المزيد...
آراء وافكار
2017/10/27 (21:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1045   -   العدد(4052)
الحسين منهجنا لبناء المواطن والوطن
الحسين منهجنا لبناء المواطن والوطن


 د. قاسم حسين صالح *

الكاتب البريطاني (باترك كوكبورن) معني كثيراً بالشأن العراقي وله ثلاثة كتب عن تاريخ العراق الحديث. في العام 2013 كان يتمشّى في شوارع بغداد ومنها بعث لصحيفة الاندبندنت مقالة بعنوان: (كيف تحولت بغداد الى مدينة للفساد)، جاء فيها: (احسست بألم وأنا أرى شعاراً مكتوباً على لافتات سوداء بساحة الفردوس: "الحسين منهجنا لبناء المواطن والوطن")!.

هذا يعني أن هذا الكاتب الأجنبي أدرك التناقض الحاد بين قيم الإمام الحسين وبين من تولى السلطة في العراق ويدعون انهم حسينيون. فحينذاك كانت ميزانية العراق تقارب ترليون دولار.. أي ما يصل حاصل جمع ميزانيات العراق خلال ثمانين عاماً!،وحينذاك أيضاً كانت زخة مطر قد اغرقت بغداد (عاصمة الثقافة العربية!) في مشهد لا ينسى. وبعدها تجاوزت نسبة البطالة الـ(30%) معظمهم خريجون، فيما بلغت نسبة من هم دون خط الفقر في زمن ترليونات النفط (13%) وفقاً لتقريري لجنة الاقتصاد النيابية ووكالة USAID الأمريكية، وارتفعت لتصل (30%) بعد 2014 وفقاً لوزارة التخطيط، ما يعني أن اكثر من سبعة ملايين عراقي يعيشون بأقل من دولارين في اليوم وفقاً لخط الفقر العالمي. وتضاعفت حالات الانتحار بين الشباب، واصبحت ظاهرة الطلاق تهدّد المجتمع العراقي أكثر من الإرهاب بتعبير قضاة.. وقائمة ما احدثوه من خراب في الناس والوطن.. تطول، وأقبحها أن قياديين في احزاب الاسلام السياسي الشيعي خانوا الذمّة في الحفاظ على ثروة الدولة، ولم يستجيبوا لدعوة مرجعيتهم الشيعية التي بحّ صوتها من مطالبتها بالضرب بيد من حديد على الفاسدين. ففي زمن من تسلموا السلطة ويدعون أنهم حسينيون،ي ذكر (كوكبورن) أن شركة "أوراسكوم" التي فازت بعقد شبكة الهاتف النقال دفعت رشاوى تصل إلى "21" مليون دولار لستة أشخاص بينهم "إبراهيم الجعفري" رئيس الوزراء العراقي وقتها، إذ تلقى ثلاثة ملايين دولار،. ووفقاً لتقرير المؤشر العالمي للفساد لمنظمة الشفافية الدولية العالمية(2005 ) جاء العراق بالمرتبة 137 عالمياً والأسوأ في الفساد بين الدول العربية، وتقدم الى المرتبة 160 ليحتل المركز الثالث عالمياً في الفساد عام (2006)، وتقدم في (2008) الى المرتبة 179 بحصوله على درجة 1,3 من عشرة وفق مقاييس النزاهة الدوليّة، ليأتي بالمرتبة الثانية بين الدول الأكثر فساداً في العالم، وظل محافظاً عليها في العام (2009). وبرغم أن العراقيين خرجوا في شباط 2011 بتظاهرات تطالب بالإصلاح ومحاسبة الفاسدين وبلغت حدّتها في آب 2015، فإن الحكومة العراقية بهوية شيعية (حسينية) لم تستجب، مع إن شعار ثورة الإمام الحسين هو (الإصلاح) ورفض الذلة التي اتبعها الطغاة واتباعهم في تعاملهم مع الناس.
وللأسف، فإن كثيرين لا يدركون أن مقولات الإمام الحسين تضمنت نفس القيم التي تبنتها حديثاً منظمات حقوق الإنسان المتمثلة بـ(العدل - والأخلاق - والحريات - والحقوق – والواجبات).. ونفس التحذير الذي وجهته الأمم المتحدة بأن انتهاك حرية الإنسان وكرامته يجر الى مآسٍ واحتراب يلحق الخراب بالوطن ويشيع الكراهية والعنف بين مكونات المجتمع.. ونفس الهدف الذي تبنته الدول المتحررة في دعواتها الإصلاحية إلى صيانة الكرامة الإنسانية، ورفض العبودية، وتحديه الذلة التي يريدها الطغاة للأحرار.. وتوعية الناس بدورهم الأخلاقي والاجتماعي والديني في اصلاح شؤون الأمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتنبيههم بأن مواصفات الحاكم العادل هو ذلك الذي يحكم بالحق ويحترم آراء الناس ومعتقداتهم ويجعل القانون معياراً لهيبة الدولة ومشروعية حكمه، باعتماد مقولته: (ولعمري ما الإمام إلا الحاكم بالكتاب،القائم بالقسط، الداين بدين الحق، الحابس نفسه على ذات الله). مضيفاً توكيده على الحاكم أن يعمل بتعاليم الإسلام التي تؤكد على قيم العدالة بين الناس في امورهم المعيشية والخدمية، وان لا يفرّق بين احد من الرعية على اساس القرابة أو الطائفة أو العشيرة، ولا يعتبر ما يُجبى من زكاة وخراج (ثروة الوطن) ملكاً خاصاً به.. يشتري بها الضمائر والذمم ويسخرّها لمصلحته، وينفقها على ملذّاته واشباع رغباته الدنيوية الزائلة.. ومعروف للجميع كم من المسؤولين الذين يدعون (حسينيون) اشتروا البيوت الفارهة في عواصم عربية وعالمية وبنوا فنادق فخمة وهم كانوا معدمين!
وحكمة أخرى لم ينتبه لها كثيرون، هي أن الإمام الحسين لم يحمّل الحاكم وحده مسؤولية ما يصيب الوطن من خراب بل والناس أيضاً بقوله :(ولكنكم مكنتم الظلمة في منزلتكم، وأسلمتم أمور الله في أيديهم يعملون بالشبهات، ويسيرون في الشهوات، سلطهم على ذلك فراركم من الموت واعجابكم بالحياة التي هي مفارقتكم، فأسلمتم الضعفاء في أيديهم، فمن بين مستعبد مقهور وبين مستضعف على معيشته مغلوب..).
التحول الايجابي الذي حصل الآن، إن استغفال جماهير الشيعة واشغالهم باللطم ما عاد ينفع من يدعون أنهم (حسينيون) بعد أن اثبتوا انهم كانوا دجالين في رفعهم شعار (الحسين منهجنا لبناء المواطن والوطن) وبالضد من قيم الحسين، وتلك هي مهمة جماهير الشيعة في إشاعة القيم الحقّة للإمام الحسين ودعم دعوة المرجعية نحو اقامة دولة مدنية حديثة.. يجد فيها (كوكبورن) ومحبو الحسين في العالم ما يسعدهم.
* مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون