الاعمدة
2017/10/24 (21:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1404   -   العدد(4050)
منطقة محررة
كارافاجيو المتمرد
نجم والي




لمعرفة التطور الذي شهده تاريخ الفن في أوروبا والعالم، يكفي التفكير بالخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء في العالم والذي جاء فيه، أن أكثر من خمس مئة شخص من القرية التي جاء منها الرسام الإيطالي كارافجيو، والذي يحملون الإسم العائلي ذاته، أعطوا عينات من لعابهم للدوائر الطبية في إقليم بولونيا في إيطاليا، وهم لم يفعلوا ذلك للحصول على منفعة مادية في حالة ثبوت صلة قرابة بأحد عمالقة الرسم في تاريخ الرسم في إيطاليا والعالم، بل فعلوا ذلك أكثر لكي يساعدوا المختصين بتاريخ الفن على التأكد بأن الجثة التي عثروا عليها قبل فترة قريبة، تعود بالفعل لكارافاجيو، وربما لمعرفة أيضاً الأسباب الحقيقية التي أدت إلى موته، السلطات الإيطالية لجأت إلى ذلك مضطرة لأن الفنان الذي مر أكثر من أربعة قرون على وفاته لم يتزوج ولم يترك ذرية وراءه، فضلاً عن ميله المعروف للجنسية المثلية.القصة تلك هي دليل آخر على تصاعد الإهتمام بكارافاجيو وهي حلقة واحدة من حلقات أخرى مفقودة لها علاقة بشخصيته التي تشغل مؤرخي ونقاد الفن. وبقدر ما كان من الصعب على أحد في مكان ما في العالم الإدعاء بأنه يجهل معرفة الرسام، النحات والمخترع..و..و.. الإيطالي ميخائيل أنجيلو، فإن من غير الممكن اليوم على من له علاقة حتى وإن كانت بعيدة بتاريخ الفن، الإدعاء بأنه لا يعرف الفنان، القاتل والرسام المعاصر مبكراً: كارافاجيو.ولمعرفة تصاعد الإحتفاء غير العادي بكارافاجيو في السنوات الأخيرة، على المرء تصفح المقالات والبحوث الخاصة به والتي تزدحم بها الصحف المشهورة في العالم، لدرجة أن المرء يكتشف بأن القيمة الشعبية للرسام هي بتصاعد دائم. بل يتعدى ذلك إلى الأعمال الإبداعية التي أنجزت عنه في مجالات أخرى. شخصية كارافاجيو تحولت في العقود الثلاثة الأخيرة إلى مادة أو ثيمة إعتمدت عليها روايات وأفلام عديدة، وحتى اليوم لم تتوقف الموجة. شخصياً ما أزال أتذكر الفلم الإنكليزي البارع الذي شاهدته عام 1986 في إحدى صالات السينما في مدينة هامبورغ في ألمانيا. الفلم الذي أخرجه المخرج البريطاني ديريك جارمان والذي تناول حياة رسام عصر الباروك، كان خليطاً متقناً وعبقرياً حوى الكثير من الجنس والجريمة والثقافة العالية، وهو هذا الفلم في الحقيقة الذي شجع في النهاية علماء الآثار في جامعة بولونيا ورافينا الإيطاليتين بأن يشرعوا برحلة بحث من أجل العثور على جثة الرسام الذي مات في عام 1610 في بورتو أيكولو.ترى ما هو سر هذا النجاح الذي بدأ يتراكم منذ أكثر من ثلاثة عقود؟ هل لأنه إنطلق في إبداعه الفني من الثورة على التقاليد، حتى تحول إلى الفنان اللامنتمي المتمرد على كل التقاليد وعلى مر العصور، بلا منازع، بالضبط كما أراده مؤرخو الفن المعاصرون؟ البعض قارنه بتشي غيفارا الأكاديميين، نموذج لرغبات البعض بالعثور على فنان أكثر تمرداً من رسام شغل العالم ويشغلها حتى اليوم ايضاً، ميخائيل أنجيلو، الذي عُرف عنه علاقاته الجيدة مع الكنيسة ومع طبقة النبلاء في عصره.اللوحات التي رسمها كارافاجيو غذت هذا التفسير، والتي جمعها أسلوب واحد: إختلافها عن عصرها بتكنيكها وبطريقة تنفيذها، أمران ميزا الرسام  عن بقية زملائه في عصر الباروك.ليس من الغريب أن شعبية الرسام المتصاعدة تأتي أيضاً من الإعجاب الذي تثيره شخصيته المحطمة للتابوات، المتمردة على القواعد التي عرفها مجتمعه. فإذا كان في الماضي شرط الإبداع هو التمتع بسيرة حياة فاضلة من أجل إنتاج أعمال فنية ناجحة، فإن الأمر إختلف منذ القرن التاسع عشر، لقد أصبح شرط الإبداع العكس تماماً. كلما سقط الفنان في الهاوية، كلما كان عمله الفني أكثر صدقاً وقرباً من الحياة. ذلك ما عرفناه من روائي "مقامر" دوستويفسكي، ومن قس "متمرد" تولستوي، وذلك ما علمنا إياه صبي صعد إلى "مركب سكران" آرثر رامبو.وكارافاجيو؟ من أجل رسم مريم المجدلية جلب كارافاجيو عاهرة من الشارع، ولكي يرسم القديس يوهانيس جلب صبياً يعيش في الشارع، فأية سمعة كان سيحصل عليها في زمننا، لو  رسم الإثنان كما صورهما الرسامون قبله على جدران الكنائس؟الرسام الملعون يتحول إلى معبود الجماهير. طوابير الزوار المنتظرين عند مدخل متحف نوفيجنتو في مدينة ميلانو تقول ذلك. فلكي أنجح في زيارة المعرض السبت الماضي كان عليّ حجر تذكرة قبل اسبوع.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون