عام
2017/10/18 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1497   -   العدد(4044)
وطنيّتنا  الافتراضية (القسم الثاني)
وطنيّتنا الافتراضية (القسم الثاني)


لطفية الدليمي

مواطنة تعتاش على إقتصاد ريعي
يصعب تماماً ، ويكاد يستحيل، خلق مواطنة حقيقية في ظل اقتصاد ريعي بسبب من حقيقة بسيطة: إن الاقتصاد الريعي يقوم بالضرورة على مخرجات جهد ليس من نتاج الجهد البشري والقدرة الخلاقة للعقل البشري التي يتأسس عليها اقتصاد المعرفة ؛ لذا صار نموذج الاقتصاد الريعي يحيل الى نوع من التغالب على نوع من فريسة (النفط والموارد الطبيعية الأخرى في الغالب) في إطار لعبة قاتلة تفضي الى تحكم وغلبة مجموعات بشرية محددة (بل ربما إثنيات أو عشائر أو حتى عوائل كما في بعض النماذج)، وهنا لا تستقيم شروط هذه اللعبة المحسومة الغلبة مع اشاعة روح المواطنة الحقيقية التي تستلزم نوعاً من شفافية عالية في معرفة مآل عوائد الموارد الطبيعية التي تعد حكراً وسراً مغلقاً من أسرار الدولة. قد يتصور البعض أن ثمة نماذج لاقتصادات ريعية يعيش مواطنوها في بحبوحة واسعة ربما كانت أفضل من بحبوحة مواطني اقتصادات المعرفة ذاتها، قد يكون هذا صحيحاً من زاوية نتائج العائد الفردي السنوي الرقمي المجرد؛ لكن في حساب المواطنة الحقيقية وخلفياتها القانونية ثمة قصور فاضح غالباً ما تطيح به حالة الرضا المتبادل الذي تخلقه الفوائض النفطية، أي ربما جاز لنا تسميتها "مواطنة مشتراة بفوائض النفط وليست مخلقة بسطوة القانون"، ثم ليس المال وحده ما يحدد رقيّ المواطنة وحقوقها المحمية بالقانون، وتصح هنا الإحالة الانجيلية بعد تطويعها لموضوعنا أن "ليس بالمال وحده تحيا المواطنة".
• مواطنة تفتقر إلى السمة الثقافية الجامعة: تشير السمة الثقافية الجامعة هنا تحديداً الى تلك الروح الحضارية التي لها قوة ديناميكية دافعة بسبب من دفقها الأسطوري الذي يمثل قوة دافعة للحراك الحضاري، وهي ذات السمة التي وصفها (غوته) العظيم: روح العصر Zeitgeist، ويصعب علينا تماماً أن نجد أمة ديناميكية بمواصفات مواطنة انسانية راقية لا تقودها روح متسامية كهذه تمتلك قوة دفعها من نكهتها الاسطورية المحببة؛ إذ نجد عند البلدان الاسكندنافية روح (الفايكنغ) الدافعة، وعند الصينيين تراث الملوك بنّائي سور الصين العظيم، وعند اليابانيين تراث عائلة (الامبراطور ميجي) خالق النهضة الصناعية اليابانية في نهاية القرن التاسع عشر. كان يمكن للروح الرافدينية بكل رمزياتها العظيمة أن تلعب ذات الدور في دفع المواطنة العراقية وبنائها على أسس حضارية راقية، وعندها كان يمكن للحضارات العراقية اللاحقة أن تكون ياباناً في قلب الشرق الأوسط .

التعددية الثقافية بديلاً عن المواطنة الافتراضية
لنا في تجربة التعددية الثقافية الأوربية المثال الساطع: لم تكن التداعيات التي خلفتها الحرب العالمية الثانيةوحدها سبباً مباشراً لإعادة تأسيس مفهوم المواطنة على المستويين: القانوني والعملي؛ فالحكوماتمهما بدت ليبرالية ومنقادة الى نوع من المثالية الأخلاقياتية لكنها تبقى في النهاية جهازاً بيروقراطياً محكوماً بمتطلبات واقع الحال وشروطه الصلبة التي لا يمكن القفز عليها بمحض دفع الأخلاقيات المجردة . تواصلت الحكومات الأوربية بكثير من الرؤية العملية تحت تاثير متطلبات إعادة إعمار الدمار الهائل الذي خلفته الحرب فسهلت متطلبات الإقامة والهجرة، وبخاصة لصنفي العمالة والكفاءات النادرة، وكذلك بتأثير الحاجة لاستقطاب رؤوس الأموال والاستثمارات الضخمة المطلوبة في عملية إعادة البنى الاوربية، وهنا صار للأصول القومية المهاجرة ثقل سكاني ضاغط لا يمكن إهماله في معادلة الحقوق والواجبات التي تكفلها الدساتير؛ فخلقت الحاجة الى إعادة التفكير في مجمل الفكر القانوني والدستوري وإعادة هيكلتهما ليتلاءما مع شروط احتكاك الثقافات المتعايشة. لا ينبغي لنا أن نتصوّر ميلاً طاغياً عند الحكومات الأوربية لمسخ السمات القومية من تراث البلدان التي تقودها بذريعة تشجيع عمليات الاندماج وتعزيز نموذج التعددية الثقافية الرامية الى غايات براغماتية تصب في مصلحة البلدان ذاتها؛ بل يمكن القول أن ثمة ميلاً لتخفيف عوامل الإحتكاك المؤذية بين الثقافات السائدة في البلد الواحد، أو بين الثقافات الاصيلة والوافدة، وتسهيل عملية التلاقح الخلاق بينها بغية إدامة عوامل الاستقرار المفضية الى مزيد من تطور اقتصادي في المقام الأول، ولم تكن المحاولات ناجحة دوماً، وربما يحضر مثال المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل صارخاً: حيث صرحت بوضوح أن جهود عقود من عمليات اعادة الدمج قد باءت بفشل واضح، وأن الحاجة تقتضي إعادة نظر شاملة في برنامج تعزيز التعددية الثقافية الداعم للاندماج والتواصل بين الثقافات .
لكن، مع كل ما ذكر من أسباب داعمة لنموذج المواطنة المتمحورة على تعددية ثقافية نشطة، ثمة أسباب أخرى داعمة له ولا بأس من إيراد بعضها:
* إن الدولة القومية مرشحة بقوة دوماً لأن تستحيل دولة شوفينية قامعة للأقليات، وربما حتى فاشية في حالات محددة؛ لذا كان مهماً تماماً كبح جماح هذ النزعة الشوفينية بتلونات ثقافية من خارج فضاء اللون الثقافي الواحد المرتبط مع القومية السائدة .
* ثمة جانب براغماتي طاغٍ في نموذج التعددية الثقافية قائم على استغلال الامكانات البشرية الهائلة للمكونات الثقافية المحلية أو المهاجرة وعدم دفعها الى الانكفاء تحت سطوة الصوت القومي الأحادي الصارخ .
* المشكلات الجدية المهددة للكائن البشري لم تعد محلية الطابع بل كونية عابرة للحدود، ولم تعد أية دولة لوحدها بقادرة على الايفاء بمتطلبات مواجهة هذه المشكلات؛ لذا كان لزاماً تخفيف القيود القومية الدافعة للانكفاء وخلق الفرص الملائمة أمام عولمة ثقافية مفيدة للجنس البشري ، على عكس عولمة رأس المال المتوحش والأسواق المالية المتغولة .
* كان الإرهاب العالمي، وسيبقى على الاغلب، المشكلة الأكثر خطورة التي يواجهها المجتمع العالمي، و قد أبانت الدراسات المعمقة أن مشكلة الارهابيين الدوليين هي مشكلة ثقافية أساساً تتضخم بفعل الاحساس الطاغي بعدم استغلال المواهب الفردية الثمينة في بيئة من تعددية ثقافية تتيح لكل الاثنيات تعليماً جيداً متكافئ الفرص وخالقاً لفرص مستقبل أفضل ضامناً للكرامة البشرية.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون