولة وتعظيم إيرادات الدولة من خلال اتباع سياسة ضريبية وكمركية فعّالة وتنشيط القطاعات الاقتصادية المتوقفة عن العمل وفسح المجال أمام القطاع الخاص للعمل وتنشيط دوره في الاقتصاد الوطني من خلال القيام بإقرار سلسلة من التشريعات اللازمة لتشجيعه على الاستثمار.
إن الاختلالات الهيكلية التي يعانيها الاقتصاد العراقي والتركة الثقيلة التي ورثها من النظام السابق، ليست بحاجة الى نوع جديد من المشاكل، وتشكل هذه الديون معضلة جديدة تواجه الاقتصاد العراقي يجب الإسراع بتفادي عواقبها الوخيمة قبل فوات الأوان.
 عن: نيويورك تايمز



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون