سينما
2017/10/12 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 2930   -   العدد(4039)
"القمة" الأرجنتيني بيان ضد شركات النفط..شريط "بلا حب" عن "داء التوحد" في روسيا اليوم
"القمة" الأرجنتيني بيان ضد شركات النفط..شريط "بلا حب" عن "داء التوحد" في روسيا اليوم


لندن/ فيصل عبد الله

لا يخفى على متابع ما حفلت به عروض دورة مهرجان لندن السينمائي الـ 61 السينمائية في أسبوعها الأول (4 ولغاية 15 تشرين الأول/ أكتوبر 2017)، الى تسلل شحنات ما يشهده عالمنا المعاصر من تغييرات درامية الى الفن السابع. ما قدم، أقله عبر شريطين، يمكن القول عنه؛ هو ترجمة صورية لمزاج عصرنا المشوب بخيبات وعود الحرية والديمقرطية والعدالة وتفشي ظاهرة الفساد وفقدان الأمل والمبتلي بالحروب، أهلية كانت أم استهلاكية أم موجهة ضد الذاكرة، وفي أكثـر من مكان في فضائنا المعولم.
صحيح أن طموح هذه التظاهرة السينمائية وسعيها بأن تكون منصة انطلاق عالمية لتسويق الصنيع السينمائي، إذ أن فكرة "العرض الأول"  كانت هاجس القيمين عليها فهناك، 51 عرضاً عالمياً و17 دولياً و35 أوربياً فضلاً عن عرض أكثر من 200 شريط للجمهور البريطاني، وبما يمكن أن تثيره من نقاشات نقدية وتسليعية في آن. ترجمة ما سبق شاهده ما يصل بريدنا الإلكتروني من توقيع صفقات وعقود بيع وشراء مغرية مالياً بين صنّاع السينما وشركات تحتكر سوق العرض. بالمقابل، وفي مفارقة صارخة، تواجهك يومياً تظاهرة صغيرة عند بوابات صالات سينمائية، تفرد عروضها الصباحية ولما بعد الظهر الى الصحافة، تندد بسياسة الاستغناء عن العاملين فيها من المنتمين الى نقابات مهنية وتطالب برفع مستوى ما يتقاضاه العمال من أجور. التظاهرة الصغيرة تلك هي مفتاح، أو أحد مفاتيح، وشاهد حي، ينضاف الى سلسلة العروض السينمائية، لعالمنا السائر على إيقاع فكرتي الاستغلال والاستهلاك واللاهي بمتعة "التوحد".
ضمن مفردات ما سبق يمكن إدراج شريط "بلاحب" للروسي أندريه زفياغنتسيف، فقرة المسابقة الكبرى، وفيه متابعة لما تشهده "روسيا اليوم" من تغيرات درامية على صعيد العلاقات الاجتماعية والاقتصادية وفي ظل أجواء العولمة المكتسحة لصورة "روسيا الأم" التقليدية. ترسم اللقطات الأولى أجواء بيئة باردة وساكنة وكأنها محكومة بعزلة طاردة أقرب الى التجريد الصوري. ثم تنتقل عدسة الكاميرا، لقطات بعيدة، الى متابعة صبي من لحظة نهاية دوامه المدرسي مروراً بغابة يعرف لوحده طرقها، من الواضح لقتل وحدته وتزجية الوقت، ولغاية وصوله الى بيته. في البيت تتكشف فصول الحكاية، إذ نتعرف على والدة الصبي المتوترة زينيا (ماريانا زبيفاك) وطريقة تعاملها الأمرية معه، الى أن يظهر الزوج بوريس (أليكسي روزين). نتعرف، أيضاً، على أن العلاقة بين الزوجين وصلت الى نقطة اللا عودة سوى انتظار إغلاق فصلها الأخير عبر بيع شقتهما، من ثمار عشرتهما فيها طفلهما الوحيد الصبي أليوشا البالغ من العمر 12 عاماً، والمضي كل في سبيله. إلا أن السؤال الأهم، كما نتابع، يتعلق بمصير أليوشا ومسؤولية رعايته؟ الطرفان، كما تفصح الحوارات، قد توصلا الى اتفاق مضمر بالتخلص من ماضٍ جمعهما بكل ما فيه من مرارات بما في ذلك أليوشا عبر وضعه في ميتم. الفصول الأخرى تفتح على عالم الجميلة زينيا، زبونة دائمة لصالونات التجميل، وعلاقتها بثري تقاسمه شقته الفاخرة، لا توجد إشارة الى سبب وحدته سوى مكالمة مع أبنته المقيمة في البرتغال عبر واحدة من تطبيقات التواصل الاجتماعي. فيما عالم الزوج بوريس يدور حول عمله كمبرمج في مؤسسة تابعة الى رجل أعمال متدين لا يسمح بعمل العزاب في شركته، وتربطه علاقة مع شابة حامل منه. لكن هروب الصبي أليوشا يقلب سيناريوهات ما كان مخططاً له، إذ بدلاً من توفيره فرصة احياء عاطفة ما إزاء ورطة عائلية، إلا أنه يضع الزوجين في تقابلات تنزل بهما الى الحضيض. فصول الانهيار والتخلص من خطايا الماضي يتجسد في مشاهد بيروقراطية أجهزة الشرطة وعجزها في تتبع مثل هذه الحالات لكثرتها، وتحويل  القضية الى محقق آخر وفي تعقب ماراثوني لأثر الصبي الماراثوني. البداية الجديدة  للزوجين تبدو متصدعة، تفضحها ملابس زينيا الرياضية الحاملة لإسم روسيا وهي تمارس لعبة الجري وكأنها شاردة تماماً!. وغضب بوريس من لعب طفله الجديد ما يدفعه الى وضعه في سريره بطريقة عصبية! وفي ضوء هذه الخلفية الدرامية تتكشف لنا صورة "روسيا اليوم"، أو جزء منها، كما نتابع. وهي صورة غير سارة بالضرورة، فهي مصابة بـ "داء التوحد" الضارب اجتماعياً بما تتيحه الهواتف النقالة وعوالمها الافتراضية، أو تلك السالبة للعقول بما توفره من كماليات السوق والاستهلاك ووعود الأحلام الوردية و الـ "أنا" الطاغية. السؤال كم تنفرد "روسيا اليوم" بما شاهدناه؟ وكيف يستقيم الحكم النقدي على المضمامين الاجتماعية والاقتصادية لتوصلات هذا العمل الإشكالية، لو أبدلنا مكان الأحداث المسطرة على الشاشة الى بلد أوربي غربي؟ ومع ذلك، يبقى شريط زفياغنتسيف يساجل بطريقته الخاصة بتقديم قراءة سينمائية ممتعة وبليغة لا تتوسل التعاطف مع خطايا أبطاله أو تبريرها وعبر بناء فيلمي محكم.
بين الشخصي والسياسي وبالعكس، بين السلطة وخفايا كواليسها يصوغ الأرجنتيني سانتياغو ميتري في شريطه "القمة"، فقرة تشويق، ما كان أعظم. صاحب "بولينا" (2015)، يدعونا الى متابعة حبكة مثيرة في رسالتها السياسية، إذ يضعنا إزاء سؤال الإستقامة والنزاهة مع ما تتيحه الوظيفة العامة من إغراءات. نحن هنا إزاء رئيس جمهورية الأرجنتين هرنرار بلانغو (أداء رائع للممثل وكاتب السيناريو والمخرج الأرجنتيني ريكاردو دارين)، لا نعرف عن ماضيه سوى غموض يغلف شخصيته حيث وصوله لدفة الحكم وكأنه حلحلة أزمة سياسية في بلده. سفره الأول الى خارج بلده كرئيس، من أجل حضور جلسات قمة لرؤساء بلدان أمريكا اللاتينية في تشيلي يكشف لنا فصولاً من لعبة سياسية كبرى وعميقة. غاية القمة وعلى رأس برنامج أجندتها، مناقشة اقتراح إنشاء شركة نفط تجمع تلك البلدان، على غرار أوبك، وفي خطوة لها تأثيرات اقتصادية على الصعيد الستراتيجي في العلاقة مع الغول الشمالي، الولايات المتحدة الأمريكية. إجماع الرؤساء على ذلك المقترح بدا لأول وهلة يحمل في طياته أجندات سياسية متضاربة لتلك البلدان، إذ تراه البرازيل على سبيل المثال خطوة مهمة على صعيد تعزيز التعاون بين دول الجوار، يقابله  "لوبي" مكسيكي يروج لفكرة التعاون مع الجار الشمالي. في خضم تلك الأجواء يطلب الرئيس الأرجنتيني إحضار ابنته مارينا، مضطربة نفسياً ويدور حول زوجها شبهات فساد، الى فندقه لقضاء بعض الأيام معه. إلا أن الأخيرة تنهار نفسياً بالكامل ما يتطلب عرضها على طبيب نفساني مشهور، ينصح بتنويمها مغناطيسياً على أمل تمكينها من النطق. ما يتكشف من صور وأقوال مارينا أثناء نومها يطال ويقلب صفحات مخفية من سيرة أبيها وما يعرف عنه. على أيقاع تلك الأزمة الشخصية وأجواء القمة المتوترة بفعل تضارب الأجندات السياسية يحضر "الأخ الأكبر". وعبر دعوة الرئيس الأرجنتيني الى لقاء مهم مع ممثل في الخارجية الأمريكية، وتبدأ المقايضة أولاً بالإذلال حين يتعرف على الدرجة الوظيفية لمن يقابله، وتنتهي بشراء الذمة لترجيح كفة مقترح المشاركة مع الجارة الأخطبوطية. شريط "القمة" فاضح لما يدور خلف كواليس السلطة وفي عالم تتحكم به الشركات العابرة للحدود والقارات.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون