آراء وافكار
2017/10/22 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1036   -   العدد(4047)
إرادة الـــــقـــــتـــــال
إرادة الـــــقـــــتـــــال


 د. لاهاي عبد الحسين

لعلّ من التبسيط أنْ يشار إلى نجاح خطة انتشار القوات وبسط الأمن وإعادة هيبة الدولة بقيادة الجيش والشرطة الإتحادية والحشد الشعبي في محافظة كركوك والسيطرة على آبار النفط وانسحاب قوات البيشمركة التابعة للسيد مسعود بارزاني من مناطق واسعة كانت تتمركز فيها إلى جانب سنجار ومخمور وعدد آخر من القرى والأقضية في محيط محافظة نينوى فيما أصطلح عليه بـ "المناطق المتنازع عليها" على أنّه انتصار عسكري للقوات الاتحادية وهزيمة عسكرية لقوات البيشمركة التابعة للحزب الديموقراطي الكردستاني. وكما عبّر السيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي، فقد تمّ بسط الأمن في محافظة كركوك ولم يتم تحريرها لأنّها لم تكن محافظة محتلة، أصلاً. أو أنّ ما تمخضت عنه العملية من سرعة الإنجاز وخفض أعداد الضحايا والأضرار في المناطق التي شملتها واضطرار القوات الكردية المعنية لإخلاء مواقعها كان تعبيراً عن خوف أو استسلام لمشاعر الخذلان من قبل الحليف الأمريكي الذي أعلن على لسان الرئيس الأمريكي أنّ الولايات المتحدة تقف على الحياد من أزمة العراق المستجدة. بل كان ما حدث تعبيراً بليغاً عن الانتصار للإرادة الوطنية العراقية التي ساهم بها الجميع بما فيها قوات البيشمركة التي استجابت لأوامر الانسحاب وإخلاء المواقع بدل الإصرار على الدخول في مواجهة خاسرة للطرفين الوطنيين، القوات الاتحادية وقوات الإقليم. ولم يكن الأمر ليتحقق بهذه الانسيابية التي أثلجت قلوب العراقيين لبرهة من الزمن لخلوها من اندلاع القتال الواسع والعنيف بين العرب والكرد بسبب التنسيق والتعاون الذي أبدته قوات حزب الاتحاد الوطني الكردستاني فحسب، بل كان ما حصل تعبير عن انهيار إرادة القتال لدى المقاتلين الكرد ممن لم يكونوا مقتنعين كما بدا واضحاً بجدوى المواجهة وضرورتها. اللافت أنّ ظروف إخلاء المواقع وتسليمها لا يكاد يذكّر بشيء مما حدث في الماضي. فلم يحدث أنْ أخليت المواقع وسلمت بهذه السهولة إلى الطرف المقابل من قبل. كما لم تكن العملية لتعبر عن إلحاق الهزيمة بالمعنى الفني المتعارف عليه. وكذلك لم تكن صور الجنود المضطرين إلى إخلاء المواقع وهم يودعونها بالبكاء لتقول إنّهم جبناء بل كانوا رجالاً منتمين مروا بأزمة معرفية وأدبية أكثر منها أي شيء آخر. بدا هؤلاء الرجال أعمق إنتماءً لبلدهم ومواطنيهم العراقيين مما تصور البعض. وإلا فإنّ التاريخ وساحات المعارك والتضحيات الكبيرة للكرد شعبياً وعسكرياً تشهد لهم بالشجاعة والبسالة والإصرار والاستعداد للتضحية بدمائهم في سبيل الدفاع عن قضيتهم وانتمائهم القومي الكردي. معروف أنّ كل هذه التداعيات كانت تسبب بها الإصرار على القيام بإجراء الاستفتاء من أجل الاستقلال في إقليم كردستان العراق في ظل ظروف من التوتر والقلق والاختلاف وعدم التوافق على الصعيدين الوطني والإقليمي. لقد كان ما حصل مفاجئاً للعديد من المراقبين والمحللين السياسيين ممن وضعوا توقعات افتراضية انطوت على مشاهد دامية وأعمال عنف مروّعة وفق سيناريوهات ظلامية قاتمة. وهكذا كان الأمر بالنسبة إلى عدد لا حصر له من العراقيين ممن كانوا يغلون وهم يتابعون تطور الأحداث بقلق مسؤول بداعي الأهمية الوطنية للحدث. ولعل إرادة القتال تتمثل في القدرة على المواجهة لقناعة من قبل المقاتلين وظهيرهم الاجتماعي والثقافي للتصرف بحسب أهداف محددة يرومون الدفاع عنها وهي بهذه الحالة التمسك بالأرض والذود عنها. ولكنّ السؤال الذي تراءى لهؤلاء المقاتلين - كما يبدو - لم يكن ليستند إلى أرضية راسخة تستمد قوتها من حقائق تأكد أمر الاتفاق عليها. يبدو أنّ ما أدى بهؤلاء الجنود والمقاتلين الذين أخلوا مواقعهم هكذا بسهولة أنّهم لم يكونوا مقتنعين أصلاً بجدوى القتال وضد منْ! لقد أظهرت هذه الأزمة خطأ الكثير من التوقعات بشأن اشتعال صفحة أخرى من صفحات الحقد والكراهية بين العراقيين ممن بدا وكأنّهم جبلوا على الحرب والقتال والعنف والدماء. وتقدمت الرابطة الأدبية والإنسانية الوطنية التي طالما مسها ما مسها من توقعات متشائمة على الخلاف والمواجهة. فالدرس الذي تعلمناه من هذه الأزمة أنّ الوشائج العربية الكردية أقوى بكثير مما يعتقد. لقد تصرف هؤلاء الجنود من قوات البيشمركة المعروفين بشجاعتهم وتنظيمهم وانضباطهم العالي بطريقة تنطوي على عدم القناعة بالقتال، ابتداءً. لم يمض الكثير من الوقت على الفترة التي خاضت فيها قوات البيشمركة والجيش العراقي والشرطة الاتحادية والحشد الشعبي والمقاتلين المدنيين القتال العنيد والشرس ضد داعش في محافظة نينوى والمناطق المحيطة بها. فلا يعقل والحالة هذه أنْ يتراجع هؤلاء المقاتلون هكذا على حين غرّة ليقاتلوا بعضهم البعض. ولعل هذا ما فات القيادة العسكرية الكردية في أربيل التي تصورت أنّ توفير المستلزمات المادية لهؤلاء المقاتلين من سلاح وذخيرة ومؤونة وما إليها يمكن أنْ يغني بقصد أو دون قصد عن تأمين الجوانب المعنوية والأدبية التي ترتبط بجوهر القضية. فالجندي الذي يتحرك وهو خلو من إرادة القتال بما فيها عقيدة القتال التي تستند إلى مبررات يقبلها ويستدخلها شخصياً يشبه جندي يتحرك بسلاح فاسد منتهي الصلاحية. ولعل الفكرة الرئيسة التي كان يمكن أنْ تشغل بال هؤلاء الجنود السؤال عما إذا كانت اللحظة التاريخية لقيام دولة كردستان في الجانب العراقي تمهيداً لضمّ ما يمكن ضمّه من الأراضي العراقية بدعوى أنّها جزء من كردستان العراق قد حلّت فعلاً! هل خطر ببال القيادة الكردية التي تركت هؤلاء الجنود لمواجهة مصيرهم ما إذا كانوا مقتنعين فعلاً أنّ بإمكانهم القتال من أجل دولة كردية مستقلة تكوّن قاعدة لقيام دولة كردستان العظمى من خلال ضمّ المناطق التي يسكنها الكرد في إيران وتركيا وسوريا! هذه أسئلة لا يظن أحد أنّها لم تخطر على بال هؤلاء الجنود ليس بالضرورة على نطاق واسع ومسموع وإنّما على مستوى دوائر اجتماعية تحظى بالثقة من جانبهم أو على مستوى فردي بامتدادات ذات أبعاد اجتماعية ملموسة. هذا ما نسميه في مجال علم الاجتماع بـ "الوعي المعرفي" الذي يشتمل على تنشيط العلاقة العضوية بين الجوانب العلمية والدينية والفلسفية والجمالية (شعر وأدب وفن وقصة) والسياسية والتشريعية وما إليها من جانب، والعوامل الاجتماعية والثقافية العامة لعموم المجتمع، من جانب آخر. فالمجتمع أشبه ما يكون بالمصنع الذي يقوم بتصنيع معارف الأفراد ومداركهم وأفكارهم ليقدمهم في النهاية كمنتجات قابلة للحياة. من هذا المنطلق، تعطي ردة الفعل التي عبرت عنها قوات الطرفين، قوات الحكومة الإتحادية وقوات الإقليم التابعة لأربيل أنّهما أكثر ارتباطاً ببعضهما البعض مما عبرت عنه موجة الغضب والحنق والتعصب الذي سمح البعض لنفسه للإفصاح عنها وبخاصة على مستوى اللقاءات الفردية والمجالس الخاصة ووسائل التواصل الاجتماعي. لقد ظهر من حطام الاختلاف والمعارضة التي صارت سمة شائعة للمجتمع العراقي أنّه أكثر تماسكاً وتداخلاً وتوحداً من كل البرامج والخطط والتوقعات المطلقة على عواهنها.
عموماً، ربّ ضارة نافعة. فها قد توحدت الكتل السياسية المتنافرة على الدوام في مجلس النواب العراقي من حيث الموقف من هذه الأزمة كما أعلنت الكتلتان الرئيسيتان الأكبر حجماً، التحالف الوطني وتحالف القوى العراقية في سابقة بعثت برسائل تطمين لعموم المواطنين مفادها الحرص على وحدة وسلامة العراق. وظهر أنّ لهذه الأزمة وجهاً آخر لم يكتف بجانبه السلبي، وإنّما هناك جانب آخر جلب "الأخوة الأعداء" إلى طاولة التفاهم للمحافظة على وحدة البلاد. منح الصراع العقلاء من الأطراف المعنية فرصة للبحث عن وسيلة أخرى بديلة لحل الإشكالات التي ستعاود الظهور لا محالة وتقدم فرصة جديدة لاختبار الإرادة الوطنية مما يجعل الاستثمار في تقوية وتدعيم الرابطة الوطنية أصحّ السياسات وأنفعها على المديين القريب والبعيد على السواء.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون