المزيد...
عام
2017/10/16 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 400   -   العدد(4042)
النساء والرواية التأريخية
النساء والرواية التأريخية


ترجمة: عادل العامل

أدلت الكاتبة الانكليزية هيلاري مانتل، الفائزة بجائزة البوكر مرتين لاستكشافاتها القصصية المفصلة لبلاط هنري الثامن، بملاحظة مؤخراً مفادها، أن النساء الكاتبات لا يستطعن مقاومة الرغبة في تعزيز مكانة نساء الماضي في الأدب القصصي التأريخي من خلال إعادة الكتابة عن هؤلاء. وهي تقدم لنا خياراً زائفاً: "إذا كتبنا عن ضحايا التأريخ، فهل نحن نعزز وضعهم عن طريق التفصيل فيه؟ أم سنعيد عمل التاريخ بحيث يكون الضحايا هم الفائزون؟
إن الأدب القصصي التاريخي، تقول الكاتبة غرير ماكاليستر في مقالها هذا، يطرح فرصاً وتحدياتٍ فريدة. فكتابة رواية تاريخية تتطلب نفس الأمور التي تتطلبها كتابة رواية معاصرة ــ الذكاء، تكريس النفس، البحث، نفحة من التفاؤل الطائش ــ إضافةً لالتزام رائع المزاج بعدم خيانة العوامل "التاريخية" من أجل عوامل يلائمها بشكل أفضل تصنيف "أدب قصصي".
وتضيف كتابة أدب قصصي تاريخي انثوي طبقةً أخرى من التعقيد. فأيِّ رواية تأريخية جديرة بملحها عليها أن تتوجه إلى  توقعات نساء المجتمع وقت إعدادها. فتركز بعض المؤلفات على النساء العاديات، وبعضهن على النساء الاستثنائيات؛ ويختار كلاهما تقديم إمكانات لا حصر لها من أجل الدفع بوجهات النظر الأنثوية أو التناقض معها. لكن معرفة الفترة الزمنية للواحدة أمر أساس، بصرف النظر عمّن تكون. والرواية التاريخية التي تقوم فيها النساء بأدوار أساسية لا يتردد لها صدىً ما لم يستطع المؤلف أن يصور بإخلاص وصدق النساء العاديات، والرجال العاديين، في ذلك الزمن.
إن تخفيض إمكانات الأدب القصصي التاريخي إلى خيارين فقط، كما تفعل مانتل، يمثل إخفاقاً في الخيال. والخبر الطيب هنا أن خيالات الكثير من الكتّاب، النساء والرجال على حدٍ سواء، أهلٌ لمهمة سرد قصص تجري أحداثها في الماضي وتتّسم بالإخلاص والأنثوية معاً.
هل كان على أيمي ستيوارت أن "تعزز على نحوٍ استعادي" من شخصية كونستانس كوب لتجعل منها رائدة تنفيذ القانون، وعيَّنتها نائبة العمدة الأنثى الأولى بمقاطعة بيرجين عام 1915؟ ليس قليلاً. وقضايا كوب هذه موثقة جيداً في الصحف آنذاك، وقد حولت ستيوارت قصصها إلى ثلاث روايات أيضاً: (فتاة تنتظر مع بندقية)، (السيدة كوب تثير المشاكل)، و(اعترافات منتصف ليل الآنسة كوب). وقد اقتبس مراسل صحفي من كوب قولها "تفضّل بعض النساء البقاء في البيت والعناية به. وهناك أخريات يرغبن في القيام بشيءٍ ما يأخذهن خارجاً وسط الناس والأمور العامة. وينبغي أن يكون للمرأة الحق في القيام بأيّ نوع من الأعمال، بشرط أنها تستطيع فعل ذلك".
لقد كانت ستيوارت كاتبة غير قصصية قبل أن تكون روائية، وتلتصق بالحقائق المعروفة مع رواياتها، لكن ذلك بعيد عن كونها المقاربة الوحيدة. فعلى الطرف الأكثر قصصيةً من الطيف هناك رواية كيت كوين الجديدة، (شبكة أليس The Alice Network). ولبّها التأريخي هو الحياة الواقعية لحلقة تجسس في الحرب العالمية الأولى تديرها وتكوّنها نساء، وتسمى باسم قائدتها، التي كان اسمها الشفري أليس دوبويس. وتمزج كوين هنا قصة الحرب مع إطار زمني ثانٍ، وركّز هذا على بطلة صامتة خيالية تبحث عن ابنة عم مفقودة. ويقدم كتاب كوين طريقة مسلية للكيفية التي يُفحص بها استدعاء النساء، العاديات والاستثنائيات، للتصرف في العالم خلال فترة الحرب.    
وبطبيعة الحال، فإن الروايات التاريخية التي من الأسهل تمييزها بكونها نسوية هي تلك المكتوبة عن نساء كافحن بوضوح من أجل حقوق النساء وقضايا النساء، مثل (الفضيلة الرهيبة)، لألين فيلدمان عن رائدة الحقوق الإنجابية مارغريت سَينَر. وبالمثل، فإن روايات تركز على النساء القريبات من رجال مشهورين ــ (عاشقة رودان) من تأليف هيثَر ويب، أو (آينشتاين الآخر) لماري بينيديكت  ــ تؤكد أنه في عالمٍ أكثر عدلاً ستكون هذه الشخصيات النسوية الأقل شهرةً مشهورةً كشركائها الرجال الأفضل شهرة. ويستطيع كتّاب السيرة أن يطرحوا هذه الحجج أيضاً، لكن الأدب القصصي يضعنا هناك في لحظتها، نتنفس، ونبكي، ونبتهج، مع هؤلاء النساء.   
وإذا عدنا قليلاً إلى هيلاري مانتل، فإنها ليست مع "الكاتبات الأناث اللواتي يرغبن في الكتابة عن نساء في الماضي، بمعنى أن الكتّاب الذكور ربما متحررون من "الصعوبة الدائمة" في أن يرغبوا في تأليف شخصيات نسوية ذوات قوة وفعل. لكن من الصعب التفكير بكتاب يتناول دور بطلته بشكلٍ أكثر صدقاً من (ملكة الليل) لألكسندر تشي، الذي يمكن القول إنه كتاب ممتع، وتراجيدي، ودراماتيكي، وسار جداً، لكنه لا يفقد أبداً إدراكه الحاذق بأن بطلته الاستثنائية ليليت بيرن، مغنية الأوبرا، تعمل ضمن قيود عالم الرجال. ويتغير مصيرها عند كل منعطف بقرارات الرجال، وهِبات الرجال، وحروب الرجال.   
وليليت بيرن هذه من وحي مغنيية أوبرا من الحياة الواقعية، جيني ليند، المعروفة بـ "العندليب السويدي"؛ فليليت بيرن قصة خيالية. لكن هذا هو ما تفعله أفضل الروايات التاريخية ــ تدمج الحقيقة بالخيال بطريقة تدفع بنا داخل عالم الماضي وتُعرّفنا بتجربتنا المتعلقة بالحاضر.
ويمكن اعتبار الشخصيات أعلاه نساء استثنائيات في وقتهن ــ ويمكن للروايات التأريخية أن تركز أيضاً على نساء عاديات من دون النزول بهن، كما ترى مانتل، إلى "ضحايا". وفعل التركيز ذاته على قصة امرأة، ومنحها نفس الاحترام والانتباه الذي تحظى به قصص الرجال تقليدياً، يمكن أن يكون نسوياً. فنساء الماضي البعيد لا يمكن أن يظهرن اليوم إلا في صور فوتوغرافية ذات طابع بني داكن، لكن حين كنَّ في الحياة، كنّ يعشن بألوان كاملة. ويمكن للأدب القصصي التاريخي والنسوية أن يعملا يداً بيد، ويمكن للروايات في الواقع أن تكون أفضل آلية توزيع لقصص معينة. ويصبح السؤال عندئذٍ ليس عما إذا كان الأدب القصصي التاريخي نسوياً أو كيف يكون هكذا، وإنما أي رواية تاريخية نسوية ستختار لتقرأها وتوصي بها لغيرك من بعد ذلك.
 عن: The millions



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون