آراء وافكار
2017/10/18 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 613   -   العدد(4044)
قضية للمناقشة: حوار الأديان وتجديدها
قضية للمناقشة: حوار الأديان وتجديدها


 فريدة النقاش

في مبادرة مشكورة لإضافة دور ثقافي تنويري للمؤسسات الكبيرة نظّم الزميل "عزت إبراهيم" رئيس تحرير جريدة الأهرام ويكلي "عرضاً لفيلم درامي- وثائقي بعنوان "السلطان والقديس" من تأليف وإخراج "الكسندر كرونيمر" وإنتاج مؤسسة "يونيتي برودكشن" الأمريكية غير الربحية.
واختارصانع الفيلم مرحلة منسية من تاريخ غزوات الفرنجة للبلدان العربية في القرون الوسطى، وهي الغزوات التي وصفها الغزاة بالحروب الصليبية، ولكن العرب والمسلمين لم يستخدموا هذا الوصف بل قالوا إنها حروب الفرنجة، بل إن قطاعاً كبيراً من المسيحيين العرب شاركوا في صدّ هذه الهجمات على بلدانهم، وهو ما لم يذكره الفيلم، كما أنه ضاع من الذاكرة القومية.
اختار صانع الفيلم أن يحكي لنا عن العلاقة الوثيقة والتفاعلية بين قسيس ايطالي هو "فرانسيس الاسيزي" والملك "الكامل" ملك مصر سنة 1219 حين جرى حصار مدينة دمياط، وهو الحصار الذي انتهى بهزيمة الغزو فيما بعد.
كان القديس "الاسيزي" الذي قيل أن بابا "الفاتيكان" فرانسيس قد اختار اسمه بعد أن صعد إلى الكرسي البابوي، كان هذا القديس داعية سلام وتآخ بين الشعوب أياً ما كانت دياناتها أو معتقداتها، كذلك كان الملك "الكامل" الذي قاد جيشه لمقاومة الغزو ودعا للسلام والتعايش في نفس الوقت، ومارس القيم التي آمن بها، قد علمته أمه - التي لعبت دوراً محورياً في تكوين ثقافته ورؤيته للعالم - أن الإسلام دين سلام وأن التعصب للعقيدة ليس من قيم المسلمين الحقيقيين، وأنه لا إكراه في الدين كما يقول القرآن الكريم. وانعكست هذه الرؤية للدين وللعالم على السلوك "المصري- الإسلامي" مع الأسرى والمهزومين وكأن الصداقة والمودّة بين القديس والسلطان قد ألقت بظلالها على العلاقة بين الشعوب.
قدم صانعو الفيلم عملهم باعتباره أول حوار للأديان في التاريخ وعيونهم على حاضر الصراع بين الديانات، وهو صراع أطلقته القوى الاستعمارية، وهي تستنزف ثروات البلدان النامية في القارات الثلاث، وتضع لهذا الاستنزاف غطاءً دينياً، تماماً كما فعل أسلافهم في حروب الفرنجة قبل ثمانية قرون. وظلت هناك صفحات منسيّة في هذا التاريخ.
يستحق هذا الفيلم أن يحظي بأوسع عرض حتى تدور حول موضوعه أوسع النقاشات، خاصة أن هناك مؤشرات ورسائل ايجابية يطلق بعضها بابا الفاتيكان بعد زيارته الناجحة لمصر، حين شارك قبل أيام في مراسيم مباركة ايقونة مسار العائلة المقدسة إلى مصر، واعتماد هذا المسار ضمن رحلات الحج المسيحي. وعلينا أن نتذكر أن العائلة المقدّسة جاءت إلى مصر كلاجئة من بطش هيرودس فاحتضنها المصريون. وتقدم هذه المباركة من البابا خدمة كبيرة للسياحة الدينية في مصر.
ولعلها أن تكون مناسبة لطرح موضوع تجديد الفكر الديني والخطاب الديني كمهمة ثقافية- سياسية أساسية للنهوض، ولوضع أهداف الموجات الثورية وفي القلب منها "دولة مدنية" موضع النقاش الجدي الذي يفضي إلي إعادة النظر في البني والأفكار والرؤي والممارسات في المؤسسات الدينية إسلامية ومسيحية، كشرط رئيس لانطلاق عملية التجديد ومواصلتها على كل المستويات.
واستعير هنا عنوان كتاب "خالد محمد خالد" المفكر الإسلامي المستنير "من هنا نبدأ"، واظن أن البداية بالتعليم هي قلب المنظومة المتكاملة لعملية التجديد التي تتضمن كلاً من الإعلام والثقافة بعامة وقاعدتها التعليم، ونتذكر مرة أخرى أن "طه حسين" حين كتب "مستقبل الثقافة في مصر" عام 1937 كان التعليم هو موضوعه الرئيس.ويحتاج التعليم العام إلى رؤية تجديدية شاملة بدءاً بإعادة النظر في دروس الدين التي طالما طالب علماء التربية بتوحيدها ليجري تدريس القيم العليا في الديانات كافة بدلاً من الجداول المستقلة التي تفصل الطلاب المسيحيين عن الطلاب المسلمين، وهو ما يعمّق الشرخ الذي أخذ يتسع في المجتمع المصري، وتراهن عليه القوى الاستعمارية المتربصة بالمنطقة مستهدفة تقسيمها على أسس دينية وطائفية وعرقية، وإفساح المجال لإسرائيل التي تعمل على اعتراف العالم بها كدولة يهودية، فضلاً عن سعيها لتصبح هي القوة الوحيدة في المنطقة، فتسيطر عليها سياسياً واقتصادياً وثقافياً.
ولن يكون بوسعنا هزيمة هذا المشروع الاستعماري التوسعي الذي أخذ يتمدد مستفيداً من كل عناصر الضعف في مجتمعات المنطقة وبخاصة من الانقسامات الدينية فيها، وهي انقسامات تتغذى على الفساد والاستبداد وتعمقها المشروعات الاستعمارية التي تعمل بدأب، وتنفذ مخططات قديمة نتعامل معها نحن أصحاب القضية بالقطعة ودون رؤية شاملة يفرض علينا الواقع الجديد أن نبلورها ونعمّمها.ويطمئننا- ولو قليلاً- أن الواقع ليس ساكناً كما أن قوى التغيير والاستنارة والعدل في منطقتنا وفي العالم كله تنهض رغم كل عوامل الإحباط والاستغلال والنكوص التي تتطلع لوقف مسيرة التاريخ الإنساني في اتجاه التقدم.فإذا كان فيلم "السلطان والقديس" محفّزاً لنا للدرس والنظر بعمق في جذور التطرف والعنف، وإذا كان أيضاً قد ترك لنا مناطق لاتزال عمياء وغامضة في تاريخنا، فإننا مدعوون لوضع هذه القضية على رأس جدول أعمالنا.
ولعلّ المؤسسات الأخرى قومية وخاصة تحذو حذو الزميل "عزت إبراهيم" فتخصص مكاناً ووقتاً للنشاط الثقافي، لعلّنا نستنقذ النقاش العام من الصغائر، ونتعامل مع قضايانا الكبرى بالجديّة اللازمة.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون