آراء وافكار
2017/10/23 (21:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1014   -   العدد(4049)
الدولةغير المُكتملةأو اللادولة..الفشل في إنشاءسردية للهويات والذاكرةالمؤسسة للمخيال السياسي العراقي
الدولةغير المُكتملةأو اللادولة..الفشل في إنشاءسردية للهويات والذاكرةالمؤسسة للمخيال السياسي العراقي


 يوسف محسن

|      (1-3)      |

 

هل يمكن جمع خليط من القوميات والإثنيات والطوائف والملل لها تأريخها الخاص وأنساقها الثقافية وذاكرتها السياسية الجماعية وأساطيرها وشهداؤها الكازرمين في كيان سياسي واحد لخلق شعب متجانس في الخصوصيات والهويات؟
هل استطاعت النخب السياسية العراقية أن تؤسس محددات ثقافية واقتصادية وسياسية وأسطورية للمخيال السياسي والذاكرة العراقية؟ (الأسطورة هنا ليس بالمعنى النابي، وإنما بوصفها منظومة رمزية – سياسية مبنية بواسطة خطابات موحدة قادرة على التعبئة الاجتماعية، أي توصيف الأفراد الفاعلين الاجتماعيين من أجل العمل الاجتماعي والتنمية البشرية)

الملك : كشف حساب سوسيولوجي
يطرح الملك فيصل الأول مؤسس الدولة العراقية الحديثة (1885- 1933) في مذكرة سريّة العام 1932 (لايوجد في العراق شعب عراقي بعد، بل توجد تكتلات بشرية خيالية، خالية من أية فكرة وطنية متشبعة بتقاليد وأباطيل دينية لايجمع بينهم جامعة) ويرى أن البلاد العراقية هي من جملة البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية (الوحدة الفكرية والملية والدينية). وعلى الرغم من محاولات النخب الملكية العراقية تجاوز هذه المشكلة عبر إشراك العناصر غير العربية في قيادة الدولة العراقية، إلا أنها فشلت في خلق ذاكرة وهوية مشتركة وذلك لسببين كما يحدد ذلك سليم مطر في (الذات الجريحة).
1- تداخل المشكلة القومية مع المشكلة الطائفية والدينية، لأن النخبة الملكية ورثت عن الدولة العثمانية مشكلة التكوين الطائفي للنخب الحاكمة، فلم يكن هدف النخب الملكية توحيد مختلف العناصر العراقية على أساس التنوع اللغوي أو الاقليمي، بل على أساس التكوين الطائفي، ما أدى الى عزل العناصر الشيعية والتركمانية والكردية (الفيلية) وقد استمرت آليات العزل السياسي في عصر الجمهوريات العسكرتارية.
2- بروز تيار قومي (الحركة القومية العربية) منذ الخمسينيات واستحواذه على السلطة السياسية منذ ستينات القرن الماضي، لذا مارس سياسة عنصرية ضد الأقوام غير العربية (الكرد، التركمان، الآشوريين، الايزيدية، المسيحيين السريان).

عصيان تكون الدولة
إنّ العراق لايمثل حالة منفردة من حيث التنوع القومي أو الطائفي أو الإثني، وهو أقل تنوع من أمم أخرى، اضافة الى ذلك إن التماثلات اللغوية أو العرقية أو الدينية أو الطائفية، لاتقدم عبر ذاتها ضمانات لوحدة دولة ما واستمرارها. الذي حصل في العراق هو عدم توفر الاشتراطات التأريخية لقيام دولة حديثة، وهذه المسألة لاتكمن في التكوينات الاجتماعية أو أنها دولة نشأت عبر تأثيرات سياسية أو كونها حديثة التكوين، وإنما المسألة وجود ازمة بنيوية سياسية نشأت مع وصول المؤسسة العسكرية الى السلطة السياسية وتفاقمت مع صعود انقلاب العام 1968 ذي الأبعاد التهميشية القومية الفاشية (تهميش العرب الشيعة والكرد والتركمان والآشوريين والايزيدية والعرب السنّة من المنحدرات الحضرية، الموصل، بغداد، البصرة).
ومن ثم إنّ ظهور هذه الدولة القومية الشمولية في أحد أطوار التأريخ السياسي للعراق نتيجة لأزمة تشكيل نظام البنى التاريخية ومحيط جغرافي سياسي ضاغط، إضافة الى ازمات اليسار العراقي التقليدي وعدم تكون الطبقة البرجوازية الوطنية وصعود الفئات الريفية بايديولوجيتها القومية الرثّة والتي تتسم بالنزاعات الشوفينية. انتج بناء دولة توتاليتارية تلغي الاختلاف والتعدد والتنوع القومي والإثني والطائفي وتمارس العنف والاقصاء للجماعات المختلفة (الدينية والسياسية) هذه الدولة ولدت من رحم الوسط العلماني القومي، تقوم بنيتها على حاكمية الحزب الواحد والاستبداد والتفرد واحتكار آليات العنف وايديولوجية قومية ومؤسسات العشيرة (ماقبل الدولة).

فشل تآكل الولاءات
يطرح حنا بطاطو فرضية في غاية الأهمية حيث يقول: إن التوجهات القومية للدولة في حقبة ما قبل البعث، استطاعت أن تتعايش مع الولاءات القديمة (الولاءات الطائفية والقومية والدينية..) آنذاك وتعمل على تآكل وتفتيت تلك الولاءات. هذه الفرضية أثبتت عقمها في تأريخية الدولة العراقية الحديثة خلال اصطدامها مع مفهوم العصرنة وإعادة بناء الأمة- الدولة، سواء كان ذلك في حقبة الجمهوريات أو الدولة الفاشية البدوية.

اللوياثان البعثي أو شيطنة التأريخ
إذ استطاع حزب البعث العراقي الهيمنة على السلطة السياسية في تشكيلة اجتماعية- اقتصادية مفككة ونظام الدولة يقوم على احتكار السلطة للزعامات الفردية ونمو العنف السياسي. أمام هذا النسق التاريخي للمجتمع العراقي، بدأت الدولة القومية بقيادة البعث العراقي بتخطي الشكل التقليدي وصياغة تشكيلة جديدة تتطامن مع التأطيرات القانونية والوظائفية للدولة البعثية. حيث تم دمج مؤسسات الحزب والدولة في كيان واحد يرمز الى الهوية السياسية ومع انهيار الزعامة القومية الناصرية وارتفاع اسعار البترول العام 1973 نتيجة أزمة الطاقة، تمكنت الدولة البعثية العراقية من صناعة نظام مركزي صارم يستند الى شبكة معقدة من نظام القرابات والروابط القبلية والجيش ومؤسسات الشرطة والأمن الوطني والدمج القسري للهويات الفرعية.
استطاع هذا النموذج للدولة في صوره الأولية، أن يحقق الهيمنة والسيطرة الشاملة على المجالات الاقتصادية والسياسية والثقافية وتنفيذ سلسلة من الاجراءات حسبت من قبل اليسار العراقي بوصفها المسار الحقيقي للاشتراكية (الإصلاح الزراعي. تأميم الثروات الريعية) وبسبب أزمة التكوين المجتمعي للمجتمع العراقي منذ عشرينات القرن الماضي، لم تستطع الجماعات العراقية ان تبلور تنظيماً مؤسساتياً سياسياً قادراً، على تحجيم الدولة الشمولية القومية، فضلاً عن قوة الدولة الريعية وهشاشة الطبقة الوسطى العراقية وعدم وضوح مشروعها الفكري، اتسعت الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية للدولة الفاشية العراقية ونمو النزاعات العدوانية العسكرية واستخدام سياسة الاقصاء والاستبعاد للتنوعات الثقافية واحتكار السلطة. بعد انهيار الكتلة السوفييتية دخلت الدولة الوطنية العراقية في الطور الأخير من أزماتها الدورية، وبخاصة بعد تبلور ايديولوجية التوسع الرأسمالي النيوليبرالي، اذ تم تفكيك الدولة العراقية العام 2003 وبداية عصر الهيمنة المركزية للسلطة السياسية.
التلاعب الايديولوجي بالماضي
خلال الحقبة البعثية 1963 – 2003 مارست الدولة بكل مؤسساتها التلاعب الثقافي من خلال السيطرة على الذاكرة التأريخية ومحاولة خلق التوازن بين القمع الخارجي والقمع الداخلي. حيث سعت الى احياء الاحداث المعاصرة ولكنها ركزت بشكل أساس على حقبة ماقبل الحداثة، وخصوصاً فترات الامبراطورية العباسية وحضارات بلاد ما بين النهرين القديمة والمجتمع العربي في العصر الجاهلي (الأصح علمياً ما قبل الإسلام). فمنذ نهايات سبعينات القرن الماضي، اطلق صدام حسين مشروعاً رسمياً لإعادة كتابة التأريخ واعادة (قومنة) التراث الثقافي. حيث تم تخصيص موارد مالية ضخمة لنشر المقالات والكتب واحياء التراث الفلكلوري وتوسيع البحث الأثري وتشييد النصب وتكليف الفنانين بإقامة التماثيل وتنظيم المؤتمرات الدولية والاقليمية بخصوص تراث العراق الحضاري، وتم تجنيد المثقفين والكتّاب والمفكرين العرب والأجانب، للكتابة حول هذا المسألة، حيث استطاعت الدولة البعثية إعادة انتاج الأساطير كوسيلة للهيمنة السياسية وخاصة في فترة الكوارث الوطنية كالحرب العراقية – الإيرانية 1980 – 1988 وحرب الخليج 1991 والانتفاضة العراقية وتبرير القمع الوحشي لعرب الجنوب والكرد في الشمال ضمن منظورات قومية شوفينية فاشية.
مع العلم إن الدولة التوتاليتارية البعثية، قامت على بنية سياسية معقدة ومركبة. حيث شيّدت نظاماً متشابكاً من البنى القرابية والايديولوجية الريعية والحزب الجماهيري الواحد والاقتصاد المركزي المخطط والهيمنة على وسائل الإعلام والجيش والأجهزة البوليسية (مخابرات، أمن وطني، استخبارات) إضافة الى التلاعب بالمؤسسات الاجتماعية التقليدية الأهلية وسيطرة نظام العصبية السياسية، مما منح هذه الدولة درجة عالية من الضبط والقسوة الجامحة وصلت الى مرحلة الإبادات الجماعية للمكونات الدينية والقومية المناوئة.

المأتم الجنائزي العراقي
فالمسألة العراقية تؤرخ للانهيارات التأريخية المستمرة (للدولة الدستورية الدولة العسكرية، دولة الحزب الواحد، دولة الاستعارة الديمقراطية التي تعد خليطاً من عناصر اللادولة والقبائل والطوائف والملل) وهنا تكمن هزيمة الاستعارة المستعادة أمام خطاب النخب السياسية لصعوبة الامساك بمصدر الاسطورة أو البحث عن تأطيرات مرجعية – تاريخية نتيجة الترقيعات والتحويرات التي طالت (المأتم الجنائزي العراقي) في تأريخه الحديث، حيث إن هذه التحويرات تطول الذاكرة الشعبية لكون تأريخ المجتمع يعمل وفق انساق بنيوية خارج الإرادات الذاتية للأفراد، وفي هذا الحقل تكمن ديناميكات النزاع الآن في العراق تتطلب العودة الى قراءة السرديات الكبرى التأريخية للدولة الوطنية العراقية حتى الانهيار الشامل تتوصل الى فهم المنحى السياسي للحقل الايديولوجي العراقي (تفكك اليسار التقليدي، السبات المستديم للتيارات الليبرالية، نمو وتبلور الاصوليات الدينية بوصفها أزمة اجتماعية شاملة وتشكل الهويات الفرعية القومية والعرقية وظهور الطائفية السياسية العراقية التي تتناسل نتيجة استمرار اشتغال نظام البنى التقليدية وأزمة تبلور مؤسسات الدولة الحديثة وهيمنة الرموز الأسطورية في الفكر السياسي العراقي الجديد).



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون