آراء وافكار
2017/10/16 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1004   -   العدد(4042)
جذور ومفعلات الفكر السلفي الجهادي


 حسين جاسم الخزاعي

لايزال الفكر السلفي الجهادي يحتل مساحة ليست بالقليلة في عموم الوجود الإسلامي، ويمتلك التأثير الفاعل في عقول المسلمين، وبالخصوص في الشباب المسلم السنّي، ولديه القدرة في دفعهم للعمل الميداني الجهادي. ولم تكن تلك القدرة والقابلية لتتأتى دون تفعيل الجذور التأريخية والأصول الفكرية من قبل المنظّرين والدعاة المعاصرين وجعلها المادة الأساسية للتغذية الفكرية للكسب وإلهاب الحماس للشباب السنّي.

ولغرض الوقوف على أسباب  ظهور هذا الفكر في زمننا الحالي وتأثيره، كان لابد من تحديد أهم جذوره، وكذلك ماهي المفعلات التي تحيي جذوره وتشعل جذوته وتجعله فكراً فاعلاً مؤثراً في عالمنا ومنتجاً للعمليات الإرهابية، وكذلك أسباب توسعها وانتشارها بهذا الحجم الهائل.
جذور السلفية الجهادية :
تتضح الأسباب والجذور للحركات السلفية الجهادية من خلال شروح ودعوات منظّريه ودُعاته التي تبثّ من خلال مواقعهم الإعلامية وتبليغاتهم الدعوية.
يمكن القول إنه يصحُّ تسمية جذور السلفية الجهادية بأنها جذور تأريخية الأصول وممكن أن تنقسم الى قسمين:
1. النصوص الإسلامية المقدّسة المؤولة: وهي بالتأكيد النصّ القرآني وتفسيره المؤول، والحديث  (السنّة) وتفسيرها المؤول .
2. الحوادث والشواهد والشخصيات التأريخية: وهي جميع الحوادث التأريخية التي مرّت بالتاريخ الاسلامي والتي يستشهد بها المنظّرون على صحة منهجهم، وكذلك الشخصيات التي مارست أو أنشأت الفكر التكفيري من خلال تأريخها وكتبها وأفكارها المبثوثة في ثنايا التأريخ الاسلامي والحوادث التي رافقت حياتهم ومن خلالها مررواً بآرائهم والتي اصبحت منهجاً وشرعةً للمعاصرين، ومن تلك الشخصيات هم الخوارج وحادثتهم الشهيرة في زمن علي بن ابي طالب، واحمد بن حنبل وحادثة خلق القرآن مع المعتزلة وتكفيرهم، واحمد بن تيمية وحادثة المغول وحكم مدينة ماردين وحكم أرض الردة وأرض الإسلام، وأفكار تلميذه ابن قيم الجوزية.. وغيرها من الأحداث.
مثّل هذان الأمران جذراً راسخاً في التأريخ الاسلامي، وأخذ مساحةً وحيزاً في جسمه صعب إزالته رغم المواجهات الفكرية التي وجُهت نحوه من قبل علماء المسلمين بتعدد مشاربهم ومذاهبهم وفرقهم سنّة وشيعة.. وغيرهم، وهذا الجذر برع كثيراً في ترسيخ مبدأ التكفير، وامتاز بالإقصاء والتهميش والتكفير للآخر بشكل ملفت.
واجه العلماء الإسلاميون المتنورون ذلك الجذر بشكل كبير، واستطاعوا في أحايين كثيرة من التأريخ الاسلامي الحدَّ من هذا الفكر وقمعه، ولكن لفترات محددة، وليس على النحو الدائم. وترى بوضوح أن هذا الفكر يظهر في أزمان متباعدة محدثاً أزمات وشروخاً عميقة في الجسد الإسلامي، مولداً الفتن والحروب وخلق تيارات حادّة المزاج ومنفعلة التصرفات تقود المسلمين والعالم الى أزمات وحروب ومذابح باسم التكفير ومحاربة المرتد والصليبي والرافضي وباسم الجهاد في سبيل الله ورفع كلمته.
المفعلات :
إن بروز هذا الجذر بين الآونة والأخرى، كالسلفية الجهادية، لم يكن ليظهر دون مفعلات جديدة معاصرة تُعيد استنباطه من التأريخ  وتدعمه وتفعّله لأسباب عقائدية أو سياسية. أما طرق التفعيل فهي تكون بطريقتين:
1. المدارس والمناهج الحديثة:
فقد مثّلت ولغاية الآن، المدارس وعلى رأسها مدارس دعوة محمد عبد الوهاب، أهمّ مفعلات الفكر السلفي الجهادي، فقد أحيت دعوة محمد عبد الوهاب في جزيرة العرب، وبدعم من ابن سعود، الجذر التأريخي للفكر التكفيري، وقامت بتأويله ليخدم أغراضها العقائدية والسياسية.
كما مثّلت فروع المدرسة الوهابية وطريقة تفكيرها الكثير من المدارس والمناهج في باقي أصقاع العالم الإسلامي كالديوبندية في باكستان، والمدارس في شرق آسيا وإفريقيا وغيرها.
وتمثّل الجامعات السعودية التي تدرس العلم والحديث، كجامعة الملك فهد والمدينة المنورة، أهمّ مؤسسات إحياء للجذر التأريخي للتكفير، والذي انتج بعد تزاوجه مع الإخوانية القطبية، مايعرف الآن بالفكر السلفي الجهادي، والذي انتج الحركات التكفيرية المسلحة كالقاعدة وداعش وأخواتها، ولاتزال تلك المدارس والمناهج تحيي الجذر التأريخي المؤول للنصوص، وتحيي استذكار الحوادث والشواهد التأريخية للفكر التكفيري.
2. التوظيف واللاعب الدولي :
من الملاحظ أن هناك الكثير من الدول والمنظمات الدولية وغير الدولية في الوقت الحاضر، أخذت تسعى لتحقيق غايتها وأهدافها الحيوية والجيوبولتيكية، بواسطة طرف ثالث دون الحاجة لأن تمارس هي الدور بشكل مباشر، فهي تقوم بتوظيف الحركات والجهات الفعّالة والمسلّحة منها للقيام بأدوار تحقق مصالح تلك الدول، وهو مايعبر عنه بحروب الجيل الرابع أو الحرب بالوكالة .
ولقد كان للحركات السلفية الجهادية الدور الأكبر في القيام بالحرب بالوكالة أو التوظيف من دول عظمى وإقليمية والأمثلة على ذلك كثيرة ومطردة. كتوظيف امريكا والسعودية وباكستان للقاعدة وطالبان والمجاهدين الافغان لقتال الروس عام 1980، وتوظيف قطر  للجهاديين في ليبيا وسوريا، وتوظيف تركيا للجهاديين وداعش في سوريا وكذلك إيران وتوظيفها لحزب الله والفصائل الشيعية في الشرق الأوسط.إن أيّ ستراتيجية ترسم لمواجهة الحركات السلفية الجهادية سيكتب لها الفشل، إذا تضع نصب عينها السياسات والبرامج الكفيلة بمواجهة الجذور والمفعلات، أي الأسباب التأريخية والمعاصرة لظهور تلك الحركات.من الممكن أن تكون معالجة الجذورالتأريخية مهمة صعبة جداً، لأنها ببساطة راسخة رسوخاً قوياً في عمق التأريخ وضمن الكتب، واختلطت مع المراجع التأريخية وأصبحت جزءاً منه، وإن مواجهتها من خلال إعادة كتابة التأريخ أو قراءته هي مهمة شبه مستحيلة ، بل ممكن من خلال الجهود العلمية الحدّ من تأثيرها بشكل نسبي قليل، واكبر دليل على ذلك الجهود التأريخية التي نسمع عنها ونقرأها ونحضر بعضها والتي بمجموعها لم تمنع من ظهور تلك الحركات.
لكن من الممكن جداً مواجهة المفعلات المعاصرة، وهي المناهج المعاصرة والتوظيف، لأنها ببساطة، هدف موجود واضح المعالم بالإمكان استهدافه والحدّ منه، فلابد من أن يتحد العالم ويواجه تلك المناهج والمدارس والجامعات والمؤسسات الإعلامية التي تحيي الجذور التأريخية بشكل دائم ومستمر من خلال العمل على حظرها وتحفيز البلدان التي تبثّ منها المناهج على محاربتها وإزالتها من الوجود الإنساني ومنعها من اجترار التأريخ التكفيري ونشره بين أوساط الشباب.
كما يمكن للعالم المتحضر والذي يمتلك مجلس أمن ووسائل للعقوبات، أن يقف بوجه الموظفين واللاعبين الدوليين الذين يستخدمون تلك الحركات في تحقيق أهدافهم العقائدية أو السياسية.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون