آراء وافكار
2017/10/15 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1157   -   العدد(4041)
الحرية حالة اجتماعية
الحرية حالة اجتماعية


 د. لاهاي عبد الحسين

يتأسى العراقيون على ما آلت إليه أوضاعهم ويجهدون أنفسهم للتأمل في أسباب تخلفهم وتراجعهم في مختلف الميادين ويتذكرون بحسرة وألم أسماء عظيمة سبق وأنْ برزت فيهم لتمنحهم فرصة للتباهي والكبرياء بفضل ما أنجزته في مختلف ميادين المعرفة والإنتاج العلمي والفني والأدبي والثقافي. وما أنْ يتوفى الموت أحداً من الأسماء الكبيرة والمحترمة حتى ترتفع الأصوات لتنعى جيل العمالقة والقامات التي يعتقد أنّها لن تتكرر وكأنّ الأمة بلغت مرحلة العقم النهائي والتام فلا من خلف لخير سلف. وها نحن نستمر في أنْ نزف في كل يوم عريساً إلى مثواه الأخير لا يبقى منه غير مآثر صارت في عداد ملفات الماضي العتيق. مما لا شك فيه لعبت السياسة ومن تقدم ركبها في بلادنا دوراً سيئاً في الإجهاز على الكثير من الكفاءات التي تساقطت كما تتساقط الشهب في هذا الكون الفسيح بطرق متعددة لم يكن الموت إلا واحداً منها. فقد دأبت رحى النسيان والشيخوخة والمرض أو خيار العزلة المفروضة ذاتياً لتفعل فعلها. وأثبت الزمن والتجربة أنّه يكفي تماماً لنظام سياسي واحد يتسم بأحادية النظرة والتصور أنْ يقتل ويحجم أو في الأقل يُسكت الكثيرين وهذا ما حدث في العراق بلا جدال عبر الأربعين سنة الأخيرة حتى عام 2003. كان من الطبيعي أنْ نتطلع إلى واقع مختلف بعد التغيير معتقدين أننا نقف على أعتاب نهضة لا عودة فيها إلى الوراء، إلا أنّ خيبات الأمل أبت إلا أنْ تعترض طريق آمالنا الوردية والكبيرة. فقد دخلت البلاد في أتون نظام سياسي تحكمه قوى تكاد تخلو ممن يتفق فيها مع بعضه ليس فقط على مستوى الكتل والجماعات، وإنّما حتى على مستوى الأعضاء المنفردين في هيئات مصغرة يفترض أنْ تكون متوافقة ومنسجمة بدرجة عالية. خذْ على سبيل المثال أنّ وسائل الإعلام تنقل أخباراً عن تمرد نواب رئيس الجمهورية على رئيسهم فيما يعبر نائب رئيس مجلس النواب الشيخ همام حمودي عن استغرابه لقيام رئيس المجلس السيد سليم الجبوري بزيارة إقليم كردستان دون إعلام هيئة الرئاسة وهكذا دواليك. من جانب آخر، لعبت معارك تحرير المدن في الأنبار ونينوى وأجزاء من كركوك والتضحيات العظيمة التي قدمت فيها دوراً مهماً في المحافظة على مستويات عالية من التوتر والقلق المجتمعي. وكانت النتيجة أنْ تمّ إرجاء عرس النهضة الذي طال أمد انتظاره. المشكلة أننّا أولينا الحرية السياسية جلّ اهتمامنا فيما يكمن جذر المشكلة في الحرية الاجتماعية التي تمثل الأساس الذي تنمو فيه وبرعايته كل أنواع الحريات الأخرى. يُعنى بالحرية الاجتماعية أنْ نتحرر من نمط التفكير التقليدي سياسياً كان أم دينياً أم مذهبياً أم عشائرياً أم مناطقياً وبمثله أنْ نتحرر من القيم والعادات السائدة الملحقة به من حيث أنّ السائد لم يأت طوعاً وخياراً بل جاء في الغالب عنوة وقسراً. متى ما تحرر المجتمع من مقيدات التفكير والسلوك التي تفرض أنماطاً محددة في التعبير والمظهر فإنّه سينهض لا محالة. هذه أمور ليست عديمة الأهمية كما قد يعتقد والأهم أنّها لا تتحقق من خلال ثورة فردية بل من خلال ثورة اجتماعية تؤمن الدعم والتآزر للمتضامنين السائرين في طريق البحث عن الحقيقة. يذكر أنّه شاعت في فترة زمنية معينة قبل 2003 فكرة التأسيس لصندوق شكاوى المواطنين ولوحات التعبير عن حرية الرأي أطلق عليها إسم "الجدار الحر". وصدرت التعليمات الرسمية للشروع بتطبيق الفكرة من خلال تعليقهما في مكان بارز ومتاح لعموم المشتغلين والمراجعين للمؤسسة سواء كانت دائرة عمل أو مدرسة أو جامعة أو مؤسسة ثقافية من نوع ما. إلا أنّ تلكم المبادرات سرعان ما فشلت بسبب عدم تهيئة المستلزمات المادية المنظمة لتمكينهما من تحقيق الهدف الذي صممتا من أجله على مستوى معالجة شكاوى المواطنين التي تطلب الكثير منها إجراء تغييرات أو تعديلات في صلب النظام البيروقراطي القائم أو نوعية أداء المسؤول المثقل بأكثر من واجب ووظيفة ومهمة. أما لوحات الجدار الحر للتعبير عن الرأي فلم تعمر طويلاً بسبب تمكن البعض من نشر مقالات أو قصائد محرجة للنظام، فكان أنْ أستبدلت بجهود متواطئة جاءت بقصائد بائسة وخطابات تعبوية مباشرة لم تحظ حتى باهتمام راعي المؤسسة فكان أنْ رفعت فيما أقتلع صندوق الشكاوى من قاعدته الأصلية. تشير مبادرات من هذا النوع إلى توفر الرغبة المجردة في التغيير والتطوير إلا إنّ الافتقار إلى الثقافة الاجتماعية واسعة الانتشار في المجتمع حالت دون نجاحها. فالثقافة التي تقوم على قيم التكتم والحياء في غير موضعه والتراجع عن التفكر والمحاججة على اعتبار أنّها تطاول وتعبير عن الصلف لن تؤدي إلى التغيير. ثقافة تحث على الصبر والقناعة والصمت والتغاضي والستر والتحمل، ولكنّها في الوقت نفسه لا تخفي ميولها العدوانية الثأرية والانتقامية من خلال التشجيع على العنف والتغالب والرد على الاعتداء بمثله أو أكثر منه وعدم التسامح والغفران وفق قاعدة "كي لا ننسى". ثقافة مثل هذه لن تنجح في رعاية مبادرات المصالحة والوئام بين مختلف الجماعات المتصارعة أو المتخاصمة، في أقل تقدير. لطالما قتل التكتم والتحفظ وحجب المظالم عن السلطات التي تروم تسييد العدالة افتراضاً الكثير من الطاقات والإمكانات وفي أحسن الأحوال ساهم في الحد من هذه الطاقات والإمكانات وتحجيمها.
يردد البعض فكرة مفادها أنّ "الحرية" تعد أحد أبرز ما تم تحقيقه في العراق بعد 2003 بدليل أنّ الناس يكتبون ويتكلمون وينشرون ولا يواجهون إلا قدراً محدوداً من المشاكسة والتضييق. أو أنّه لم يكن مسموحاً لهم بالكلام والتعبير عن الرأي في الماضي في حين صاروا يفعلون غير ذلك اليوم. وهذه بالحقيقة مقولة سطحية جداً لأنّها تسلط الضوء على أكثر جوانب الحرية كقيمة عليا وهدف إنساني نبيل، هشاشة. فالحرية التي لا تنظم بقنوات ولا تمارس في قاعات الدرس والمحاضرة ولا تجد من يهتم بها إجرائياً لتستخدم لأغراض وضع معالجات حقيقية وملموسة لحالات الصمم والعمى السياسي على المستويين التنفيذي والتشريعي لا تزيد على أنْ تكون تعبيراً عن انفلات وفوضى تترك أثاراً مقلقة على الصحة الاجتماعية والنفسية للأشخاص من المواطنين. ولعلّ الأخطر أنْ تتحول في اللحظة التاريخية الحاسمة إلى هياج جماهيري لا يرحم طرفاً. فقط الثقافة الاجتماعية المحصنة بالرأي واحترام الرأي الآخر والمتعايشة مع النقد البناء وإن كان حاداً تستطيع محاصرة العنف وتقبض على الإرهاب من حيث أنّ أبشع التجاوزات على وحدة ومتانة البيت العراقي تبدأ بفكرة.
لعلَّ أسوأ الأخطاء التاريخية لتي ارتكبناها مجتمعين، كمواطنين، مثقفين وغير مثقفين وعلى مدى عقود متتالية من الزمن، بصورة مباشرة أو غير مباشرة أننّا تركنا لأنظمة سياسية عسكراتية النزعة والتكوين أنْ تمسك بزمام الأمور من خلال السماح لها بالتقافز على السلطة. وكانت إحدى النتائج السلبية لهذا التسليم لجماعات القفز على السلطة أنْ عومل المجتمع كما لو أنّه فرد قاصر لا يجيد إدارة أموره بنفسه. فكرة استعمارية أجنبية بامتياز تمّ تبنيها بقوة من قبل الأنظمة "الوطنية" التي عملت بأدوات داخلية عشية ظهور حركات التحرر الوطني والقومي من القوى الاستعمارية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي. بالمقابل يشير تاريخ التحول الأوروبي نحو الحداثة وما بعد الحداثة إلى أنّ الثورات العظيمة كالثورة الفرنسية وفيما بعد بحوالي التسعين عاماً الثورة الأمريكية أنّهما حدثتا بعد أنْ تغلغلت قيم وأفكار حركة التنوير في ثنايا المجتمعات الأوروبية والأمريكية. لقد أخطأنا بالتأكيد عندما سمحنا لفكرة "التوكل" على قوى ادعت القدرة على تحمل المسؤولية الوطنية في أنْ تغمرنا برحمتها وتركنا مهمة الثورة على الظلم والتفاوت الطبقي وانعدام العدالة الاجتماعية إلى هذا النفر القليل من المولعين بتغيير النظام السياسي من أصحاب البرامج الانقلابية المعدّة بعجالة للاستيلاء على السلطة لينتهوا إلى الانهماك في تحقيق المآرب الذاتية والعائلية والعشائرية والدينية والمذهبية والعرقية بدرجات متفاوتة حسب مستوى القناعة والرغبة الشخصية للقائد الهمام، أياً كان إسمه أو عنوانه.
وعليه، يواجه المثقفون العراقيون بكل توجهاتهم من أكاديميين وباحثين ومختصين وصحافيين وفنانين وأدباء بل وحتى القرّاء الجادين، مهمة المساهمة برفع مستويات الوعي وتعميق الشعور بالمسؤولية الجماعية بهدف التأسيس لمجتمع يلد المتفوقين والمتميزين ويرعاهم لا أنْ يكتفي بتشييع الأبرز والأعز منهم ويتقيأ الفاسدين والمتماهين مع الظواهر المرضية كالغش والتزوير والرشى وكل أشكال الامتهان للطموحات والآمال المشروعة لعموم المواطنين بالتقدم والازدهار على مستوى الحياة اليومية من أمان وعمل وصحة وتعليم وما إليها. وهذه بحد ذاتها مهمة ليست باليسيرة ولكنّها يمكن أنْ تبدأ من نقطة ما.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون