عام
2017/10/21 (21:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1020   -   العدد(4047)
وجوه الحب الثلاثون..من رأسي حتّى القدمين  إني مخلوقة للحب
وجوه الحب الثلاثون..من رأسي حتّى القدمين إني مخلوقة للحب


 علي حسين

|26|

كانت تتناول الطعام بصحبة المخرج جوزيف فون سترنبرغ، الذي قدّمت من خلاله أشهر أفلامها، وكانت تردّد كلما سألوها عنه : "عندما التقيت سترنبرغ في ألمانيا لم أكن شيئاً، لكنه صقل موهبتي فجعلني أعمل تحت إدارته وكرّس كل علمه وكل فنّه، وكل تجاربه وكل طاقته، ليجعل مني نجمة، لقد غيّرني كلياً". في تلك اللحظة تقدم منها رجل لم يتجاوز الأربعين من عمره ليقدم نفسه: "سيدتي، اتسمحين لي بتقديم نفسي، فأنا إيريك ماريا ريمارك".

 

كانت مارلين ديتريش تكره أن يدنو منها الغرباء، ودائماً ما تصد أناساً طفيليين يلهثون وراء نجمة شهيرة، لكن اسم ريماك ومظهره الساحر لفت نظرها.. تكتب في مذكراتها، تصف اللقاء الأول : "كدت أسقط عن مقعدي. هذا ما يحدث لي دائماً عندما التقي برجال شهيرين، مرموقين يتحدث العالم كله عنهم. أصاب دائماً بصدمة، إن هم وقفوا هناك شخصياً، بصورة مفاجئة أمامي".
مدّت له يدها وهي نتظر اليه بإعجاب ، دعته الى الانضمام الى مائدتهم، وبعد لحظات استأذن سترنبرغ لانشغاله بالتصوير وتركهما لوحدهما.
بعد سنوات سيكتب ريماك في يومياته عن هذا اللقاء: "تحدثنا حتى الفجر، كانت ليلةً رائعةً. نظرت إليّ وهي تقول : "عليّ أن اخبرك انني مزعجة جداً ، نَظرت إليها للتخفيف عنها وانا اقول : إنه أمر رائع، انني سعيد، فأنا أيضاً اصبح مزعجاً في الكثير من الأوقات، إذن يمكن أن نلتقي ثانية، فكل شيء ممكن".
بعدها بأيام وجدته يقف قبالتها ، كانت تجلس على الشاطئ، تقرأ بكتاب حين اقترب منها وألقى نظرة على الكتاب. قال وهو يبتسم: "أرى أنك تحبين الشعر"، كان الكتاب ديوان "أزهار الشر" لبودلير.
نظرت إليه وكأنها أدركت أنه يريد أن يقول هل تقرأ نجمة سينمائية لشاعر منبوذ وكئيب ؟ لم يدعها تتحدث، فقد بدا يتلو عليها إحدى قصائد بودلير:
" شبابي لم يكن سوى زوبعة قاتمة
اخترقته هنا وهناك الشموس اللامعة
فقد عبث المطر والرعد ببستاني
فلم يبقيا فيه إلا القليل من الثمار الذهبية
وها إن أفكاري قد بلغت خريفها
ولا بد لي من استعمال الرفش والمسلفة
لأعيد تنظيم هذه المزارع التي غمرتها المياه
وحفرت فيها حفراً واسعة كالقبور
من يدري إذا كانت هذه الأزهار الجديدة
التي كنت بها أحلم
ستجد في التربة المغسولة كالرمل
الغذاء الرمزي الذي يبعث فيها النشاط ".

****
آخر قصة حب
كان ريمارك المولود عام 1898، في ذروة مجده، اضطر لمغادرة ألمانيا، بسبب رسائل مجهولة تصله باستمرار تهدده بالموت، الحزب النازي يواصل صعوده بقوة، ريمارك مقتنع تماماً بأن هتلر سوف يتسلّم مقاليد السلطة الآن أو بعد سنوات، وستكون ألمانيا مهدّدة، يقرر السفر الى سويسرا، ليصبح أول أديب منفيّ. يصحو ذات يوم من عام 1933 على نشرات الاخبار تعلن تعيين أدولف هتلر بمنصب مستشار ألمانيا، وها هو عدوّه القديم غوبلز يؤدي اليمين وزيراً للدعاية. لايزال ريمارك يتذكر مقال غوبلز عنه، وطافت في ذهنه صور وزير دعاية هتلر عام 1930، وهو يقود مع رفاقه في برلين الهجوم بالقنابل على دار السينما التي عرضت الفيلم المقتبس من رواية "كل شيء هادئ في الميدان الغربي"، الأمر الذي دفع بالرقابة الى منع عرض الفيلم، كان هذا اول انتصار لغوبلز، والآن جاء الانتصار الثاني، فقد صدر قرار بمنع الرواية، وحرق جميع النسخ الموجودة منها، ولم ينته الأمر عند هذا الحد، فلابد من قرار جديد بسحب الجنسية من الكاتب الذي باع وطنه للأجانب، هكذا صدر الأمر بإمضاء أدولف هتلر، يكتب في يومياته: "كانت صدمة بالنسبة لي أن أغادر المانيا التي احتجتها لمدة أربع سنوات لأكمل كتاب الرفاق الثلاثة. كنت بدون وطن، كحيوان لايملك شيئاً يأكله"، حاول في سنوات الغربة أن يخفي آلامه النفسية بالبحث عن علاقات حب جديدة، هذا ما تتذكره مارلين ديتريش التي كتبت في مذكراتها: "كان في أعلى درجات الحزن، حساساً سريع التأثر تلك الميزة في شخصيته، أثرت بي كثيراً. غالباً ما كانت لديّ فرصة للتخفيف عن يأسه".
عندما بدأت قصة الحب بين مارلين ديتريش وايريك ريمارك، أكد لها أنها ستكون "آخر قصة حب من قصصه"، كانت مارلين ديتريش، من جانبها عاشت قصصاً غرامية شهيرة، اضافة الى المخرج سترنبرغ، الذي كان جزءاً من أسرتها، وكان هناك أيضاً جون غالبرت وغاري غرانت الذي ظلت تطارده حتى آخر يوم في حياته، وجون واين. وتتكرر العلاقات التي يصفها الشاعر آلن بوسكيه في كتابه "مارلين ديتريش: حب على الهاتف "ترجمه الى العربية محمد حنانيا بأنها علاقات لتعويض سني الحرمان التي عاشتها ديتريش في طفولتها ومراهقتها، فأسطورة التمثيل التي ولدت تحت اسم ماريا ماغدالينا ديتريش في برلين يوم 27 كانون الأول 1901، لأب كان ضابطاً في الشرطة. لكن الأب سرعان ما مات إثر أزمة قلبية، وكانت مارلين لا تزال طفلة، فتزوجت أمّها من ضابط في الجيش الألماني، سيموت لاحقاً على الجبهة أواخر أيام الحرب العالمية الأولى، فيما كانت الفتاة تكمل دراستها من دون أن تلفت نظر أحد، حقاً إذ كانت، كما ستقول لاحقاً في مذكراتها "نحيلة شاحبة وذات شعر طويل يضفي عليّ مسحة المرض".
في صباها الباكر، اهتمت بالقراءة وأرادت أن تدرس الموسيقى، لكن لم تكن تملك المال الكافي لكي تدفعه أجوراً للدراسة، فقررت الاتجاه للعمل في أحد المسارح: "الحاجة الى المال دفعتني الى ترك هوايتي الموسيقى، والاتجاه للعمل بأحد المسارح الصغيرة لأداء دور الكومبارس من اجل الحصول على مال لإعالة عائلتي، هناك اطلق عليّ اسم مارلين".
في العام 1922 مثلت لأوّل مرة في السينما في دور صغير أمام النجم الألماني إيميل جاننغز، الذي لم تثر اهتمامه، وسنراه بعد سبع سنوات يرفض أن تشاركه البطولة في فيلم "الملاك الأزرق" وكانت حجته أن "ردفيها صغيران"، لكن إصرار فون سترندبرغ، جعل جاننغز يرضخ في النهاية، وفي مذكراتها تكتب ديتريش أن "أحداً لم يكن يسعى الى هذه الممثلة الجديدة، لحظة تصوير الفيلم، وإن أحداً لم يكن يعرفها كممثلة، وإنه كان عليها القيام باختبارات الاداء كغيرها"، كان الممثل جانبنغر هو من اقنع المنتج بالتعامل مع سترندبرغ الذي كان آنذاك قد وقع في غرام مارلين ، فقرر أن يصنع منها أسطورة، وتتذكر مارلين، إنها ليلة الافتتاح كانت في طريقها الى الولايات المتحدة، لكنها علمت من خلال البرقيات التي تلقتها وهي على السفينة. أن نجاح الفيلم كان بسبب آدائها لشخصية، لولا تلك الفتاة التي كانت تعرض ساقيها بالغتي التناسق والجمال وهي تغني:
" إني من رأسي حتى القدمين
مخلوقة للحب
هناك هو عالمي".
وسترتبط مارلين بعلاقة حب مجنونة وعنيفة مع سترندبرغ الذي سيضعها في الصفوف الأولى من نجمات السينما، حيث راح يختار لها أدوارها بعناية المغنية تعشق الرجال في فيلم "مراكش"، جاسوسة في "اكسبرس شانغهاي" ثم "فينوس الشقراء" و"الأمبراطورة القرمزية" وصولاً الى الفيلم "الشيطان امرأة". كل هذه الأفلام استطاعت أن ترسخ صورة مارلين ديتريش، صاحبة الصوت المبحوح والساقين الطويلتين والنظرة الحالمة والتي قال عنها ارنست همنغواي بعد ان عاش معها قصة حب قصيرة: "لو إن مارلين لم تمتلك سوى صوتها، لكان في وسعها أن تحطم قلبك به. لكنها كانت تمتلك أيضاً جسداً جميلاً، وحباً كبيراً في وجهها وتقف خارج كل زمن".

****
كل شيء هادئ
في إحدى قرى الجنوب الألماني، وفي صيف العام 1898 استقبلت عائلة ماريا ريمارك مولودها الرابع، وكان هذه المرة ذكراً بعد ثلاث بنات، الأمر الذي دفع الجدّ أن يعلق آمالاً على حفيده، في أن يوصل تراث هذه العائلة المُحبة للمغامرة والرحلات. كان الجدّ قد طاف العالم كلّه، ضابطاً يعمل في البحرية الألمانية، لكن الأب لم يكن يحب المغامرات، فانتهى به الأمر أن يعمل مشرفاً على معمل للورق. لم تكن العائلة غنية، ولكنها كانت ميسورة الحال، قضت الأم حياتها على سرير المرض تشكو من مرض السل، وعلى امتداد فترة مرضها، كان على الابن الصغير أن لايقترب منها خشية أن تصيبه العدوى، مما دفع الأهل بأن يوكلون تربية الصبي الصغير الى جدّه المغامر، وبينما كانت الأم المريضة تفكر بأبنها ومستقبله، كان الجد يحاول أن يجعل من حفيده نسخة ثانية منه، فيما الأب تمنى لأبنه وظيفة مستقرة، معلم مثلاً، مهنة تعني له الأمان والضمان. كان كل شيء ينبئ بأن المصير الذي أعدّته العائلة لابنها سيتحقق لا محالة، إلا أن القدر كان يخفي ما لم يتوقعه أحد، فقد اندلعت الحرب العالمية الأولى، وكان على الشاب الذي لم يكمل دراسة مهنة التعليم أن يلتحق بالجيش ليُرسل الى الجبهة. هناك يعيش تجربة مريرة جداً، حيث يُجرح مرتين ويتخلص من الموت بأعجوبة. وعندما تنتهي الحرب، ويعود الجنود الى أهاليهم، يعود إريك ماريا ريمارك شخصاً آخر، لايشغله سوى موضوع واحد: مصير الإنسان وكيف يتخلص من مأساة الحرب. إنها الفكرة الوحيدة التي تسلطت عليه، وحين يعود الى مدينته ليمارس مهنة التدريس كانت أول محاضرة له بعنوان: "كيف نعيش في مجتمع لا نسمع فيه صفارات الإنذار"، الأمر الذي جعل مدير المدرسة يستدعيه ليوجه له إنذاراً شديد اللهجة بأن يترك الحديث عن الحرب، وينشغل بتدريس المادة المقررة. وبما إنه لم يكن سعيداً بهذه المهنة، فقد قرر أن يعمل في محل صديق له يبيع رخام القبور وتماثيل تذكارية للحرب، مهنة رتيبة، لكنه تغلب عليها بالتفرغ للقراءة، فقضى أوقاتاً ممتعة مع دستويفسكي وجيمس جويس وشكسبير، والتهم الإلياذه حتى إنه كان يحفظ منها مقاطع طويلة، وانغمس في قراءة اعمال توماس مان، وكانت عائلة بودنبروك تسحره، فكتب عنها مقالاً أرسله الى إحدى الصحف التي لم تنشره، فقرر أن يرسله بنفسه على عنوان توماس مان وكتب على المظروف: "الى أبينا في المعرفة، هذه الصفحات في تمجيد اعضاء عائلتك المقدسة اتمنى أن تطلع عليها"، ولم يصدق حين سلمه ساعي البريد بعد اسابيع مظروفاً كتب على غلافه بخط توماس مان: "الى السيد اريك ماريا ريمارك مع المودة".
كانت رسالة مان دافعاً له لأن يقرر التفرغ للكتابة، بدأ يرسل بعض كتاباته إلى الصحف والمجلات. صار يشعر بالملل من مهنة بيع شواهد القبور، فيقرر السفر الى برلين، وهناك يجد عملاً في صحيفة "الرياضة المصورة"، كل ما مطلوب منه هو أن يكتب تقارير عن ما يجري في حلبات الملاكمة، التي وجد فيها وجهاً "قذراً" آخر من وجوه الحرب الكريهة، لكن لا مفر، عليه أن يكتب ويحرر. وقد تعلق بمهنة الصحافة لأنه كان مقتنعاً أن حياته لا معنى لها من دون الورق، ورغم أن مهنة الصحافة في المانيا التي تعاني من أزمة اقتصادية خانقة، لم تكن تضمن له حياة مرفّهة مثلما كان يتمنى، لكنه هنا في برلين ذاق طعماً مختلفاً للحياة. كتب روايته الاولى "كل شيء هادئ في الميدان الغربي " – العنوان كما جاء في الترجمة العربية التي قامت بها دار الهلال بترجمة محمود مسعود - حاول أن يبعث بمخطوطتها الى إحدى دور النشر، لكن مصاريف البريد كانت عائقاً أمام طموحاته.

****
ليس لدى أحد سوى نفسي
لم يكن هناك شخصان يعانيان من الأسى والوحدة، ليرى كل واحد منهما أن حكايته اكثر بؤساً، اكثر من ريمارك ومارلين في اللحظة الأولى التي التقيا فيها. قالت لريمارك وهي تندب حظها :" ليس لدى أحد سوى نفسي، التي يمكن أن تسدي إلي النصح . لا استطيع ان اطلب النصح من أحد".
كانت آنذاك تعيش لحظة حرجة في حياتها فيلمها الجديد "الفارس بدون درع" احتل مرتبة متأخرة في شباك التذاكر، وكانت آنذاك تنتظر رجلاً جديداً يدخل حياتها، كانت قصة حبها التي استمرت ست سنوات مع سترندبرغ قد وصلت الى طريق مسدودة، كتب سترندبرغ رسالة إليها ليخبرها: " يبدو أن حكايتنا قد استنفدت مداها" في ذلك الوقت كان ريمارك على خلاف مع زوجته غوتا، ونجده يكتب في مذكراته: "لست سعيداً، ولست حزيناً، تتقاطع الذاكرة مع الحاضر. استطيع أن اكتب لو ملكت نفسي".
كانت غوتا إلس انغيبورغ ممثلة وراقصة، ونموذجاً من الأنوثة بالنسبة الى ريمارك، تقابلا في برلين، كانت اطول قليلاً من ريمارك، شقراء نحيلة، لها قامة وبنية تصلح كعارضة أزياء، يصفها ريمارك بأنها: "رقيقة، لكن بملامح هشّة واحساس داخلي بالغيرة من كل النساء".

****
زمن الحب
رواية ريمارك الجديدة التي أثار بها اسئلة عن المصير الإنساني والحرب والحب، وضع لها عنواناً "للحب وقت وللموت وقت"، حيث نجد بطل الرواية ايرنست غريبر، نشأ منذ صباه على العقيدة النازية، جندياً شاباً على الحدود الروسية، وهو مصاب بوهم متفاقم بفعل الأعمال الفظيعة التي شهدها، لكنه موزّع بين الواجب والضمير.
عاد من إجازة الى مدينته ليجدها مدمّرة، وبيته تحوّل الى أطلال، ووالديه مفقودين، وفي محاولة منه للبحث عنهما، يلتقي بمعلّمه القديم البروفيسور بولمان، الذي طرد من عمله بسبب مواقفه من الحرب، ويقول ارنست لمعلمه: "أود أن أعرف إلى أيّ حد انا متورط في جرائم الحرب، كما أود أن اعرف ما عليَّ أن أفعله". وفي هذه الأثناء يعثر على صديق طفولته الذي أرسل والده الى معسكر الاعتقال، بعدها يعود الى الجبهة ويطلب منه أن يطلق النار على عدد من الأسرى الروس، كان الضابط الألماني الذي طلب منه تنفيذ الأمر مصرّاً على أن يقوم ارتست بالمهمة، لكنه يرفض فيطلق النار على الضابط ويطلق سراح الأسرى الروس، وبينما كان الأسرى يهربون غير مصدّقين، أستل أحد الروس بندقية كان يخفيها وأطلق النار عليه وقتله.
كان ريمارك يتفاوض مع الناشرين حول روايته الجديدة ويعيش قصة حب عاصفة مع مارلين ديتريش التي طلبت منه الزواج، لكنه كان يتردد، ويشعر إنه إزاء امرأة تملك عواطف غاضبة، فهو كان على الرغم من شهرته، يرى في تصرفات مارلين وعلاقاتها أمراً غريباً، فهو من بيئة محافظة، وبرغم شهرته إلا أن تربيته ونشأته أقرب الى الرجل العادي منه الى أولئك الذين يبحثون عن علاقات عابرة، ولهذا اصبحت مداعبة مارلين للرجال وعبثها وسهراتها تشكّل عذاباً له، وتثير غيرته. وفي مذكراتها نجد ديتريش تتحدث عن صفات ريمارك، الرجل الذي لايحب النزوات كثيراً، ويعشق عمله، ويفضل الهدوء والخلوة على أجواء الصخب والحفلات، ولهذا نجده يحاول أحياناً الهرب من اجواء مارلين باستغراقه في العمل، متحاشياً أجواء شاطئ البحر، وحفلات الشراب الصاخبة.
وتكتب مارلين: "عندما يختفي بضعة أيام أقلق عليه، فأبحث عنه في كل الأماكن خشية أن يكون قد اعتقل أو رحل الى ألمانيا، إنه كاتب حسّاس، ورقيق جداً، لايعرف الكذب".
ذات يوم قالت له، إنها ترغب بأن تلبس خاتم زواج يشتريه لها، حتى وإن كان قد قرر أن لا يتزوجها.
قال لها وهو يبتسم : "انصحك أن تتزوجي ممثلاً مشهوراً، فأنا اقل شهرة منك، واخشى أن يكون زواجي منك لاستغلال اسمك".
صاحت فيه غاضبة:
- انت كاتب كبير ويمكن أن ترشدني الى الطريق الصحيح
- ولكنك ستزهقين مني ذات يوم
قالت له غاضبة: صحيح إنك كاتب كبير .. لكنك تجاه النساء تتحول إلى رجل غبي دائماً.
كانت مارلين ديتريش، تعتقد انها بحاجة الى رجل قوي الشخصية، مثل ريمارك، إلا إنها تشعر أن مجدها كامرأة وممثلة، يحتاج منها أن تعيش الحياة بكل التفاصيل، وإن غيرة الرجال يمكن أن تقف عثرة في طريقها.
كان ريمارك من جانبه يؤمن أن الحياة تتطلب اكثر من حب امرأة، انها نضال في سبيل الخلاص من الظلم والعتمة والحروب، في روايته "للحب وقت وللموت وقت" يؤكد ريمارك، إن الحب هو قدر الانسان، بشرط أن لايتورط كثيراً في الحروب، قرر هتلر أن يحرق كتب ريمارك في ساحة عامّة، مثلما قرر أن يرسل وفداً الى مارلين ديتريش يقنعها في العودة الى وطنها ألمانيا وستكون النجمة الأولى، وحين ترفض يصدر قراراً بمنع أفلامها، فتقرر أن تقف بقوة ضد النازيين، وكان ذلك خلال تنقلها بين باريس وهوليوود، لتقوم بجولات فنية لرفع معنويات جيوش الحلفاء كما سجلت نصوصاً دعائية بالألمانية ضد هتلر، وهذا ما لن يغفره لها النازيون،
يقف الفن الحقيقي، ضد الظلم والعنف، وضد أيّ نوع من الوحشية. إنّ الفن، هو تمرّد. يحذّر لناس ضدّ الأكاذيب، والقمع، والحروب التي لا معنى لها ولا تنتهي أبداً، وجميع أشكال الشرّ.. كتب ريمارك رواية "للحب وقت وللموت وقت" لتبقى تروي لنا حكاية الفنان والأديب وهو يقف ضد الظلم ويحارب بقوة توحش الحروب ويفضح جرائمها .
في 1969 تتلقى مارلين مكالمة تخبرها أن ريمارك في وضع صحي سيئ ، تصر على أن تتحدث معه ورغم تعبه قال لها : "ليس بوسعك أن تفعلي شيئاً، لايستطيع أحد أن يساعدني. "كانت تلك آخر كلمات تسمعها منه، لكنها أصرّت على أن ترسل له الزهور كل يوم وكذلك البرقيات، في أيلول من عام 1970 توفي ريمارك، وترفض مارلين الذهاب الى جنازته، تقول لأحد اصدقائها: " لو أنني لم اكن عنيدة، لكنت اليوم الى جواره، أودعه الوداع الأخير "بعدها دخلت الى غرفتها لتغلق الباب عليها وتمتنع عن لقاء أي شخص، إنها في حالة حداد كاملة.. فقد رحل الشخص الوحيد الذي أحبته بصدق".



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون