آراء وافكار
2017/10/14 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 898   -   العدد(4040)
التراث الشعبي.. نحو فاعلية ثقافية مُدركة لحضورهِ وقيمه
التراث الشعبي.. نحو فاعلية ثقافية مُدركة لحضورهِ وقيمه


 د. علي حداد

(1)
يوثّق (التراث الشعبي) بوصفه واحداً من أعرق ما تهيأ للإنسان الشعبي في بيئته أن ينجزه وأخصبه، فقد ظل يخبر عن منجزه النوعي ـ قيمياً وجمالياً ـ ويواصل تأكيد ذلك عبر أنواع من التشكل التعبيري ـ الشعري والسردي ـ التي قيض لها أن تتردد على شفاه الأجيال العراقية، وتتجذر نسغ فاعلية تلوذ بها الذات الجمعية وتستعيدها كل حين ، من دون أن تنال منها سطوة الزمن.
وبإزاء ذلك المتحقق الإنساني المشتجر، فقد مثلت الرغبة المحتدمة لتأكيد الهوية الوطنية العراقية دافعية بيّنة التلمس في جهود كثير من الباحثين العراقيين الذين وضعوا هذا التراث شاخصاً نصب أعينهم، وعلى امتداد مراحل الدرس التراثي الذي أنجزته أجيالهم في مدة تجاوزت القرن من الزمان، بقيت جهودهم فيها تراكم متحققها وتعمق مساراته القرائية، وتكيّفه بسياقات من الانهماك الذي يمكن له أن يؤشر سمات (مدرسة عراقية)، ابتداءً من التسمية: (التراث الشعبي) التي تبناها الدارسون العراقيون وروّجوا لها، ومروراً بوعيهم النضيج لطبائع هذا التراث وتفوهات حقوله التي بثتها البيئة الشعبية العراقية بتشكلات سياقية وجمالية لا تكاد تكون بهذا الفيض المتسع في أية بيئة أخرى. ليصل هذا الجهد ـ غير المنبت ـ إلى توصلات معرفية واجتماعية تحسب لجديته ودأبه وتفاني المشتغلين في حقوله على أن يكون منجزهم القرائي بمستوى ما وضعه أسلافهم ـ الشعبيون ـ من منتج ثقافي مثير في تعدده وخصبه وجماليات بثه الإنساني.
وهكذا قيض للمنجز الثقافي العراقي ـ ببعديه المنتج والدارس له ـ أن يمتاحا من أغوار التأسيس الذي ينتميان إليه، ليجيئا (عريقين) عراقة هذه الأرض التي لم يكن اعتباطاً أن يكون اسمها (العراق) ، فهي كذلك... وتلك واحدة من إشكاليات وجودها.
(2)
وهذا الأدب من التعدد في حقوله واتساع متراكمه النصّي الذي أنتجته أجيال متلاحقة ما يستوجب أن يكون المسعى إلى جمعه وتوثيقه وتبويبه مهمة مؤسساتية، وليس ـ اجتهادات فردية نبيلة أدركت قيمته، فذهبت لتناوله راغبة أن تضعه في أفق التلقي الثقافي الراهن، وآملة أن تجد من يصغي لمناداتها، كي يصان هذا التراث ويحفظ، وتستعاد قراءته بمنهجية بحثية رصينة، ولاسيما من قبل الجهات الجامعية العراقية التي تجاهلت ـ وما تزال على نحو مثير للاستغراب ـ  محصوله الثقافي الثّر، فغيبته عن درسها الأكاديمي ـ الذي لا يمكن لسواه أن يؤطره بالكشف المعرفي والتكيف المنهجي الرصين كما هو الحال معه، ولاسيما أن هذا الميدان يتطلب العمل الجماعي المنهجي والمنظم والمدعوم إعلامياً ومادياً الذي لا تنهض به سوى المؤسسات العلمية المرتبطة بالدولة. ولكن واقعنا الرسمي العراقي يجري على غير ما يتمنى ويراد، فقد أقصي درس التراث الشعبي تماماً من أفق الأكاديمية العراقية، إذ ليس هناك من معهد أو مركز بحثي يتولاه ، ولا قسم في كلية يحتويه، بل إنك لن تجد أي مقرر دراسي يشير إليه. حدث ذلك ـ ولا يزال ـ في كل أزمنة التشكل السياسي والثقافي التي مرّ بها العراق ، وهي تصك الأسماع ، بادعاءات حرصها على ترسيخ هوية عراقية خاصة، كان يمكن لها أن تجعل من ذلك التراث واحداً من مشخّصاتها.
وبالمقابل من هذا التغييب  فقد نال التراث الشعبي ـ وأدبه على نحو خاص ـ عناية عدد طيّب من الأكاديميين ـ الذين جاءوه من اختصاصات أدبية وعلمية أخرى ـ  فشغلوا به بحثاً وتقصياً وقراءات جادة. غير أن جهودهم تلك بقيت بحدود ما يشاركون به الوسط الثقافي خارج فضاء الجامعة الذي يفترض به أن يكون رحباً ومكتشفاً ومنتجاً للأسئلة الثقافية ومجيباً عنها، كما هي مبررات وجوده، ووقائع ما هو عليه عند سوانا. ولكن ذلك لم يحصل عندنا، ولم يتمكن أولئك الأكاديميون من اختراق الصلادة الإدارية والعلمية في الجامعات العراقية، كي ينال التراث الشعبي ومضامينه فرصة أن يدرج في مساقات المعرفة الأكاديمية، سواء من خلال تأسيس أقسام علمية تدرسه، أو إيجاد  مراكز بحث خاصة به ـ أسوة بما هو موجود في عدد من الجامعات العربية في مصر والسودان والجزائر والأردن والسعودية وبقية دول الخليج العربي، ناهيك عن كثير من الجامعات العالمية ، ليظل التراث الشعبي العراقي ـ الخصيب والمتلون بألوان أطيافه الإنسانية ـ نهباً لادعاءات من شاءه وتقولاته، ويحرم من أن تسبغ عليه الرصانة الأكاديمية منهجياتها وانضباط درسها، وليبقى العراق من بين دول قليلة لا تكاد تجد فيها مختصين يحملون الشهادات العليا في مجال التراث الشعبي .
(3)
أدركت المنظمات الدولية أنها ـ ومن خلال إيجاد السبل والوسائل ذات التشريع الأممي قادرة على أن تواجه مآرب (العولمة) والمنادين بها الساعين نحو إلغاء التعددية الثقافية للأمم والشعوب ـ ولاسيما تلك التي يمتلك موروثها اتساع حضور وعراقة جذور، وعمق تأثير مازالت قيمه تندّ وتعلن عن نفسها، فتنادت منظمة (اليونسكو) داعية لصون تراث الأمم والشعوب وخصوصياتها الثقافية، وأصدرت ـ مع إطلالة السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين الميلادي ـ نداءها أن يتخذ الاهتمام بالتراث الشعبي ـ ولاسيما غير المادي منه ـ وجهة عالمية، بعد أن كان الغالب على الجهود فيه تركيزها على النطاق القومي أو الإقليمي أو المحلي .
ففي السابع عشر من شهر أكتوبر(تشرين الأول) 2003 م عقد في باريس المؤتمر العام لمنظمة (اليونسكو)، ليعلن في ختامه عن اعتماد اتفاقية (صون التراث الثقافي غير المادي)  التي دخلت حيز النفاذ في العام 2006م، وصادقت عليها معظم دول العالم، ومنها العراق الذي أصدرت حكومته بهذا الشأن القانون رقم (12) لسنة 2008م .
لقد نصت الاتفاقية على أن تسعى دول العالم مجتمعة ـ أو كل على حدة في ما يخص تراثها الثقافي ـ إلى بذل أقصى الجهود التي يعززها الدعم الأممي لصون تراثها الذي شخصت تجلياته في الآتي:
أ ـ التقاليد وأشكال التعبير الشفهي، بما في ذلك اللغة كواسطة للتعبير عن
التراث الثقافي غير المادي.
ب ـ فنون وتقاليد أداء العروض.
ج ـ الممارسات الاجتماعية والطقوس والاحتفالات.
د ـ المعارف والممارسات المتعلقة بالطبيعة والكون.
هـ ـ المهارات المرتبطة بالفنون الحرفية التقليدية .
وكان المفترض بالعراق ـ بما له من خصوصيات ثقافية وموروث متسع الحقول والمضامين أن يكون من أكثر البلدان التي تستفيد من هذا الإعلان الأممي وتوظفه في خدمة مساعيها الوطنية. ولكنَّ أياً من مؤسسات الدولة العراقية لم تحرك ساكناً للاستفادة من هذا الإعلان . وكأن حكومته أسقطت ما عليها من فرض حين صادقت على الاتفاقية حسب، ليغيب أي جهد عملي حقيقي وملموس يمد أذرع العناية إلى تراثنا الشعبي وهو يستباح ويصادر ويدعى، أو يذهب طي التغييب والنسيان.
(4)
واليوم ـ ونحن نعايش الإجحاف الذي يعانيه (التراث الشعبي) العراقي والمشتغلون في رحابه ـ فإن أي مثقف منصف ورصين الوعي لا يمكن له إلا أن يكون في صف الداعين لأن ينال ما هو جدير به من صدق النوايا وجدية التوجه ، وعبر خطوات إجرائية حقيقية ، تشخص عندنا في الآتي :
ـ تشكيل رأي عام ثقافي ضاغط على الجهات الرسمية لإدراك أهمية هذا التراث والوعي بقيمته الاجتماعية والثقافية، وكذلك الاقتصادية، بفعل حيويته لأن يعاد إنتاجه بأساليب تجارية مدّرة لوافر من الأرباح.
ـ تبني الجهات الحكومية المختلفة للمشاريع والبرامج الكفيلة بأن تضعه في المكانة التي هو جدير بها.ودعم الدولة للمؤسسات والمنظمات التي تعنى بالتراث الشعبي ، سواء الحكومية منها أو الجماهيرية.
ـ تأسيس جهة مؤسساتية حكومية تتولى جمع المادة التراثية وتوثيقها وأرشفتها. وإنشاء مكتبة تقوم بجمع ما أنجز عنه من بحوث ودراسات، ووضعها تحت رغبة البحث العلمي الجاد فيه.
ـ تأسيس مراكز بحثية في أكثر جامعة عراقية تتولى دراسة التراث الشعبي على وفق المنهجيات العلمية المتداولة في كثير من البلدان المتطورة.
ـ وضع مقررات دراسية عن الثقافة الشعبية في الأقسام الإنسانية والعلمية وعلى وفق ما يندرج من حقول تلك الثقافة في مجال اختصاصها العلمي .
ـ تأسيس أقسام خاصة في كليات الآداب لدراسة الأدب الشعبي وفنونه، وفتح شعب للدراسات العليا في حقول الأدب الشعبي ، للتوافر ـ مستقبلاً ـ على باحثين مختصين فيه.
ـ الإعلان عن مناسبات (أعوام أو أسابيع ثقافية) لصون التراث الشعبي، ودعوة المهتمين به ـ محلياً وعالمياً ـ لتدارس كل متعلقات العمل النظري والميداني فيه.
 ـ التواصل مع المنظمات الأممية المختصة برعاية التراث الشعبي والاستفادة من دعمها ورعايتها لتراث الشعوب المنضوية فيها.
ـ تبادل الخبرات مع البلدان العربية والعالمية ومؤسساتها الثقافية المهتمة بالتراث الشعبي .
بهذه الممارسات العملية ـ وغيرها الكثير ـ يحق لنا أن ندعي الوراثة الحقة لهذا الفيض الإنساني الخلاق الذي وضعه الإسلاف بين أيدينا ومضوا، ونفي حقهم وحق أجيال من دارسيه مراسيم الوفاء التي تليق بهم.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون