آراء وافكار
2017/10/19 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 782   -   العدد(4045)
مغزى زيارة ملك السعودية لموسكو
مغزى زيارة ملك السعودية لموسكو


 د. جاسم الصفار

قيّمت زيارة ملك المملكة السعودية من 4-7 تشرين الأول الى روسيا، على أنها زيارة تاريخية منذ الاعلان عنها، فالملك سلمان بوضعه الصحي الحرج وعدم تعوده على السفر الى خارج بلاده، خاصة لفترة طويلة نسبياً مثل زيارته هذه الى روسيا، البلاد البعيدة عن بلده والمختلفة عنها بظروفها المناخية وتقاليدها الاجتماعية، لم يكن لها أن تكون دون أن يكون هنالك سبب وجيه ودافع قوي يحظى باهتمام عالٍ من الملك شخصياً.

من زيارته أراد ملك السعودية ان يقنع الرئيس الروسي فلاديمير بوتن بنسيان كل التعقيدات والاشكالات التي حصلت في العلاقات الثنائية بين بلديهما على كل الفترة التاريخية الطويلة التي غابت فيها لغة التعاون ورغبة التقارب، ونقل هذه العلاقة الى مستويات أخرى وآفاق جديدة تتفتح على تعميق التعاون الاقتصادي خاصة في مجال استيراد وتصنيع السلاح، الأمر الذي توليه الرياض اهمية خاصة اضافة الى التفاهم السياسي الستراتيجي.
كما أن السعودية راغبة في أن تضمن روسيا أمنها وترعى مصالحها الشرق أوسطية امام التهديدات الايرانية، فهل هذا من اهتمام ومصلحة روسيا؟ من النظرة الأولى لا، فإيران حليف روسيا المجرّب في ظروف الصراع المعقدة في سوريا، بينما للمملكة العربية السعودية تاريخ طويل من العداء لروسيا، فهي واحد من الممولين الكبار لعصابات الارهاب الدولية، بما فيها تلك التي تقاتل روسيا في منطقة القوقاس وآسيا الوسطى. فلم إذاً مدّ يد العون لهكذا عدو؟
على أن التعاون يبقى مهماً لروسيا حتى في مثل هذه الحالة، لأن في السياسة معايير أخرى يتحارب فيها الطرفان عندما تكون الحرب مفيدة، ويتعاون فيها الطرفان عندما يكون فيها التعاون اكثر فائدة، ولا مكان هنا للحساسيات القديمة، فالسلام لا يعقد، كما يقال، بين الاصدقاء. وقد حان الوقت لتعمل موسكو مع الرياض معاً في تلك المجالات التي يكون فيها تعاونهما مفيداً. ويبدو من زيارة ملك السعودية الى موسكو أن المملكة العربية السعودية قد استوعبت هذا الدرس.
وقد استوعبت السعودية هذا الدرس بفضل السياسة الخارجية الفعّالة لروسيا في منطقة الشرق الأوسط، وهي الساعي الأخير بعد اسرائيل وتركيا ومصر والأردن لطلب ودّ موسكو التي فرضت نفسها كلاعب أساس يتحكم في سير الأحداث في المنطقة ويتعلق بسياستها ومواقفها أمن ومصالح دول المنطقة.
كيف اصبحت روسيا اللاعب الرئيس والمتحكم الأساس في مسار الاحداث في الشرق الأوسط، وكيف تمكنت من زحزحت الولايات المتحدة الامريكية من هيمنتها التقليدية على المنطقة، وأمريكا عن حق أقوى من روسيا اقتصادياً وأكثر تأثيراً من الناحية السياسية بفضل انحياز الغرب لها، كما إنها عسكرياً مازالت القوة الأعظم في العالم؟
يقارب سفير روسيا السابق في سوريا الكسندر زوتوف هذه الحالة بحلبة الصراع بين ملاكمين لا يعتمد الفوز فيه على حجم الكتلة العضلية لأيّ منهما بل على التقنية العالية لإدارة الصراع، وهنا يشير زوتوف الى أن التقنية العالية لإدارة الاحداث في الشرق الأوسط من قبل موسكو هي التي مكّنتها من التحكم والسيطرة على المتغيرات السياسية والعسكرية هناك.
موسكو كانت حازمة في ادارتها للأحداث، ولم يتردد الرئيس الروسي فلاديمير بوتن عن اتخاذ قرارات مصيرية وحاسمة في المجالات العسكرية وغيرها في سوريا، مع علم الرئيس بوتن بأن ذلك سيكلف بلاده كثيراً، خاصة وأن الرئيس بشار الأسد كان في أشد ضعفه وكان الاعلام الدولي والمحلي قد حاصر نظامه بشتى الاتهامات ورسم له صورة الدكتاتور الدموي. ومع كل تعقيدات الموقف، فقد مضت موسكو قدماً ودون تردد في تنفيذ قراراتها السياسية والعسكرية، بينما سجلت امريكا تراجعات عدة. فأمريكا، رغم التحدي الكبير، لم تقدم على ضرب سوريا بعد اتهامها لها باستخدام الاسلحة الكيميائية، كما انها اضطرت للاتفاق مع ايران بشأن نشاطاتها النووية رغم اعتراض السعودية واسرائيل على الاتفاق.
وفي الوقت الذي كانت فيه روسيا واضحة في تعاملها مع الاعداء والاصدقاء، كانت امريكا متأرجحة في دعمها للمعارضة المسلحة السورية وغير واضحة في تعاملها مع فصائلها المختلفة وتصنيفها لها. وأخيراً فإن روسيا كانت واقعية في تعاملها مع اطراف الصراع ومدت يدها لجميع القوى المؤثرة في الاحداث من اجل التعاون في حل المشاكل العالقة، بينما تعاملت امريكا مع اطراف الصراع على اساس غير واقعي يعتمد على "شيطنة" بعض الاطراف وعدم التعاون معها رغم اهميتها في الحرب على الإرهاب.
السعودية اليوم تحتاج الى روسيا ليس فقط للتعاون في مجال انتاج النفط والتحكم بأسعاره ولا من اجل حل المشاكل الاقليمية التي ورطت نفسها بها والتي جاءت بنتيجتها حرباً دموية طويلة الأمد في اليمن، وتدخلاً في البحرين وصراعاً مع الدوحة في الخليج وخلافات تنمو وتكبر مع تركيا، ولا من اجل تسليح قواتها بالسلاح الروسي فقط، بل وقبل كل شيء لوقف الآثار السلبية لتداعيات سياستها السابقة في سوريا والتي بنتيجتها اتسعت رقعة التأثير التركي في المنطقة سواء في سوريا أو قطر وتعاظم الدور الايراني فيها بعد أن اصبحت المعركة مع النظام السوري محسومة لصالح الأسد وقواته على فصائل مسلحة دفعت السعودية الكثير من المال والسلاح من اجل تحقيق انتصار جيوسياسي عن طريقها في سوريا.
وما له علاقة شخصية بحاجة الملك السعودي لمساعدة موسكو هو أن ابنه محمد بن سلمان هو المسؤول الأول عن جميع تلك المشاريع التي تورطت المملكة بها، وهو لا يريد له أن يتسلم العرش من بعده وهو غارق في كل تلك المشاكل التي قد تحول دون تسلمه للعرش أساساً.
يدرك ملك السعودية، رغم هرمه، أن روسيا لن تقدم على تخريب علاقتها مع ايران من اجل تحسين علاقتها بالسعودية، وكل ما يمكن أن يطمح له الملك السعودي هو تحقيق توازن معقول في القوى في سوريا، أو كما يقول رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو درء خطر "الاستعمار الايراني لسوريا". أو، بصيغة اخرى، أن السعودية تطمح لدور ملحوظ لها في سوريا من خلال منح فرصة اكبر للفصائل المسلحة التابعة لها للمشاركة في تحديد مستقبل سوريا.
الطموح السعودي للحصول على دعم روسي لسياستها في المنطقة أو على الاقل عدم التصدي لهذه السياسة في المنطقة ليس بلا ثمن كما تفهمها السعودية، لذا جاءت عروض الاستثمار السعودي وصفقات الاسلحة مع روسيا كعربون لشراء رضى روسيا. ومع أن روسيا لا تقيم سياستها على اساس منافع محدودة إلا انها اهتمت بالزيارة كثيراً لأسباب معروفة منها الحصول على اعتراف صريح من لاعب قوي في المنطقة بأهمية الدور الروسي، كما أن روسيا مهما كانت محدودية الاستثمار السعودي فإنه يخفف عن كاهل اقتصادها المحاصر بالعقوبات الامريكية والغربية.
وقد أكد الرئيس الروسي في كلمته على سياسة التوازن التي تتبعها موسكو حين قال: "ايران دولة جارة وصديق قديم ونحن نعتز بصداقتها ونتعامل باحترام مع مصالحها القومية، ولكن المصالح القومية موجودة ليس فقط عند ايران، إنها موجودة عند روسيا وتركيا وعند العربية السعودية". وكما أكد السكرتير الاعلامي للرئيس بوتن دميتري بسكوف، ان "التعاون الروسي السعودي ليس موجهاً ضد أيّ دولة ثالثة". لذا فإن سياسة روسيا سابقاً وفي المستقبل ستبقى قائمة على اساس تحقيق توازنات في مصالح دول المنطقة، وكما يقول الدبلوماسي الامريكي المتخصص في شؤون الشرق الأوسط دينيس روس فانك "كلما حاولت مراعاة مصالح كل الأطراف ستدرك كم هي معقدة هذه المهمة".



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون