آراء وافكار
2017/10/15 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1513   -   العدد(4041)
الفرصة الأخيرة لإنقاذ العراق من انهيار محتّم
الفرصة الأخيرة لإنقاذ العراق من انهيار محتّم


 د. محمد توفيق علاوي

أصدرت الحكومة النرويجية قراراً بمنع بيع أيّ سيارة جديدة في النرويج تعمل بالوقود السائل (البنزين والكازولين) بدءاً من عام 2025، حيث أن نسبة السيارات الجديدة التي تباع اليوم في النرويج وتعمل بالوقود السائل وحده تبلغ أقل من 50% (50% الأخرى تعمل بالكهرباء، اي البطاريات، أو سيارات هجينة تعمل بالبطارية والوقود السائل)، وتبعتها في هذا المضمار هولندا بقرار مماثل  تبدأ تطبيقه عام 2025 أيضاً، ثم فرنسا وبريطانيا منذ عام 2040، ولكن في نفس الوقت نكتشف أن هذه الدول سائرة نحو زيادة شراء السيارات الكهربائية بسبب زيادة طلب المواطنين، وتقدر نسبة السيارات الكهربائية والهجينة المشتراة في فرنسا في النصف الأول من عام 2017 حوالي 25% من السيارات.

أما الهند فقد اتخذت نفس الاجراء ليطبق من عام 2030، والدافع الأول في الهند هو زيادة التلوث في الجو من السيارات العاملة بالوقود السائل، واتخذت عشر دول أخرى اجراءات مشابهة كألمانيا والنمسا وإسبانيا والدنمارك والبرتغال وايرلندا واليابان وكوريا والصين التي تصنع الآن حوالي 40٪ من السيارات الكهربائية في العالم؛ وحتى الآن اتخذت ثماني ولايات امريكية إجراءات مشابهة.
التواريخ أعلاه موضوعة من قبل حكومات الدول، ولكن ما هو الواقع على الأرض؟ الحقيقة المفاجئة هي أن رغبة الاشخاص بشراء السيارات العاملة بالبطارية وتشحن بالكهرباء على أرض الواقع اكبر بكثير وأسرع بمراحل متقدمة من المهل القانونية التي وضعتها حكومات هذه البلدان، وذلك لإقبال الناس عليها بشكل كبير لمميزاتها العالية ولقلة كلف تشغيلها؛ لكن المشكلة في السابق بل حتى الماضي القريب كانت في ارتفاع سعر السيارة العاملة بالكهرباء، فلو قارنا مثلاً بين سيارة تيسلا (TESLA) وهي سيارة كهربائية فخمة وبين سيارة بنفس السعة والمواصفات تعمل بالوقود السائل، نجد أن كلفة الوقود السائل في بريطانيا على سبيل المثال يبلغ اكثر من ثمانية اضعاف كلفة الكهرباء لشحن بطارية السيارة الكهربائية لتغطية نفس المسافة؛ ولكن عند انتاج اول سيارة كهربائية قبل خمس سنوات كان سعرها بحدود 150 ألف دولار، والآن اصبح سعر السيارة من نفس الماركة ولكن من صنف آخر جديد لعام 2017 حوالي 35 ألف دولار، واصبحت هذه السيارة هي الأولى في نسبة المبيعات في السوق الامريكية. وبدأت شركة نيسان اليابانية بتصنيع السيارات الكهربائية وبيعها بـ 30 الف دولار، والتوقعات المستقبلية في امكانية تصنيع السيارات الكهربائية من قبل الكثير من الشركات العالمية بسعر حوالي 20 ألف دولار، أصبح امراً ممكن التحقيق خلال سنتين أو ثلاث سنوات، وبالتالي سيكون سعرها موازياً للسيارات العاملة بالوقود السائل مع كلف تشغيلية بسيطة جداً، فالشخص الراغب بشراء سيارة بعد سنتين من الآن لا يوجد لديه سبب لتفضيل سيارة الوقود السائل (البنزين) على السيارة الكهربائية بهذه المواصفات وكلف التشغيل القليلة!!!
توجهت جميع معامل انتاج السيارات في العالم تقريباً لإنتاج السيارات الكهربائية، والكثير من الشركات قررت ايقاف انتاج السيارات العاملة بالوقود السائل فقط كشركة فولفو السويدية التي ستوقف تصنيع السيارات العاملة بالوقود السائل وحده من عام 2019.
السيارات الكهربائية فضلاً عن كونها اقتصادية، لها مميزات اخرى كثيرة، في عدم تلويثها للبيئة وقلة كلفة صيانتها، كما تطورت مواصفاتها مقارنة بمواصفات السيارات الكهربائية التي كانت تصنع في السابق، فأصبحت عملية شحنها في ليلة واحدة تكفيها لقطع مسافة 350 كيلومتر ويمكن شحنها من قبل اجهزة الشحن السريع التي اخذت تنصب في الأماكن العامة قرب المقاهي ومراكز التسوق في مختلف انحاء العالم حيث عندما تشحن لمدة نصف ساعة سيكفيها ذلك للسير مسافة اكثر من 250 كيلومتراً، كما يمكنها السير بسرعات تبلغ حوالي 250 كلم/الساعة. ونتيجة لهذه الميزات فإن التقارير الاقتصادية العالمية تشير إلى توقعات بتحول جميع شركات تصنيع السيارات العالمية من تصنيع السيارات التي تسير بالوقود السائل الى السيارات الكهربائية فقط، ويتوقعون حصول التغير الكامل بحدود عام 2025  لعدم رغبة الناس في المستقبل بشراء السيارات العاملة بالوقود السائل لارتفاع كلفة تشغيلها (لمن يريد الاطلاع يمكنه مراجعة الكثير من التقارير الاقتصادية العالمية بهذا الشأن، كتقرير صحيفة التلغراف البريطانية:
 http://www.telegraph.co.uk/business/2017/05/14/petrol-cars-will-vanish-2025-says-us-report/
يشبّه المحللون الاقتصاديون من سيشتري سيارة تعمل بالوقود السائل عام 2025 كمن يشتري في يومنا الحالي كاميرا كوداك تصوّر على افلام مرحلة القرن العشرين.
ما هو انعكاس هذا الواقع العالمي على استهلاك النفط وأسعاره؟
المعروف عالمياً أن حوالي نسبة 68٪ من النفط المنتج في العالم يستهلك كوقود للسيارات، ومعنى هذا توقع هبوط استهلاك النفط عالمياً بحدود عام 2025 الى أقل من 50٪ مما يستهلك من النفط في يومنا الحالي، ومعنى هذا أيضاً توقع هبوط اسعار النفط بشكل كبير حيث تشير التوقعات العالمية الى السعر المستقبلي الذي يمكن أن يتراوح بين 15 و25 دولاراً للبرميل الواحد.
كيف سيكون الوضع الاقتصادي للعراق في المستقبل القريب؟
بسبب قلة تصدير كميات النفط العراقي الى النصف نتيجة لقلة الطلب العالمي فضلاً عن هبوط اسعار النفط الى النصف أو الى الثلث من سعره في يومنا الحالي، فستتقلص الموارد النفطية بشكل كبير، وسوف لن تكفي موارد النفط لدفع ربع معاشات العاملين في القطاع الحكومي؛ ومهما كانت الزيادة في الضرائب والرسوم فلن تقدر على تغطية هذا النقص الكبير، كما ستتوقف عجلة الاستثمار والتعمير بشكل كامل.
فضلاً عن كل ذلك سيتم انهاء بناء سد اليسو في تركيا وتعبئته خلال فترة لا تتجاوز السنتين، وستتقلص عندها مياه نهر دجلة بشكل كبير وستزداد ملوحته بشكل كبير أيضاً وهذا مما يفاقم الأمر، لذلك يخشى بشكل كبير نتيجة لهذا الواقع أن ينهار البلد بشكل كامل في المستقبل القريب إن تُركت الأمور على عواهنها.
فما هو الحل؟
التقارير العالمية تشير الى استقرار اسعار النفط بل حتى امكانية صعودها جزئياً حتى عام 2021 - 2022 اي أربع الى خمس سنوات من الآن وبعدها ستهبط اسعار النفط بشكل فجائي وسيهبط الاستهلاك بشكل متسارع.
عندما كنتُ وزيراً للاتصالات قدمتُ دراسة متكاملة عام 2011 لرئيس الوزراء نوري المالكي وارسلت نسخاً منها للأمانة العامة لمجلس الوزراء وجميع المحافظين في جميع المحافظات لتطوير القطاع الخاص واستقطاب الشباب والخريجين للعمل ضمن مشاريعهم الخاصة وعدم الاعتماد على موارد النفط، واهتم رئيس الوزراء بالدراسة، وتلقيتُ عدة تعليقات من جهات عدة، لكنها اهملت ولم يطبق شيء منها غير توفير القروض الميسرة للقطاعين الصناعي والزراعي من قبل البنك المركزي عام 2015، لكن ذلك لن يكون فعّالاً ويحقق نهضة حقيقية للبلد إن لم يكن ضمن مخطط متكامل طرحته في دراستي الآنفة الذكر.
 واتفقتُ في عام 2012 مع شركة (Booz Allen) الاستشارية العالمية لعمل دراسة متكاملة لتطوير وزارة الاتصالات وتشخيص مكامن الضعف وتحويلها إلى مؤسسة ربحية مساهمة كقطاع مختلط تكون مثالاً يحتذى به من قبل باقي الوزارات، ومنح العاملين فيها أسهماً للعمل بجد واخلاص، وبيع قسم من الأسهم للمواطنين بأسعار زهيدة ليستفيد منها المواطن العادي؛ وبادرت بطرح الكثير من المشاريع الريادية التي تحقق أرباحاً كبيرة ونهضة للبلد، كمشروع التعليم الريادي، ومشروع الطب من على بعد، ومشروع المدينة الذكية، ومشروع الكابل المحوري الذي يربط بين أوربا وشرق الكرة الارضية ويدر أرباحاً كبيرة على البلد، ومشروع بوابات النفاذ الذي أخذ يدر ربحاً على الوزارة يتجاوز الستين مليون دولار سنوياً، ومشروع مراكز المعلومات المهم والأساسي في بغداد وعدّة محافظات أخرى، فضلاً عن المشروع الأمني لأمن بغداد وأمن الحدود العراقية السورية، ولكن كل هذه الخطط أهملت بعد تركي الوزارة، فمثل هذه الخطط لا تحقق للمسؤولين عن الوزارة فوائد خاصة لهم، فهمّهم الأساس هو الفساد لتحقيق مصالحهم الشخصية.
 وقد قمتُ في أكثر من برنامج تلفزيوني في نهاية عام 2013 وبداية عام 2014 بالتنبيه لزيادة الانتاج العالمي للنفط على الاستهلاك العالمي والذي معناه هبوط اسعار النفط، اعتماداً على تقارير البنك الدولي وتقارير عالمية أخرى؛ وهبطت بالفعل اسعار النفط في أواسط عام 2014 كما تم ذكره في هذه التقارير العالمية، ولكن هل كان يوجد من يشعر بالمسؤولية من الحكام في ذلك الوقت فيتحرك لوضع سياسة اقتصادية لتنويع مصادر الدخل لتقليل الاعتماد على النفط، بل وضع خطة عملية وفعّالة لبناء اقتصاد متين لا يعتمد على النفط كما هو حال الكثير من دول العالم التي لا تمتلك النفط؟ استطيع أن أقول بكل ثقة، إن هذا الأمر كان يمكن تحقيقه بشكل كامل لو توفرت النية الحقيقية والأخلاص والكفاءة وخطة اقتصادية مدروسة وممكنة التطبيق!!
لقد طرحتُ حلولاً في عدّة برامج تلفزيونية ومقالات عديدة نشرتها في الإعلام في 2015 و2016 لكيفية وضع سياسة نقدية سليمة لتقليص القروض، ولكن لم يكن هناك احساس بالمسؤولية ممن هم في موقع المسؤولية، فبلغت الديون على العراق حتى يومنا الحالي نحو 120 مليار دولار، حيث استدانت الحكومة العراقية أكثر من 60 مليار دولار للسنين 2015 و2016 و2017، والآن ستستدين أكثر من 20 مليار دولار لعام 2018، فكيف سنسدد هذه القروض وفوائدها؟!. هناك بعض المدافعين الذين يزعمون أننا سنسدد هذه الديون من صعود أسعار النفط العالمية! هذه المقولات هي مجرد خيالات، وللأسف حديثي في وادٍ ومن بيدهم مقاليد الأمور في وادٍ آخر.
والآن فإنني احذر من مستقبل اقتصادي خطير ومخيف لبلدنا، أخطر من جميع ما مررنا به سابقاً، وهذا ليس تحليلي الخاص، بل هو لدراسات اقتصادية عالمية؛ ومع ذلك ما زال أمامنا أربع إلى خمس سنوات على أبعد الحدود لوضع سياسة اقتصادية لتنويع مصادر الدخل وعدم الاعتماد على موارد النفط فقط، للنهوض بالبلد صناعياً وزراعياً وجميع الحقول الإنتاجية الأخرى وهي كثيرة ويمكن أن تدر دخلاً يعوض العجز في الموازنة بكل سهولة مع وجوب احداث نهضة في القطاع الخاص وتطويره وفتح ابواب الاستثمار الخارجي على مصراعيه؛ لكن ما أخشاه هو ليس وجود سياسة اقتصادية  خاطئة وغير صحيحة للبلد، بل هو للأسف عدم وجود أيّ سياسة اقتصادية لدى الحكومة، فالمتصدون للوضع الاقتصادي لا يفقهون ماذا يحصل في العالم وما هي التوقعات الاقتصادية المستقبلية؛ بل لعلهم لا يفقهون حتى معنى أو تعريف عبارة (السياسة الاقتصادية)، فلم نسمع منهم الملامح والخطط والأهداف المطلوب تحقيقها لرسم سياسة اقتصادية سليمة وصحيحة للنهوض بالبلد لإخراجه من مستنقع الأزمات الاقتصادية التي تعصف به اليوم ولإنقاذه من مستقبل مجهول وخطير أخطر بكثير من الواقع الاقتصادي المتردي الذي نعيشه اليوم. وأستطيع أن أقول بكل ثقة إنها ستكون فرصتنا الأخيرة لإنقاذ بلدنا من انهيار محتّم.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون