المزيد...
آراء وافكار
2017/10/25 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 647   -   العدد(4050)
قضية للمناقشة: الشهداء غاضبون
قضية للمناقشة: الشهداء غاضبون


 فريدة النقاش

الشهداء بالقطع غاضبون، ولن يزيل غضبهم هذا، ولن يضمد الجراح العميقة في قلوب أحبائهم المقربين بل وقلوب المصريين كافة هذه الإشادة الفجّة ببطولاتهم وبطولات من سبقوهم ومن سوف يلحقون بهم، ولن يخفف الخطاب الإعلامي عالي الصوت والزائف هذا الألم القاسي الذي أصاب الجميع بعد مجزرة الواحات، بل إنه ربما يضاعف هذا الألم، لا فحسب بسبب التضارب ونقص المعلومات، ولكن لأن القاسم المشترك الأعظم بين غالبية الشهادات والتحليلات الجادة القليلة يقول إن هناك قصوراً شديداً في الإعداد وفي الرصد لأماكن تمركز الإرهابيين وتسليحهم وأعدادهم وهو ما مكّنهم من ارتكاب هذه المجزرة بسلاسة، ومن قبل هذه المجزرة وقعت على مدى السنوات الأربع الفائتة أخطاء أمنية فادحة، إذ تكررت المواجهات بنفس الطريقة التي وصفها محللون عسكريون بالعشوائية .
وحين ننظر إلى الصورة الكلية للوضع في مصر، سوف يتبيّن لنا أن ما حدث في الواحات هو بعض حصاد مركز ومأساوي لأوضاع اجتماعية واقتصادية، سياسية وثقافية متردية التي أنتجت ما نحن فيه منذ اندلاع الموجة الأولى من الثورة عام 2011 قد راجعنا كل أوضاعنا وعالجنا كل أشكال القصور، بل التدهور في حياتنا من كل زواياها وهي التي تراكمت مفاسدها لتنتج الانفجار الثوري الهائل في البلاد .
ولكن ما حدث جاء على العكس تماماً، فأصبح الوضع البائس أشد بؤساً، فجرى إعادة إنتاج كل ما كان قائماً قبل الموجة الثورية الأولى من فساد واستبداد، وتوحشت البيروقراطية في تجذير كل أشكال الانهيار الإداري والأخلاقي من رشى ومحسوبية وزبائنية واحتقار للفقراء وكأنها تنتقم من الشعب الذي تجرأ على " أسياده" كما يقولون ويمارسون .
وإزداد من جهة أخرى الانقسام الطبقي في البلاد ، وأصبح أشد عنفاً، وهو ما تجلّى كأوضح ما يكون في تدهور مستوى معيشة الطبقات الشعبية والموظفين وصغار التجار، حيث إنهارت الطبقة الوسطى على كل المستويات، بينما راكم أصحاب رؤوس الأموال مزيداً من المليارات عبر استنزاف موارد البلاد وعرق الكادحين الذين دفعوا وحدهم فاتورة الليبرالية الجديدة أو الرأسمالية المتوحشة بتعبير الاقتصاديين، كما دفعوا إضافياً ووحدهم أيضاً، ثمن ما يسمّى بالإصلاح الاقتصادي الذي أنتج المزيد من الفقر .
كذلك انقسمت الخدمات الاجتماعية التي تقدمها الدول الرأسمالية بشكل متساوٍ لكل مواطنيها، ولكن لأن الرأسمالية التي تحكمنا هي رأسمالية بدائية أدت سياساتها والترتيب المختل لأولوياتها إلى أن احتلت مصر الموقع (134) في جودة التعليم من (138) دولة و(112) في التعليم العالي، وفي حرية الصحافة (159) من (180) دولة، بينما حجبت السلطات (430) موقعاً على الإنترنت، وهي لا تدرك أولاً تريد أن تعترف بأن ثورة الاتصال التي تتطور بسرعة فائقة قدمت بدائل للشباب الذي يتطلع إلى التعبير عن نفسه بحرية، ويتطلع أكثر لمعرفة الأخبار الحقيقية لبلاده في ظل الرقابة الضمنية ولكن الصارمة على الإعلام الوطني .
وفشل الصحافيون والمثقفون على مدى سنوات في زحزحة الموقف الحكومي الذي يصادر الحصول على المعلومات، وقدمت جهات عدّة مشروعات قوانين لحرية الحصول على المعلومات وتداولها اتساقاً مع الدعوة الحكومية للشفافية، وقد أطلقت الحكومة هذه الدعوة ومارست كل ما هو ضدها على طول الخط وصولاً إلى هذا الغموض حول ما حدث في الواحات.
وأصبح التعليم في البلاد منقسماً بين تعليم للفقراء لا يعلم شيئا ، وتعليم للأغنياء يحتاج بشدة إلى رؤية نقدية متكاملة، لأنه ينتج في الغالب مواطنين دون انتماء لبلادهم، فضلاً عن انقسامه بين تعليم فرنسي وأمريكي وإنكليزي وألماني وياباني وهلم جرا، إضافة للانقسام الآخر بين ديني ومدني .
ولم يعد المرضى من المصريين ـ وهم بالملايين ـ قادرين على الحصول على العلاج المناسب لأمراضهم التي تزايدت، ومشاهد البؤس والألم أمام المستشفيات توجع القلب .
ونكون مخطئين خطأ فادحاً، إذا ما تصورنا أن مثل هذه الخلفية المجتمعية يمكن أن تنتج شيئاً مختلفاً في مواجهتنا للإرهاب الذي توحش سواء على حدود مصر، أو في الوادي، ولايزال قادرا بسبب الأوضاع الداخلية والغضب المتزايد في أوساط الفقراء ـ ناهيك عن الشهداء ـ على جذب شبان جدد إلى صفوفه، ويزيد من هذه الحالة تفاقماً تلك المسافة التي تزداد اتساعاً بين الخطاب الحكومي الذي يرى أن معركتنا مع الإرهاب ليست أمنية وعسكرية فقط، وإنما هي منظومة متكاملة، ولكن الممارسة تدلنا على أن الرؤية الأمنية وحدها هي السائدة ، وياليتها صائبة دائماً .
رحم الله شهداءنا الذين يحق لهم أن يغضبوا فتتضاعف آلامنا، وهم يدعوننا إلى أن ننظر بعين ناقدة لواقعنا.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون