عام
2017/10/12 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 440   -   العدد(4039)
نحن والآخرون لتودروف
نحن والآخرون لتودروف


صباح محسن كاظم

 ثمة دراسات عديدة حاولت تفكيك المفاهيم حول فهم حركة التأريّخ، والمَعرِفة، والهويّة، والدولة، والوجود الإنسانيّ بأسره منذ أرسطو وسقراط وإفلاطون إلى الفكر المعاصر.. وقد كانت هناك محطات علميّة وفكريّة بعالمنا أصلت ونظرت خلال القرن من الفكر الماركسيّ والقوميّ لتلك المفاهيم .. من طروحات هيكل ونيتشه وجان جاك روسو وهايدغر إلى مقولات ومؤلفات لها أهميتها اليوم لـ (نعوم شومسكي وأدوارد سعيد) في رؤاهم وتحليلاتهم الواقعيّة لدراسة المنتج الفكريّ والتأريخيّ لحركة الشعوب والاستشراق والإمبريالية والهويّة الثقافيّة الوطنيّة .. وكتاب المفكر (تودروف) "نحن والآخر" في سياقات المعرفة الإنسانيّة من خلال شروحاته، وبياناته، ورؤاه ، وتأسيساته لتلك التجربة الحياديّة بالفكر من خلال واقعيته المحضة وتجربته من روسيا إلى فرنسا في الطرح الإنسانيّ، لذلك عمدت دار المدى لنشره بطبعته الأولى 1998 وحسناً قدمت الثانية 2016 ب443 صفحة ترجمة : ربى حمود.. لِيطلع المتلقي على سِفرٍ له أهميته القصوى في تفسيرات العلاقة بين (نحن والآخرون) بين التنوع الإنسانيّ القوميّ الأثنيّ اللسانيّ الوجوديّ التأريخيّ والمعرفيّ.. في مقدمة "تودروف " ص 10 يؤكد على: ((المجال المختار ليس التاريخ وإنما التأمل بالتأريخ ، مما يفسر سبب عدم وجود وصف شامل أو متتابع لحقبهة بذاتها في مايلي وإنما تحليل لعدّة مفكرين ممثلين لزمنهم، وهذا يفسر أيضاً سبب كون المخطط العام مبحثياً أكثر منه تعاقبياً تاريخياً .غير أن التاريخ ليس بعيداً: على الرغم من أني انطلقت من عدّة مقولات عامة جداً (نحن والآخرون، وحدة وتنوع كائنات وقيم، إيجابي وسلبي) فقد فرضت مواضيعي نفسها عليّ بسبب الدور الذي أخذته من هذا الماضي القريب ،وتبيّنت أنه، خلال القرنين الدروسين، في فرنسا، تركز التفكير على تنوع الشعوب حول بعض المسائل الكبرى، وقد اخترت أن أدرسها هي نفسها، مما يعني أني أبحث في التضاد بين أحكام عامة وأحكام نسبية؛ العروق، الأمة والتوق إلى الغريب ..)). بالطبع القوى الاقتصادية ،والفعاليّات الإجتماعية ، والعقائد الدينية، والثقافة، والموروث، هي تمثلات للسياق الفكريّ العام في البشريّة كما بقصة الحضارة عند ديورات في تشكل الوعيّ الإنسانيّ التراكمي ّ المعرفيّ من عصر ظهور الكتابة إلى الإفرازات العلميّة المعاصرة، والثورات الكبرى التي رافقت المسيّرة الإنسانيّة وتأثيراتها بمسارات حركة الوجود البشريّ وتطلعاته.. في ص17 من كتاب نحن والآخرون: ((...يمكن للخيار الشمولي أن يتجسد في عدة وجوه ،وتتبوأ النزعة إلى التركيز على الإثنية مركز الصدارة فيها بجدارة، إذ إنها أكثر الوجوه شيوعاً ..)). ثمة تراكم وجوديّ معرفيّ من خلال التنوع البشري ّ والقوميّ وماينتجه من القيم ، النظرة إلى الأخلاق ،والمُثل، والمباديء.. صراع الرذائل والفضائل ،ثنائية الحق والباطل ، إنتهاك الحقوق الإنسانية بالصراعات، والعدوان، وإهدار الكرامة بالعنف غير المبرر، الاستعلاء بالأفضلية على الآخر، والوهم بأمراض الذات وغيرها من التأثيرات الأيديولوجية التي تحدد النسق الوجودي لكل مجموعة بشرية وأثنيّة وفق التعاطي الذي يرتكن للعادات والسلوك والقيم التي تفرزها المناخات ،يضرب مثالاً واقعياً في ص:22 ((البرابرة هم أؤلئك الذين يعتقدون بأن الآخرين من حولهم برابرة .الناس جميعهم متساوون في ما بينهم، لكن لايعرفون جميعهم هذه الحقيقة..)). يرى تودروف عن مفهوم الحرية ص 37: وهو يستعرض عشرات الآراء للمفكرين وأرباب القلم من المُنظرين في العالم  (..أن روسو قد انتقد النسبوية .لكن هذا ليس سبباً كافياً لكي تناسبه أية شمولية؛ ولن يقبل في أية حال من الأحوال أن يخلط بين موقفه وموقف "الفلاسفة" وديدرو .سيدين روسو دون تحفظ النتائج التي كان هذا الأخير يعتقد أن يستطيع استخلاصها ..) لعلَّ من ريادة الحضارة والوجود بحث الإنسان عن الحرية والخلود ، فالحرية تجعل البلبل يُغرد في رياض الوجود النَضِرة فيما يكبل القفص الذي يُقدم له فيه كل شيء ،حتى مقولة سيد البلغاء :متى إستعبدتم الناس وقد ولدتهم أماهتم أحراراً ..وقد دافع عن الحرية كل دُعاة التنوير من رواد الحضارة إلى دُعاة الحقوق في فرنسا، والثورة البلشفية، وكل حركات التحرر العالمي، فضلاً عن جميع المصلحين الدينيين من مارتن لوثر إلى الزعماء الروحيين غاندي، وثوار الحرية جيفارا وكل الشهداء الذين يدافعون عن حرية شعوبهم .. لقد حلق "تودروف " بعوالم الفكر والمعرفة بأبواب الكتاب وموضوعاته بثراء معرفيّ في اتجاهات مختلفة وموضوعات شتى (مذهب العلمية – العروق- الحرية والحتمية – ويختتم فصول الكتاب برحالة حديثون عن أسماء فكرية عالمية إنسانوية..). هذه السياحة في عوالم الفكر والمعرفة ومناقشة قضايا شائكة وإشكالات متعددة حتى أن "تودروف" يكتب ص 246: القومية الجديدة والسيئة (كان ميشليه يريد أن يبشر بقومية إنسانوية وقائلة بالمساواة، مما يشكل تناقضاً في الاصطلاحات . ويمكننا افتراض أن ممارسته تعرضه لخيانه أحد هذين الاصطلاحين، ولكن، أيهما؟ تقع الصورة التي أراد ميشيليه إعطاءها عن فرنسا، في أنقى تقاليد التركز على الأتنيه المركزية، الذي يقوم على منح الذات مميزات تفضيلية ، دون محاولة إثباتها...) فيما يعرض أفكار ورؤى أخرى ص 265 عن العدالة والحرب يقول: ( في السنوات التي سبقت الحرب العالمية الأولى مباشرة، يحاول شارل بيجي تأسيس قوميته ،ويحاول على الأخص، المطالبة بأقليم الألزاس واللورين،استناداً الى تعاليم حوق الإنسان.كيف يمكن ذلك ؟..). إن الدعوة للسلام الأممي والكوني بعد مخاضات الصراع الكبرى في البشرية هي التي ترجح صوت العقل والحرية على أبواق من ينفخ في جمر الحروب، ولظاها التي تدمر البشرية وبنيتها التحتية ، ومدعاة الفزع، والهلع في الإنسانية، بطبيعة الإنسان النزوع للاستقرار والأمن والحرية ..المُرتجى والمؤمل أن يعم السلام العالمي، وإحقاق الحقوق هذا هو الهدف الأسمى الذي يتوق له البشر بعد مناكفات، وصراعات، وحروب صبغت التأريخ البشري بلون الدماء البريئة التي تُسفك نتيجة النزاعات والصراعات .. "نحن والآخرون" كتاب جدير بالقراءة والتحليل لأهميته في معرفة الرؤى الفكريّة والمعرفيّة لعقول أنارت العتمة بحياة الإنسان . في معرفة الخلاص من القُبح نحو عالم يسوده الجمال والوئام .



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون