آراء وافكار
2017/10/12 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1704   -   العدد(4039)
تطبير الأطفال في عاشوراء من وجهة نظر سيكولوجية
تطبير الأطفال في عاشوراء من وجهة نظر سيكولوجية


 د. قاسم حسين صالح*

تنويه
لا يعنينا هنا الجانب المعتقدي أو الديني الذي يدفع بعض آباء وأمهات الأطفال الى تطبير أطفالهم في عاشوراء، بل الجانب السيكولوجي فقط. مع الإشارة الى أن الذين يمارسون ذلك يشكلون نسبة ضئيلة جداً من الشيعة في العراق، وملاحظة أن من بين هؤلاء الأطفال من هو بعمر ثلاث سنوات.

في سيكولوجيا الطفولة
شغلت (الطفولة) اهتمام علماء النفس بشكل عام وعلماء نفس النمو بشكل خاص. والمفارقة إننا نحن العرب سبقنا هؤلاء في تبيان اهمية مرحلة الطفولة، تكفي الإشارة إلى: اخوان الصفا، القيرواني، ابن سبنا، الغزالي، وابن خلدون الذي خصهم بفصل في مقدمته بعنوان: (في تعليم الولدان واختلاف مذاهب المصار الاسلامية في طرقه).. وجميعهم أكدوا على أن ما يتعلمه الطفل من أسرته وبيئته يؤثر في تشكيل شخصيته طفلاً ومراهقاً وراشداً، وتحذيرهم للوالدين والمعلمين من استعمال العنف مع الأطفال.. بل إنهم، ويالنباهتهم، اوصوا أن يختار الوالدان اسماءً جميلة لأطفالهم!.
وتعد مرحلة الطفولة المبكرة أهم وأخطر مرحلة في حياة الإنسان، لدرجة أنه يمكن تشبيهها بالأساس الذي تبنى عليه عمارة. ولهذا اطلقوا عليها اسم المرحلة التكوينية التي يكتسب فيها مفاهيم تؤثر في سلوكه وشخصيته حين يكبر. فشيخ علماء النفس، فرويد، يرى أن خصائص أو سمات شخصية الإنسان الراشد تشتق من مرحلة الطفولة، وإن ما يصيبه من اضطرابات نفسية في مرحلة الرشد تعود اسبابها الى اساليب تنشئته في مرحلة الطفولة. ولخصمه العلمي (سكنر) مقولة (اعطني عشرة أطفال وأنا كفيل بأن اصنع منهم عالماً ومجرماً وما شئت)، فيما الاسلام سبق الجميع بالقول إن، الانسان يولد على الفطرة.. ما يعني أن الطفل يتعلم من والديه والمجتمع الذي ينشأ فيه، وإن ما يتعلمه من قيم،عادات، طقوس..، تبقى ملازمة له خلال مراحل حياته كلها.
 
قوانين حق الطفل
منذ العام 1949 صدرت قوانين دولية متعددة على صعيد الأمم المتحدة، وبرتوكولات جنيف (1989 الى 2005) هدفت  الى تثبيت واجبات الأسرة والدولة تجاه الاطفال وما يترتب عليهما من حقوق تخص الطفل وحمايته من أمور كثيرة بضمنها (عدم تعريضه الى الأذى الجسدي والنفسي)، وافقت عليها 193 دولة بضمنها العراق. وأصدرت الدول العربية  قوانين لحماية الطفل، آخرها دولة موريتانيا التي صادقت في نهاية آذار / مارس 2017 على مشروع قانون حماية الطفل تضمن (145) مادة، بضمنها تلك التي تنص على عدم تعريض الطفل الى أذى جسمي أو نفسي.
وكان  العراق قد أصدر في 2010 (مشروع قانون حماية الطفل) جاء في المادة (1 – أ ):
(الارتقاء بالطفولة في العراق بما لها من خصوصيات إلى مستوى ما توجبه من رعاية تهيّئ أجيال المستقبل بتأكيد العناية بالطفل الحاضر)،وأقر في مادته التاسعة بـ(تمتع الطفل بكل الضمانات المقررة في القانون الإنساني الدولي والمنصوص عليها في المعاهدات الدولية المصادق عليها من العراق...).
والأهم من ذلك إن المادتين (63 ،و 65) تضمنتا بالنص (كل من اعتدى على طفل بالضرب أو بالجرح.. وافضى الى موته أو احدث فيه عاهة مستديمة يعاقب بالسجن مدة لا تقل عن عشر سنوات " موت الطفل" ولا تقل عن خمس سنوات "عاهة مستديمة ").
 
أطباء نفسيون ومفكرون
في عاشوراء هذا العام تم نشر وتداول صور صادمة لأطفال بينهم بعمر ثلاث سنوات جرى تطبيرهم بطريقة سالت فيها الدماء من رؤوسهم على وجوههم وثيابهم،ب ينها صور لأمهات حاملات اطفالهن المدماة رؤوسهم وهن مبتسمات بتباهي . وانطلاقاً من مسؤوليتنا التربوية والسيكولوجية، فإننا توجهنا الى المرجعية الدينية الموقرة في (5 /10/2017) بالتماس نرجوها فيه إصدار فتوى بتحريم تطبير الأطفال، اوضحنا فيه أن هذه العملية تؤدي من وجهة نظر علم نفس الطفولة الى اصابتهم باضطرابات نفسية وسلوكية من قبيل :( كوابيس، تبول لا ارادي، فزع، جفلة، تأخر دراسي...)، وإن اثارها تمتد الى المراهقة والشباب والرشد، توصلهم الى استسهال العنف والعدوان وتعلم حلّ مشاكلهم والتعامل مع الآخرين باستخدام الالات الحادة، مستندين في ذلك الى دراسات علمية تؤكد أن ما يتعلمه الأطفال من بيئتهم يعدّ محدداً رئيساً لما سيكونون عليه في المستقبل.
وكنا طلبنا رأي مفكرين وزملائنا الأطباء النفسيين عن موقفهم، فجاءت داعمة لدعوتنا هذه، بينهم كبير الأطباء النفسيين العراقيين الدكتورعبد المناف الجادر(الأردن)، واستشاريين عراقيين في جامعات بريطانية، بينهم: محمد جمعة عباس، رياض عبد، زيراك الصالحي، وحسنين الطيار من جامعة اكسفورد، فيما طالب الطبيب النفسي  الدكتور طه النعمة، بإحالة آباء هؤلاء الأطفال الى المحاكم. واتفق مفكرون مع موقف الأطباء النفسيين بينهم الدكتور كاظم حبيب، الذي أوضح بأن هؤلاء الآباء يحملون  فهماً مشوهاً ومزيفاً للدين والمذهب والشيعة ويلحقون أفدح الأضرار بأنفسهم أولاً، وبأطفالهم ثانياً، وبالمجتمع العراقي ثالثاً، فيما رأى الدكتور تيسير الآلوسي، أن تطبير الأطفال يتطلب تنفيذ القوانين بـ"تجريم" مرتكبيه.
 وها نحن نكرر،عبر المدى، دعوتنا إلى من يعنيهم الأمر: مرجعية موقرة، وزارة عدل، فضائيات، صحف، مواقع الكترونية، وسائل تواصل اجتماعي.. الى التوعية بمخاطر تطبير الأطفال السيكولوجية والشخصية والسلوكية والمجتمعية، والدعوة الى الحدّ منها وايقافها إن أمكن.
اللهمّ هل بلغت، اللهمّ فاشهد.
*مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون