الاعمدة
2017/10/11 (15:26 مساء)   -   عدد القراءات: 676   -   العدد(4039)
كلاكيت
صورة التشكيلي في السينما
علاء المفرجي




تبدو العلاقة بين الرسم والسينما علاقة وطيدة منذ بداية فن السينما، فقد استفادت السينما من الفن التشكيلي كثيراً، ومنذ وقت مبكر لها، وقد كان ذلك حدثاً فنياً، فمنذ عشرينيات القرن المنصرم، نلاحظ أنَّ العديد من التشكيليِّين السيرياليين كانوا يَرَونَ في السينما وسطاً مثالياً لسبر واستكشاف عوالم أخرى. وقاموا بمحاولاتٍ تجريبيةٍ مع الفيلم لغاياتٍ سيريالية. (بيكابيا) كتب سيناريو فيلم (استراحة) من إخراج (رينيه كلير). (وسلفادور دالي) شارك (بونويل) في كِتَابَةِ وإخراج (كلبٌ أندلسيٌّ). إنَّ هذا الانتقال من الوسط التشكيلي إلى الوسط السينمائي يجعل هؤلاء الفنانين، وعلى نحوٍ محتومٍ، يوجهون اهتماماً وعنايةً أكبر بتكوين الصورة، بحسب الناقد محمد عبيدو في دراسته الجميلة (صورة الفنان التشكيلي في السينما).
وقدت السينما طوال تاريخها العديد من الأفلام عن الفنانين التشكيليين، بعض هذه الأفلام يحتفي بالفنان بوصفه عبقرياً معذباً، رائياً، والذي يتخطى ظروفه الاجتماعية المباشرة، غير إنّ هذا النوع من الجديد من الأفلام لم يكتسب أهميته إلا سنة 1948 عندما فكر مخرجان ايطاليان هما (لوسيانو ايمر وانركو غاس) بتصوير اعمال (جيوتو وكاربشيو وجيروم بوسن).. وكانت أفلامهما بحق، بداية علاقة جديدة بين السينما والفن التشكيلي، وما لبث أن اتجه عدد من السينمائيين على اعمال مصوري وفناني الماضي والحاضر، وبدأت صالات السينما بعض افلام الفن التشكيلي فأخرج (الان رينيه) ثلاثة افلام عن (فان غوغ وغوغان وغورنيكا) لوحة بيكاسو الشهيرة، وتبوأ (رينيه) بهذه الأفلام مكانة رفيعة باعتباره استاذاً في هذا النوع من الأفلام، وأنجز (جان اوريل) فيلم "الاعياد المجيدة، و"قصة مانيه" وأخرج (لودوكا) فيلماً عن الفنان (هنري روسو).. وقدم (بيير غاسبار) فيلم "الحياة الدرامية لموريس ارتيللو" وبيير كاست فيلم "نساء اللوفر".
أما فيلم تاركوفسكي عن رسام الايقونات الروسي (اندريه روبليف) 1966 فيسعى الى عرض المرحلة التاريخية والاجتماعية التي عاش فيها الفنان. الفيلم يمثل رؤية لحياة "اندريه روبلوف" الذي ولد في أواخر القرن الخامس عشر وكان راهباً، ولكنه اصطدم مع الكيسة ومع الدولة في زمن كانت روسيا القيصرية تعاني الاضطرابات الداخلية والغزوات التترية، يقوم برحلة شعبه وغرائب حياتهم، مما لم يكن يعرفه من قبل اثناء عزلته في ديره البعيد المنعزل.
هناك افلام مثل (كارافاجيو) للمخرج (ديريك جارمان) 1986 تعيد بناء أو تركيب علاقة الفنان بواقعه من خلال مزيج من الحقائق والتخيلات، وبالتالي فإن هذه الأفلام لا تحرص على تصوير التجربة الحياتية للفنان، ولا تقدم بورتريهاً واقعياً أو مسيرةً ذاتيةً للفنان، بقدر ما تتم بإيجاد عوالم بديلة، وبتقديم رؤية شخصية، وهناك افلام تتيح لنا أن ننفذ الى عملية الإبداع وسر الايجاد الفني، دون أن يكون الفيلم درساً في الفن أو في تاريخ الفن. إن التركيز على فعل الإيجاد والبحث عن عناصر ادراك الفنان التي رافقت تحقيق اللوحات هي محاولة لكشف الصلة بين حياة الفنان وتعبيره الجمالي، أي أن يكون الفنان نموذجاً لسبر واستكشاف مسألة سيكولوجية الإبداع الفني.
ويقدم المخرج الاسباني (كارلوس ساورا) عالم أبرز رموز الفن الإسباني، وهو الفنان التشكيلي العالمي (فرانشيسكو دي غويا) في فيلم بعنوان/ غويا في بورديوس/ 1999 وقام بتجسيد شخصيته الممثل الشهير (فرانشيسكو رابال). ويتناول هذا الفيلم السنوات الأخيرة من حياة (غويا) يعاني من ويلات الفقر والجهل والاستبداد، وبكثير من الشاعرية والجمال البصري وبأسلوب جديد ادمج فيه المخرج في تناسق بين جمالية وسحر السينما وعمق وغموض الإبداع التشكيلي، طوقت الكاميرا لحظات مصيرية وآلام الناس ومعاناة شعبه، الى جانب مشاهد من الحب والجمال من خلال علاقته الحميمة بالدوقة (دي البا) التي استولت على قلبه وملكت كل حواسه، حيث بقي حبها حياً في قلبه حتى آخر نبضة.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون