آراء وافكار
2017/10/26 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 724   -   العدد(4051)
ولماذا الغفلة عن أهم الأرصدة؟
ولماذا الغفلة عن أهم الأرصدة؟


 حسين الصدر

-1-
يتصدر قائمةَ الأولويات عند الكثرة الكاثرة من الناس، موضوع (الرصيد المالي) انطلاقاً من مقولة معروفة تشير إلى انّ (المال عصب الحياة).

-2-
ولا يستطيع أحدٌ أنْ يُنكر أهمية الرصيد المالي باعتباره الوسيلة التي يتوصل بها إلى اشباع الحاجات الحياتية ومختلف الشؤون الأخرى...
ولكن هل يصح اغماض النظر عن أهمية الأرصدة الأخرى ؟
إنَّ الانسان ليس كتلةً من اللحم والدم فقط، إنَّ له عقلاً وروحاً أيضاً
ومعنى ذلك :
إنّ هناك أرصدةً أخرى بالغة الأهمية.
منها الرصيد الروحي،
والرصيد الفكري والعلمي والمعرفي،
والرصيد الثقافي،
والرصيد الاجتماعي والإنساني،
والرصيد الأخلاقي،
إنّ ذات الانسان تميّزت على باقي المخلوقات بإشراقاتهاالروحية، وعطاءاتها الأخلاقية والإنسانية وانجازاتها الفكرية والعلمية ..
أما قوة الجسد عند الإنسان، فهي لا تبلغ على الإطلاق ما بلغتْهُ الحيوانات المفترسة !!
وبكلمة مختصرة :
إنّ الرصيد المالي الضخم - الكاشف عن ترسانة مذهلة من الأصفار المرصوفة على اليمين - لا تجعل من صاحب ذلك الرصيد شخصية استثنائية في التاريخ، اذا لم يترجم ثروته المالية الى مشاريع ومؤسسات تفيد منها الإنسانية، وتعود بالمردودات الايجابية على الناس، وفي كل عصر ومصر هناك ورثة (لقارون).
وكلٌّ منهم منبوذٌ ملعون ..
ولعلَّ الشاعر العربي أدرك أهمية التلازم بين الرصيد المالي والرصيد الإيماني والأخلاقي حين قال :
ما أحسنَ الدينَ والدنيا اذا اجتمعا
وأقبحَ الكفرَ والإفلاس في الرجلِ
فالمقصود بالدنيا هنا :
الثروة والإمكانات المالية التي تتناغم مع ما يدعو اليه (الدين) مِنْ انفاقٍ في وجوه البر والخدمة الإنسانية .
وعندها لن يكون (الإفلاس) – وهو الحرمان من هذه القدرة على الريادة في مضامير البر والإحسان – إلاّ شيئاً مساوقاً للكفر ..!!

-3-
إنّ للمال في الإسلام وظيفةً اجتماعية لا يسوغ بأي حال من الأحوال أن نغفل عنها
قال تعالى :
}ولا تؤتوا السفهاء أموالَكمُ {.
إن السفهاء هم اصحاب الأموال ولكنهم لسفاهتهم يحجرعليهم، ذلك انّهم يبددون أموالهم التي لابُدَّ للمجتمع أنْ ينتفع منها، عبر المشاريع النافعة والإنفاق الرشيد ...
وقد جاء التعبير القرآني عن (أموالهم) بـ (أموالكم) الأمر الذي نفهم منه الوظيفة الاجتماعية المناطة بالمال .
-4-
إن الأرقام الفلكية المودعة في أكبر المصارف الدولية لا تعدلُ قطرةً من دم (جون)، الشهيد يوم الطفّ مع أبي الأحرار وسيد الشهداء الإمام الحسين (ع).
إنه آثر أن يبقى مع الحسين مجاهداً، يذود عنه حتى نفسه الأخير، مع أنَّ الإمام الحسين (ع) أذن له بمفارقته والرحيل عن كربلاء قبل المعركة.
هنا برز (الرصيد الإيماني) العالي الذي أدخل (جون) في قافلة الشهداء الخالدين في دفاعهم عن الإسلام وعن أهل البيت (عليهم السلام)، وبرز (الرصيد الأخلاقي) الذي أبى إلّا أن يجسد مفاهيم (الوفاء) وأبى أن يخذل الإمام الحسين وقت الشدّة.
ويبرز (الرصيد الإنساني) من خلال مشهد العشق الحسيني الذي هو في حقيقته محض الإيمان ...
وأين من (جون) كبار الأغنياء والأثرياء الذي ماتوا فما تَذِكْرُهم ولم ينتطح بشأنهم عنزان ..!!
هذه حقيقة الرصيد الفريد لِـ (جُون) وخلفياتِه الرسالية والأخلاقية والإنسانية ...
وما يقال في (جون) يُقال في سائر العظماء من شهداء العقيدة، وفي طليعتهم شهداء الطف، والذين لم ينقطع تواصلهم عبر امتداد الأيام.
وما مواقف الإمام الشهيد السيد محمد باقر الصدر – رضوان الله عليه – وشقيقته العالمة المجاهدة (بنت الهدى) من الدكتاتورية الظالمة الغاشمة المقبورة إلّا الامتداد الحقيقي ليوم الطف .
قال كاتب السطور – في إحدى مرثياته للفاتح الرسالي العظيم بدمه وَقَلَمِهِ الإمام الشهيد الصدر :
كتبتَ لكنْ بزكيّ الدماءْ
ملحمةً فصولها كربلاءْ
تناغمت والطفّ في روحها
وضارَعَتْهُ بالندى والنداءْ
أجواؤه اجواؤها والهدى
بُطولةٌ تعشق طعمَ العناءْ
إلى الحسينِ السبطِ تُنمى دماً
وطابَ من ثورتِكَ الانتماءْ
وكبّر المجد لها هاتفاً
إنَّ لواءَ الصدر نفسُ اللواءْ
وما قيمة الأرصدة المالية الفخمة إزاء هذا الرصيد العالي من الشمم والبسالة والنكران والتقدم بخطى ثابته نحو الشهادة لإزاحة الكوابيس عن الدين والشعب والوطن ...
إن كوابيس الظلم والانحراف والاستبداد والاستئثار، هي أبشع الكوابيس التي عاناها الشعب العراقي المظلوم في الحقبة الصدامية البائدة .
وتتواصل قوافل الشهداء الأبطال في منازلاتهم الساخنة (للدواعش) التكفيريين، وقد كتبوا بدمائهم الزكية قصة الانتصار في الموصل وتلعفر والحويجة ...
ولا نريد الاطناب، فالحديث متشعّب الأبواب، وباختصار نقول :
إنّ الرصيد المالي لا يصلح أن يكون غايةً بنفسه، إذ لا قيمة له بمعزل عما يجب أن يقترن به من الأرصدة الروحية والأخلاقية والإنسانية ...
وإنه لغَبْنٌ كبير للنفس أنْ تسخّر كلّ الإمكانات والفرص المتاحة لها مِنْ أَجْلِ المال وحده، بعيداً عن تزيين صفحات العمر بألوان مشرفة من العطاء والإنجاز في شتى الميادين والحقول علميّاً وثقافياً وأدبياً وإنسانياً واجتماعياً .
أما الرصيد السياسي فهو حجم الخدمة التي تُقدّم للدين والشعب والوطن، لا الأموال التي تُصطاد بكل الوسائل وتُودع في المصارف الأجنبية ..!!
إن الهوة اليوم بعيدة بين السلطويين وبين المواطنين العراقيين ....
ومعنى ذلك :
إنهم مفلسون سياسياً وإن كانوا يمتلكون من الأموال الشيء الكثير..!!
إنهم الخاسرون وإنّ أصحاب الأرصدة المعنوية هم الفائزون .



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون