آراء وافكار
2017/10/18 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 937   -   العدد(4044)
لليسار در: اليونسكو والسياسة والمال
لليسار در: اليونسكو والسياسة والمال


 حسين عبد الرازق

تابع المصريون انتخابات المدير العام الجديد لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة " اليونسكو" والتي تأسست عام 1945 وتضمّ في عضويتها 139 عضواً، بنفس الشغف والاهتمام الذي يتابعون به مباريات الفريق القومي لكرة القدم! .
لقد تحولت المعركة الانتخابية لمنظمة هدفها الرئيس هو "المساهمة بإحلال السلام والأمن عن طريق رفع مستوى التعاون بين دول العالم في مجالات التربية والتعليم والثقافة لإحلال الاحترام العالمي للعدالة ولسيادة القانون ولحقوق الإنسان ومبادئ الحرية الأساسية". وذلك عبر خمسة برامج أساسية هي "التربية والتعليم ـ العلوم الطبيعية ـ العلوم الإنسانية والاجتماعية ـ الثقافة ـ الاتصالات والإعلام، ودعم مشاريع محو الأمية والتدريب التقني، وبرامج تأهيل وتدريب المعلمين وبرامج العلوم العالمية والمشاريع الثقافية والتأريخية واتفاقات التعاون العالمي للحفاظ على الحضارة العالمية والتراث الطبيعي (كنموذج إنقاذ آثار النوبة في مصر عند بناء السد العالي وتوجيه اليونسكو في مارس 1960 نداءً إلى العالم للمشاركة المالية والفنية لإنقاذ آثار النوبة، ومشاركة أكثر من 40 دولة بتقديم إما مساعدات مالية أو المشاركة العملية)، وحماية حقوق الإنسان .
تحولت إلى معركة لعبت فيها السياسة والخلافات والصراعات بين الدول، وكذلك المال واستخدامه في رشى بعض الحكومات أعضاء المجلس التنفيذي للمنظمة، الدور الرئيس في ترجيح كفّة المرشحين، وبالتالي في الفوز بهذا المنصب الدولي الرفيع.
فلو كان انتخاب المدير العام لليونسكو على أساس "السيرة الذاتية للمرشح" فربّما كانت الدول الأعضاء في اليونسكو والمجلس التنفيذي انحازت لمرشح قطر "حمد بن عبد العزيز الكواري" دون أن يقلل ذلك من جدارة المرشحين الآخرين "مشيرة خطاب" مرشحة مصر، و" أودري أزولاي" مرشحة فرنسا، فكلاهما يملك سيرة ذاتية محترمة تؤهلهما لقيادة منظمة اليونسكو.
فحمد الكواري حاصل عام 1970 على ليسانس في الدراسات العربية والإسلامية من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة (متزوج من مصرية) ، وبدأ مسيرته المهنية عام 1972 قائماً بأعمال سفارة قطر في لبنان، ثم سفيراً لقطر في سوريا من 1974 وحتى 1979، انتقل بعدها سفيراً لبلاده في فرنسا حتى عام 1984، هو في نفس الوقت، سفير غير مقيم لقطر في اليونان وإيطاليا وأسبانيا وسويسرا، ثم تولّى منصب مندوب دولة قطر لدى منظم الأمم المتحدة حتى عام 1990، فسفيراً لبلاده لدى الولايات المتحدة حتى عام 1992، وعيّن في نفس العام وزيراً للإعلام والثقافة، واستمر في هذا المنصب الوزاري حتى عام 1997، وخلال هذه الفترة اتخذ عدّة قرارات لصالح حرية الإعلام والصحافة في قطر، فألغى الرقابة على الصحافة والإعلام والطباعة، وصولاً إلى إغلاق وزارة الإعلام، وشارك في تأسيس "مركز الدوحة لحرية الاعلام عام 2007" وعيّن وزيراً للثقافة والفنون والتراث في أول يوليو 2008، وخلال فترة وجوده في وزارة الثقافة، اختيرت العاصمة القطرية "الدوحة" عاصمة للثقافة العربية عام2010.
وخلال وجوده سفيراً لقطر لدى فرنسا (1979ـ1984) مثّل بلاده في منظمة اليونسكو، وقبل ذلك اختير نائب رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الأربعين ورئيس اللجنة السياسية الخاصة ( اللجنة الرابعة) في دورتها الثانية والأربعين، وانتخب عام 1987 نائب رئيس لجنة مناهضة التعذيب بالأمم المتحدة، وترأس حمد الكواري عام 2012 المؤتمر الثالث عشر للأونكتاد (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية) ويتقن الكواري ثلاث لغات هي: العربية والإنكليزية والفرنسية.
وقد طرحت فكرة ترشحه لموقع مدير عام اليونسكو منذ عام 2015، عندما تلقت الجامعة العربية طلباً من قطر أن يكون مرشح العرب لهذا الموقع، وتلقت أيضاً ترشيحاً مماثلاً من اليمن للدكتور أحمد الصياد، وقرر مجلس جامعة الدول العربية في 9 مارس 2015 إحالة الترشيحين للمجموعة العربية بباريس (وتضم مصر والجزائر والمغرب ولبنان والسودان وقطر وعمان) وتكليفها بمتابعة موقف الترشيحات للمنصب المذكور، وإفادة مجلس جامعة الدول العربية برؤيتها حول المرشح العربي الأوفر حظاً لنيل المنصب بعد اكتمال الترشيحات، على أن يتخذ مجلس الجامعة قراره في هذا الشأن.
وفي أغسطس 2016 أعلن نائب الأمين العام للجامعة العربية " أحمد بن حلي " أن مجلس التعاون الخليجي أبلغه أن القطري " حمد بن عبد العزيز الكواري " هو مرشح المجلس لمنصب مدير عام منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "اليونسكو".
ولكن "تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن".
فتدخل النظام الحاكم في قطر في الشؤون الداخلية لدول عربية وما نشر عن تمويله لجماعات إرهابية، واستقباله وحمايته لشخصيات متورطة في الإرهاب، سواء "الاخوان المسلمين" أو ميليشيات شيعية في العراق، أو هيئة تحرير الشام في سوريا وأحرار الشام الاسلامية، و" الحوثيون " في اليمن، مروراً بتنظيم القاعدة وتنظيم "داعش" ،"إضافة إلى تأييدها إيران في مواجهة دول الخليج، كل ذلك أدى إلى قطع 7 دول عربية لعلاقاتها الدبلوماسية مع قطر، هي " السعودية ـ الإمارات العربية المتحدة ـ البحرين ـ مصر ـ ليبيا ـ موريتانيا ـ اليمن" وكذلك جزر المالديف، وتخفيض كل من الأردن وجيبوتي والسنغال لعلاقاتها الدبلوماسية مع حكومة قطر .
وفي ضوء هذه التطورات غيّرت دول عربية من موقفها من انتخابات مدير عام اليونسكو فرشحت مصر "مشيرة خطاب" ورشحت العراق "صالح الحسناوي" ورشحت لبنان "فيراخوري" وسحبت العراق مرشحها لصالح مرشحة مصر (وفعلت الصين نفس الشيء) وسحبت لبنان مرشحها دون أن تعلن تأييدها لأيّ من المرشحين إلا أن الأصوات الثلاثة التي حصلت عليها مرشحة لبنان لم تذهب لصالح المرشحة المصرية.
واستخدمت قطر المال ورشى المندوبين ودولهم بصورة غير مسبوقة، لتسقط جميع المعايير الموضوعية في الاختيار لصالح السياسة والمال المشبوه، رغم أن قطر ظلت متقدمة طوال جولات التصويت الأربع، والتي حصلت مصر فيها على 18 صوتاً وهي نفس الأصوات التي حصلت عليها فرنسا، فقد كان الفوز حليف فرنسا التي أخرجت مصر من السباق في تصويت خاص بين المرشحتين "أودري أزولاي" و" مشيرة خطاب" ، ثم نجحت فرنسا في الجولة الخامسة في الفوز بفارق صوتين (30 مقابل 28).
ورغم هذه الهزيمة القطرية المستحقة، فمعركة اليونسكو تعلمنا دروساً كثيرة، وتكشف عن الفساد الذي ينخر في جسم عديد من المنظمات الدولية، سواء كانت ذات طابع سياسي أم ثقافي أم رياضي .
وقبل ذلك كلّه تقول لنا إننا كعرب لم نعد "أمّة واحدة ذات رسالة خالدة "كما كان يُقال في ستينيات القرن الماضي.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون