آراء وافكار
2017/10/29 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 792   -   العدد(4053)
معضلة الأمن في العراق  (1)
معضلة الأمن في العراق (1)


 غالب حسن الشابندر

ارتبطت الأجهزة الأمنية في العالم العربي بشكل عام بمصير الحاكم الفرد، أو الحاكم / الأسرة، أو الحاكم / الحزب، أو الحاكم / العشيرة، الأمر الذي افقدها هويتها الأمنية بالعرف العلمي والأكاديمي، فإن مهمة أجهزة الأمن حماية المجتمع والدولة، وتأمين الحصن المكين دون اختراق أمن الأمة اقتصادياً وعسكرياً وثقافياً وسياسياً، فيما في أنظمة العالم الثالث وبخاصة الديكتاتورية منها والعشيرية والثيوقراطية هي في خدمة الحاكم، وضمان استمراره في السلطة، وربما التخطيط لوراثة أبنائه مهمته السلطوية بعد وفاته، وهذه الحالة بدورها تطلق لأجهزة الأمن الحق المطلق أو شبه المطلق للفوز بالكثير من المكاسب المادية والمعنوية، حتى تكاد أن تكون هي سيدة المجتمع، والمتحكم بأمور الدولة وبخاصة الحساسة منها، وفيما يقدر التأريخ استبدال الحكم الشمولي بنظام ديموقراطي تدخل هذه المشكلة في صلب مهمات التحول الديموقراطي، وربما تفشل في أداء وظيفة المعالجة لثقل المهمة، وجذورها الإشكالية المترسخة، والأدوار القذرة للانتهازية السياسية.
لقد كانت أجهزة الأمن في ظل الديكتاتورية الشاملة في العراق مرتبطة فلسفة وعملاً ومصيراً ووظيفة بشخص الحاكم المطلق أي صدام حسين، مما طبعها بروحه الفردية والاستحواذية، وحولها الى أداة قمعية بلا حساب ومراجعة وعلى حساب أيّ قيمة وطنية أو شعبية.
جاء التغيير، واتفقت القوى السياسية على أولوية الديمقراطية كنظام حكم وإدارة، وفي السياق كان التفكير الجاد بإحداث نقلة نوعية في فلسفة الأمن وتركيبة منظومته وهيكلته الوظيفية والإدارية، ولكن للأسف الشديد جاءت النتائج مخيّبة للآمال والأسباب كثيرة، منها: الخبرة السياسية الضحلة للنخبة الحاكمة وأنظمة المحاصصة الدينية والقومية والمذهبية، ولعل من الأدلة على ذلك مرور اكثر من أربعة عشر عاماً على التغيير ومازال الأمن مرتبكاً ، وهناك تجارب مرّةٌ مرّت بها الأجهزة الأمنية الجديدة، خاصة في ما يتعلق بالنزاهة وقبل ذلك الكفاءة.
الغريب هو ضخامة هذه الأجهزة، وكونها عبارة عن كتلة هائلة من البيروقراطية بل على العكس عبارة عن كتلة من الفوضى والعشوائية وتداخل مهمات وتضارب تعليمات، فأثقل كل ذلك كاهل المنظومة الأمنية واربكها كثيراً .
لقد كان مفهوم إعادة بناء المنظومة الأمنية عبارة عن تغيير شكلي، وليس تغييراً بنيوياً عميقاً، وقد تشكلت عقيدة امنية جديدة لا تقل ضرراً عن سابقتها، جوهر هذه العقيدة الانتصار للطائفة والمذهب والعشيرة، بل وللحزب، بل وللأسرة في بعض الأحيان، فكان البديل السيئ، وقد تسبب هذا البديل في تدمير الأمن وتحكيم قيم الغاب في التعامل مع الآخر، حتى داخل المنظومة الأمنية نفسها !
إن الشائع في الأوساط السياسية كون الجيش من حصة سنّة العراق، والداخلية من حصة شيعة العراق، مما يعطي صورة مرعبة عن فهم المسؤولين للأمن، فكان حماية حدود الوطن واجب سني، وحماية الشارع واجب شيعي !
لا ادّعي أنّ هذه التقسيمة صارخة صارمة، ولكنْ ابني تصوراتي على ما هو شائع في الخطاب السياسي العراقي.
ليس من المعقول أن يكون هناك قرنٌ أكيد في الذهنية العراقية بين الجيش وطائفة بذاتها، وبين الشرطة وطائفة أخرى، وبين القرنين ألف مشكلة وألف معضلة، والبلد في مهب الريح .
إن طرح عقيدة أمنية جديدة في غاية الأهمية اليوم لأجهزة الأمن في ظل التحول الديموقراطي، وأن تكون عملية الإعادة مبنية على الكفاءة والنزاهة، وفي جو من المسؤولية المتكافئة، وأن تكون هناك عملية غربلة للزوائد واكمال للنواقص، وأن تتم عملية دراسة دقيقة لمدى الارتباط بين دوائر ومؤسسات المنظومة وبين مهماتها في ظل النظام الديموقراطي، والحذر كل الحذر من استنساخ التجارب السابقة أو تجارب دول أخرى إلا للاستئناس، وأنْ تتم الاستعانة والاستئناس بخبرات حملة شهادات الحقوق، في تدعيم مفاهيم حقوق الانسان، بل استغرب أن يكون المنتسب الأمني في كثير من الأحيان لا يجيد القراءة والكتابة، أو يجهل جغرافية بلده، بل المدينة التي ينتمي إليها ويعمل فيها !
لا ابالغ بالقول، إن كثيراً من منتسبي هذه المؤسسة، قد لا يجيد التحليل السياسي لأبسط ما يجري في العراق والمنطقة ، ونحن نرى أنَّ ممارسة العمل السياسي من جهة المنتسب الأمني يشكل خطراً على العملية الأمنية، ولكن هذا لا يعني أن يكون جاهلاً بما يجري في العالم والمنطقة والعراق.
 يتبع



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون