آراء وافكار
2017/10/22 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1086   -   العدد(4047)
اللــــهث وراء تــكديـــس "الإعجابـــات" نــوعٌ جديــــدٌ من الضغــط يجتـــاحُ المجتــمع
اللــــهث وراء تــكديـــس "الإعجابـــات" نــوعٌ جديــــدٌ من الضغــط يجتـــاحُ المجتــمع


 هارون يحيى *

يوجد اليوم ما يقرب من ملياري مشتركٍ في "فيس بوك" و1.4 مليار في "يوتيوب"، من المستخدمين النشطين على وسائل التواصل الاجتماعي، فضلًا عن نحو 700 مليون من مستخدمي "إنستغرام"، وإذا أضفنا إلى هذه الأرقام الهائلة، 350 مليوناً آخرين من مستخدمي "سناب شات" و330 مليوناً على تويتر، يمكننا عندئذ القول، دون أدنى مبالغة، إن ثلث سكان العالم يتواصلون فيما بينهم، ناهيك عن عدد المنشورات التي توضع على الشبكة يومياً، فذلك كمٌ خيالي فوق كل تصور.

شيئاً فشيئاً، نسجت هذه الشبكة العملاقة خيوطها وفرضت قواعدها الخاصة، وأصبح التهافت على جمع الاعجابات (أعجبني) "Like" على إنستغرام أو فيس بوك، و"إعادة تغريد" على تويتر، والحصول على عددٍ كبيٍر من المشاهدات على يوتيوب، مقياساً جديداً للنجاح يتباهى به المستخدمون فيما بينهم. ومنذ اللحظة الأولى التي أدرج فيها فيس بوك زر "أعجبني" على الإنترنت، تم نقر هذا الزر 1.2 تريليون مرة، في حين يحصل إنستغرام على 4.5 مليار "أعجبني" في كل يوم، دون انقطاع. تُشكل هذه البيانات الاحصائية المدهشة مؤشراً على نوع جديد من الإدمان، يطرق أبواب المجتمع في عصرٍ جديدٍ، وقد أصبح الآن الحصول على "إعجاب"، وكسب اعجاب الآخرين، وأخذ السبق على المستخدمين الآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي، نوعاً من الهوس الجديد يكتسح المجتمع.
بالنسبة لكثير من مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت حياتهم على الإنترنت أكثر أهمية، وتأتي حتى قبل حياتهم الحقيقية، ويتقاسمون كل لحظة من لحظات حياتهم في ساعات استيقاظهم، مع عشرات الآلاف من الغرباء، ويركبون جميع أنواع المخاطر ليتمكنوا من كسب الاعتراف بهم بين المجتمع الرقمي والحصول على المزيد من "أعجبني"، ولبلوغ هذا الهدف، يتسلقون المباني والجسور والجبال، ويلتقطون صور سيلفي تحت الأرض، وفي أعماق البحار وفي أخطر المواقع التي توجد على وجه الأرض، ولا يترددون في المخاطرة بحياتهم لتحقيق هذه الغاية، وكل ما يتضمنه هذا الأسلوب الخطير في الحياة، يخدم غرضاً واحداً فقط، الحصول على أكبر عددٍ ممكنٍ من "أعجبني" على وسائل التواصل الاجتماعي. ومن أجل الاستحواذ على الصدارة وكسب اليد العليا في سباق "أعجبني"، لا يتورعون عن لي عنق الحقيقة وتقديم أنفسهم في صورة أفضل مما هم عليه في الواقع. أظهرت أبحاثٌ أجرتها مختبرات كاسبيرسكي، أن واحداً من كل عشرة أشخاصٍ يحرف الحقيقة وينتحل شخصية غير شخصيته الحقيقية، من أجل الحصول على المزيد من "أعجبني" على وسائل التواصل الاجتماعي، وبعبارة أخرى ما كان في بادئ الأمر أداة للمتعة أصبح الآن هدفاً في حد ذاته، ولم يعد الإنترنت بالنسبة للكثيرين مجرد عالم افتراضي، فقد أصبح حقيقةً اجتماعيةً، وأصبح الحصول على "أعجبني" على وسائل التواصل الاجتماعي الآن أكثر أهمية من أن يكون محبوباً بين الناس في الحياة الحقيقية. هذه الرغبة الجامحة في الحصول على "أعجبني" في عالم افتراضي جعلت مستخدمي فيس بوك ينقرون زر "أعجبني" 4.5 مليار مرة في اليوم الواحد، أو ما يعادل 3.2 مليون مرة في الدقيقة. واليوم، يكاد يستحيل تخيل عالم لا يوجد فيه زر "أعجبني".
مع بداية استحواذ العالم الافتراضي على الأولوية واقتحام الحياة الحقيقية، بدأت تظهر أيضاً الأمراض النفسية ذات الطبيعة الرقمية، مثال على ذلك هاجس "الخوف من أن يفوتك شيء" المعروف اختصاراً باسم "فومو" أو FOMO، الذي كان موضوع الدراسات الأكاديمية الأخيرة، ونشرت مجلات دولية بارزة مثل تايمز، مقالات تتناول أساليب مكافحة هذا الاضطراب النفسي الذي أحدثته وسائل التواصل الاجتماعي. يشكّل فومو تهديداً خطيراً، وخاصة بالنسبة لجيل ما بعد الألفية أو الجيل زد (Z)، وهم المستخدمون الرئيسيون لوسائل التواصل الاجتماعي، وقد بدأ هذا الجيل الشاب تحت سن الـ 18 يشعر بالتعاسة عندما لا يتم إعادة تغريد تغريداتهم، أو عدم حصولهم على "أعجبني" على ما ينشرونه في فيس بوك، ووجود حسابات أكثر شعبية من حساباتهم على هذه الوسائط تدفعهم إلى الاكتئاب، مما جعل جامعة كوبنهاغن تطلق على هذا النوع من الاضطراب اسم "حسد الفيس بوك".
هذا الجانب المظلم من وسائل التواصل الاجتماعي يدفع الأشخاص الذين يعانون أصلًا من الاضطرابات، إلى الحافة، بحيث تزيد وسائل التواصل الاجتماعي في مثل هذه الحالات من صب الزيت على النار. لقد أصبح أمراً رائجاً، القيام ببث حي، عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، لعمليات الانتحار. في 2008، في أعقاب تبادل معلومات على لوحة الرسائل اليابانية، تزعم أن استخدام غاز كبريت الهيدروجين وسيلة مريحة للانتحار، أقدم 220 شخصاً على الانتحار باستخدام هذه الطريقة.
وفي حادثة أخرى، بعد انتحار شخص في نيوزيلندا، قام ثمانية آخرون بوضع حد لحياتهم نتيجة تأثرهم بما تركه المنتحر على صفحة تذكارية، وفي الوقت نفسه تسببت لعبة كمبيوتر بعنوان "الحوت الأزرق" في 130 حالة انتحار لشباب في سن المراهقة في روسيا وحدها. هذا الهوس بوسائل التواصل الاجتماعي، الذي أطلق عليه اسم "تحدي الانتحار"، ظهر لأول مرة كمجموعة على فيس بوك، ومن مخلفات تأثرهم بلعبة الحوت الأزرق، أنهى العديد من المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و18 حياتهم في الهند وبريطانيا وأوروبا أيضاً. وقد كشفت الدراسات الحديثة بوضوح أن لوسائل التواصل الاجتماعي جانباً مشجعاً في ما يتعلق بظاهرة الانتحار.
في الواقع، يمكننا اعتبار ربط سرعة تزايد استخدام التواصل بين الناس، بظهور وسائل التواصل الاجتماعي بمثابة تطور مثير في جوهره، وقد حدثت التطورات التكنولوجية التي لم يشهد أجدادنا مثيلاً لها قط في حياتهم، في غضون بضع سنوات فحسب، فأصبح الناس يتواصلون مع بعضهم البعض ويتعارفون فيما بينهم. ونشهد حالياً تطور ثقافة مشتركة، حيث يستطيع الناس دعوة بعضهم البعض بفاعلية أكبر إلى ما هو جيد وجميل، وفي نفس الوقت، تتضافر الجهود، من أجل بناء مستقبل أفضل. وفي هذا الصدد، تشكل وسائل التواصل الاجتماعي بلا شك وسيلة مهمة للاتصال وتنمية شبكة من الصداقات الجديدة، وبالتالي، تقع على عاتقنا مسؤولية ضمان عدم استخدام هذه الوسيلة لأغراض خاطئة، وألّا تتحول هذه الوسيلة إلى مصدر يجلب لمستخدميه من الشباب المفاسد والاكتئاب. إن ما يحتاجه العالم هو حياة رقمية تُضَبط بقواعد اجتماعية، وتقود الناس على طريق الخير والسلام، وتدعوهم إلى الوحدة.
* كاتب واكاديمي تركي



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون