آراء وافكار
2017/10/12 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1011   -   العدد(4039)
الخيارات المتاحة بعد استفتاء كردستان
الخيارات المتاحة بعد استفتاء كردستان


 توفيق السيف

العراقيون والأتراك والإيرانيون يحذرون من «إسرائيل ثانية» إذا تحولت كردستان العراق إلى دولة مستقلة. وهذا حكم لا يخلو من مبالغة. إن قيام «إسرائيل ثانية» محتمل فقط، إذا تناسى السياسيون الحكمة الضرورية في إدارة الأزمة. إن تأسيس دولة كردية وسط عداء شديد في المحيط الإقليمي، سيجعلها مصدر تأزيم للهويات القومية والمذهبية، قد يشعل صراعات تعصف بالخرائط السياسية، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في وسط آسيا أيضاً. وليس من المستبعد أن يتغير مشهد الصراع العربي – الإسرائيلي على نحو دراماتيكي غير مسبوق. يمكن أن نعتبر هذا الاحتمال سيناريو أسوأ الاحتمالات. وهو ممكن إذا قرر الجيران، ولا سيما تركيا وإيران، حل المشكلة بالتدخل العسكري المباشر. لكنه ليس الاحتمال الوحيد، ولا هو الأقرب للمعطيات المتوفرة إقليمياً ودولياً.
السيناريو الآخر، الذي يمكن اعتباره أحسن الاحتمالات، ينطوي على عملية سياسية تحقق ما أظنه الهدف المركزي للنخبة السياسية الكردية، أي تحويل الوضع القانوني لكردستان العراق من إقليم فيدرالي إلى كونفدرالي. الكونفدرالية اتحاد بين دولتين مستقلتين من حيث المبدأ، تتمتع كل منهما بتمثيل دولي واستقلال مالي وإداري. حدود الاستقلال وموضوعاته يمكن أن تتقرر في اتفاق ثنائي، مدعوم بضمانات دولية.
تمثل الدولة الكردية المستقلة حلماً عزيزاً وقديماً نسبياً للكرد كافة، بمختلف انتماءاتهم ومواطنهم. وترجع أولى التجليات السياسية لهذا الحلم إلى معاهدة سيفر في 1920 حين أقرت تركيا والدول الأوروبية بحق الكرد في استفتاء لتقرير مصيرهم. وقدم الوفد الكردي إلى تلك المحادثات، ما أظنه أول خريطة للحُلم الكردي، تشمل الأقاليم الكردية في إيران وتركيا والعراق وسوريا.
صحيح أن تلك المعاهدة قد ألغيت، وتم تجاهل الوعد المقدم للكرد. لكن المهم في المسألة أن الحلم والهوية، قد وجدت أرضاً محددة تتجلى فيها. الأرض المرتبطة بالحلم هي العتبة الفاصلة بين التاريخ والسياسة، بين الثقافة والصراع، هي نقطة انقلاب الهوية إلى مضمون ومحرك لقضية سياسية.
لا شك أن إصرار السيد مسعود بارزاني على الاستفتاء قد رفع مكانته من زعيم لبعض كرد العراق، إلى ممثل للحُلم القومي لجميع الكرد. وكان لافتاً أن جميع معارضيه قد أعلنوا تأييدهم للاستفتاء؛ لأنهم ببساطة يعلمون أن معارضة الاستفتاء تساوي الانتحار السياسي.
زبدة القول، إن مواجهة الدعوة للاستقلال بالتهديد والوعيد والخنق الاقتصادي، كما يجري الآن، قد تفلح في تحسين شروط التفاوض مع حكومة الإقليم. لكن المفاوضات لن تعيد عقارب الزمن إلى ما قبل 25 سبتمبر (أيلول). سيحصل كرد العراق من دون أدنى شك على وضع قانوني أفضل مما لديهم اليوم.
ومع الأخذ بعين الاعتبار ما أظنه حقيقة جيوبوليتكية في طور التشكل، فإن الطريق الأكثر عقلانية لحكومة العراق، هو وضع مخطط للتفاوض يستهدف الوصول إلى نقطة متوسطة بين الفيدرالية والكونفدرالية. وأعتقد أن المجتمع الدولي يميل إلى خيار كهذا، وليس أدنى منه ولا أعلى.
أما تركيا وإيران وسوريا، فهي في حاجة إلى معالجة عاجلة وجذرية لوضع محافظاتها ذات الأكثرية الكردية، باتجاه منحها نوعاً من الحكم الذاتي، وتعزيز التنمية الاقتصادية، لتحييد المطالبة بالانفصال.
ما جرى ليس حدثاً بسيطاً، ولا يصح التساهل فيه. كما أن الظرف لا يسمح بحلول خشنة. مع أن جميع الخيارات المتوفرة مريرة جداً.
 عن: صحيفة الشرق الأوسط



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون