آراء وافكار
2017/10/21 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 675   -   العدد(4046)
الأداء الوظيفي.. أسسهُ ومستلزماته
الأداء الوظيفي.. أسسهُ ومستلزماته


 جاسم عاصي

من أول شروط الوظيفة، أن يكون الموظف ذا اختصاص. بمعنى يكون الاختصاص بحكم الخبرة والتراكم قادراً على تقديم النوع في الأداء. إن التراكم يؤدي بتقادم الزمن إلى تعميق الخبرة وبروز الاجتهاد كواحد من علامات التفوق في الطرح والاجتراح . وبدون ذلك يكون العمل ضرباً من العبث وضياع المال والأمل. تماماً كما يحدث لنا الآن . فوضع الإنسان المناسب في المكان المناسب تكاد أن تكون قاعدة شاذّة في واقعنا إلا ما ندر. فيمكن أن يكون الوزير في هذا المنصب اليوم ، ثم ينتقل إلى ضرب آخر من الاستيزار لا يمت بصلة بالذي قبله، أو أنه يجمع بين وزارتين مختلفتين بالأداء الوظيفي. وهكذا دواليك. فنحن من يُضيّع الزمن، وبالتالي يضيّع فرص التطور.

الأداء الوظيفي أمر في غاية الحساسية والتأثير في مفاصل الحياة بكل جوانبها. فالتأهيل النظري والعملي مثلاً، نوع من التراكم والعيّنة النظرية، التي هي بارومتر الموظف وهو يمارس عمله. تحضر في عقله وتدار بين يده بطواعية مبدئية خالصة. كذلك يكون مهماً جداً التسلسل الوظيفي الذي وسِم بالدرجات الوظيفية، وهي حاصل تحصيل للزمن الذي يستغرقه الموظف في عمله . التسلسل هنا يُزيد من الخبرة، ويرفد العطاء الوظيفي، لأنه خاضع لمنطق العقل والسياق العام في أداء المهمات. كذلك التأهيل الذي يخضع لتجديد المعلومات، حيث لا يتوقف عند أداء الموظف لدراسته، وتسلمه لوظيفته، بل ثمة مستجدات ينبغي معرفتها. تماماً كما يفعل بعض الأطباء من السفر للاحتكاك بالواقع الطبي في الخارج، فمعظمهم يمارسون السفر ليس للاستجمام، بل لزيادة المعرفة، وتحصيل ما افرزه العقل العلمي من تجارب وتصنيع عقارات لحالات مستجدة في الواقع. كذلك المعلم والمدرس والأستاذ الجامعي، يتوجب أن يكون ضمن دائرة التجدد. وهذا ينطلق أيضاً خاصة في التعليم الابتدائي، حيث ينتفي الاختصاص إلا ما ندر كما في اللغة والتربية الرياضية. وفي هذا على مدير المدرسة، أن يوزع حصص المعلمين وفق الرغبة، فليس من المعقول أن يُدرس اللغة العربية وهو لا يعرف بأصول قواعد اللغة. كذلك مع اللغة الانكَليزية وسواهما. الرغبة تعني حب المادة والتعمق في أدائها . كما وأن العمر يلعب دوراً في اختيار الشخص لمنصب ما دون النظر إلى عمره ، فالعمر يعني الخبرة . فكيف بمدير عام لا يتجاوز عمره أكثر من ثلاثين عاماً بقليل . هذا العمر يخضع إلى المزاج والعاطفة، والتكتل والالتفاف على القانون، وضياع فرص التحقيق الوظيفي. فالمزاج غير المستقر نتيجة حتمية للعمر وانتفاء الخبرة التي نُعتت بالتراكم الذي خلق الخبرة والفراسة، تماماً كما هم شيوخ التصنيع والوجاهة والمحسوبية . فهؤلاء يركضون وراء حل المشاكل حتى لو كانت غير قانونية، قصد الربحية من الفصل وما يترتب عليه الخطأ الاجتماعي ــ العشائري من نتائج ، تُبعد القانون ولا تفعّله، وتُسيّد قانون العشيرة الذي يحتكم إلى المال (الجباية من الآخر) جرّاء ارتكاب الجريمة. إن الممارسة في الوظيفة نوع من فعل خلق النوع. لذا فنحن نُشير إلى الرعيل الأول من المعلمين والمدرسين ، ونتغاضى عما يفعل بعضهم ومن ذوي الاختصاص من الذي يقصرون في واجبهم الوظيفي، قصد خلق ظاهرة المدرس الخصوصي، يقابلها المدارس الأهلية، التي ابتدأت بالحضانة ولم تنته في الجامعة، بل تعدتها إلى المتخصصة منها كالطب والهندسة ، وهي أخطر المفاصل في التعليم. فمن العجب تجد أن الذي يؤدون الوظائف في التدريس في المؤسسات التربوية الأهلية، معظمهم من التدريسين في المؤسسات التربوية الحكومية. وهذه مفارقة تعني ازدواجية المدرس والأستاذ، الذي تعينه ما يحصل عليه من ربحية ، جرّاء الأجور السنوية التي تستقطع من الطالب، والذي يصل معظمها إلى(12) مليون دينار عراقي للسنة، تُضاف إليه مصروفات الطالب اليومية والشهرية والسنوية، خاصة مستلزمات الدراسة كنسخ المحاضرات، وتهيأت مستلزمات التطبيق العملي خاصة طب الأسنان.
كل ما تقدم من علل تكاد تستفحل في واقعنا الوظيفي، بخاصة التعليمي منه. فهي ما يؤدي إلى وجود (ظالم ومظلوم) في المفهوم الوظيفي أيضاً. فالموظف الذي يطلب استحقاقه، مثل إضافة شهادته التي حصل عليها بصعوبة مهتدياً بالقول.. اطلب العلم من المهد إلى اللحد.. يجد نفسه في ورطة مزاجية، بسبب عدم فهم القانون، كذلك عدم تفعيله لصالح الموظف وتشجيعه على الدراسة وطلب العلم . فطلب تعديل درجته مثلاً يتوجب عدم الخوف من زيادة مخصصاته . فهو أمر طبيعي، كما يتمتع به أعضاء مجلس النواب من مخصصات ورواتب مذهلة، رواتب حماية، تبقى تحرسه حتى لو انتهت دورته. فهو يحمّل الخزينة عبئاً، ناهيك عن ما جرى في خرق قانون التقاعد، ليكون حرّاس وممثلو الشعب يتقاضون رواتب تقاعدية بمدة لا تزيد عن أربع سنين. السؤال كيف صيغ هذا القانون ومن أجل من خلقت ظاهرة عجز في الميزانية مثلاً . القانون يقتضي المساواة في الوظيفة، سواء كان هذا الموظف وزيراً أم عضواً في مجلس النواب، أم مديراً عاماً، الكل يخضع للقانون، سواء كان الوظيفي أو التقاعدي، وبعكسه يكون هذا عبارة عن لعب على القانون وتحايل على بنوده. من هذا نخلص إلى أننا في الكثير من مفاصل أدائنا الوظيفي نفتقر إلى الاختصاص أولاً، ثم تسلم المناصب لا على أساس العمر والخبرة ، بل على أساس المحاصصة وتوزيع المناصب، وارضاء الكُتل والأحزاب ورؤساء العشائر . إننا ووفق هذا المنطق من الممارسة، سيؤول بوجودنا إلى التخلف والـتأخر في كل مضامير الحياة . لذا يتوجب تفعيل القانون، لأنه يؤدي إلى (زعل) الأحزاب والكُتل، لكنه يُرضي الشعب الذي ما وجدت السلطة والوظيفة إلا من أجله. وما ناضل الثوار سوى لترميم الحياة، وبنائها بشكل يُليق بشعبها الذي يحمل إرثاً كبيراً امتدت إلى حُقب ما قبل التاريخ بقرون عديدة.
أما بشأن العقوبة للموظف والمستخدم مثلاً، فهي خاضعة أيضاً لمنطق القانون، وليس للتأثير والمزاج غير المستقر. فحين تكون العقوبة نقلة إلى مدينة أخرى تحت مسمّى (بناءً على متطلبات مصلحة العمل)، بحيث يضيع هو وعائلته في (حيص بيص) من التدهور في الرواتب وأجور السكن والنقل. بينما المطلوب التسلسل في العقوبة كإجراء تطبيقي للقانون، تسلسل هذه العقوبة، تنبيهية، ثم صارمة. ونعتقد أنها ستؤدي إلى تلافي الخطأ، وعدم تكبيد الموظف أقسى ما يستطيع ويتحمل. إنها وحشية إنسانية، وليست وحشية قانونية. فأنت أيها المدير أو الوزير ..أو.... أو .. مهما كنت، إنما من السهولة القول عنك: إنك ظالم، فقد شردت عائلة آمنة بظِل معيلها، وحرمتهم من أبسط معالم العيّش المستقر، بينما نفشت ريشك، فقد انتصرت على الموظف الصغير، فأرضيت مزاجك وصحبك الانتهازيين والمتملقين الحوشية..!!



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون