آراء وافكار
2017/10/29 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 772   -   العدد(4053)
حُلم بطيران مباشر على "العراقية" إلى بغداد!
حُلم بطيران مباشر على "العراقية" إلى بغداد!


 د. ناجح العبيدي

لم تكن الرحلة الأسهل والأقصر والأكثـر راحة بين برلين وبغداد فحسب، وإنما كانت تتويجاً لحلم شخصي عمره 14 عاماً. في عام 2003 وبعد أشهر قليلة من الإطاحة بالطاغية صدام، وصلت إلى بغداد قادماً من العاصمة الألمانية بعد رحلة مضنية دامت أكثـر من 30 ساعة عبر مطار دمشق والطريق البري الطويل.

لكن الزيارة الأولى للعراق بعد غياب قسري دام 29 عاماً، والإقامة فيه لخمسة أسابيع لم تستحق ذلك العناء فقط، وإنما غمرتني أيضاً بتفاؤل كبير لم يكن بعيداً عن الآمال الكبيرة التي كانت تُزين حينها للعراقيين بنهاية وشيكة لمآسيهم. لهذا صرحت للأهل والأصدقاء بثقة عالية بأنني في السفرة التالية سأصعد الطائرة في برلين وأنزل بعد ساعات قليلة مباشرة في بغداد. لم يكن ذلك "الحُلم" الشخصي برحلة دون توقف سوى تعبير عن الأمل بادماج سريع للعراق واقتصاده بالعالم بعد فترة الحصار القاسية والتمّني بتحول قطاع السياحة العراقي إلى رافد جديد للاقتصاد الوطني لا يقل أهمية عن النفط.
غير أن هذا التفاؤل الذي رافق "الربيع" العراقي في 2003 سرعان ما تبدد بعد أن انفتحت مجدداً أبواب الجحيم على العراقيين. لذا كانت الرحلة الثانية في خريف 2004 أكثر خطورة وأصعب واستغرقت وقتاً أطول بسبب إغلاق معبر الوليد نتيجة هجمات إرهابية واضطراري لعبور الحدود العراقية عبر معبر ربيعة وسلوك الطريق البري الرابط بين الموصل وبغداد. لم أرَ في ذلك حينها سوى سبب "مؤقت" لتأجيل الحُلم بالهبوط مباشرة في مطار بغداد "الدولي". بعدها أتيحت الفرصة للسفر بالطائرات المدنية إلى بغداد، ولكن رحلاتي من برلين بقيت تتضمن توقفاً مؤقتاً "ترانزيت" في مطارات بلدان أخرى، مثل مطار عمان في الأردن ومطار أتاتورك في اسطنبول. لم تكن الرحلات تستغرق وقتاً طويلاً وتعتريها في كثير من الأحيان بعض المنغصات فحسب، وإنما كانت أيضاً أغلى بكثير من الرحلات إلى عواصم أخرى، كبيروت وعمان والقاهرة ودمشق، التي تبعد بمسافة مقاربة لبغداد عن برلين. وكان ذلك بمثابة مؤشر على التحديات التي تعترض ربط بغداد بخطوط الطيران الجوية الدولية. كان ارتفاع أسعار التذاكر يشير إلى قلة المنافسة وضعف اهتمام شركات الطيران الكبرى بالعراق بسبب المخاطر الأمنية والسياسية وتضخم تكاليف التأمين. لكن ذلك كان يعبر أيضاً عن الاهتمام المحدود للشركات العالمية بالعراق كمجال واعد للاستثمار وسوق مجدٍ للتجارة والسياحة وغيرها. صحيح أن دخول الخطوط الجوية التركية والقطرية وشركات طيران إيرانية ولبنانية حلبة المنافسة ساهم بالتدريج في تصحيح أسعار الرحلات إلى مطارات بغداد وأربيل والسليمانية والبصرة والنجف، لكن صفة "الدولي" بقيت حُلماً بالنسبة لهذه المطارات التي تأتي في ذيل القائمة بالمقارنة مع مطارات بلدان أقل سكاناً ومساحةً وأضعف اقتصادياً، الأمر الذي يعكس استمرار عزلة العراق بهذا الشكل أو ذاك وهشاشة العلاقات مع الأسواق العالمية. لذا لم تكتسِ الرحلة إلى بغداد حتى الآن صفة "الطبيعية" وبقيت رغم مرور سنوات طويلة في نظر كثيرين في خارج العراق أشبه بمغامرة إلى المجهول في وقت أصبح فيه السفر والسياحة أمراً عادياً لمليارات البشر في ظل العولمة. وكان التوقف أثناء الرحلة في مطارات مثل اسطنبول أو بيروت أو الدوحة، يمثل بالنسبة لي أحد مؤشرات هذا الوضع "غير الطبيعي".
أخيراً تحقق الحُلم بفضل الخطوط الجوية العراقية في 20 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، عندما أقلعت الطائرة من برلين في موعدها في الساعة الرابعة والنصف عصراً، لتهبط دون توقف وفي زمن قياسي بالنسبة لي بعد أربع ساعات ونصف فقط في مطار بغداد. لكن هذه الرحلة "التاريخية" لم تمر دون منغصات سياسية واقتصادية. في الأصل كان من المقرر أن تتوقف الطائرة لنصف ساعة في أربيل وتواصل بعدها رحلتها نحو العاصمة. ولكن أزمة استفتاء كردستان وتوقف الرحلات الدولية في مطاري أربيل والسلمانية أديّا إلى "اختصار" هذا التوقف. وهكذا تحول حُلمي إلى "كابوس" بالنسبة للمسافرين الذاهبين إلى عاصمة إقليم كردستان. هذا الكابوس يقض بالتأكيد مضاجع الخطوط الجوية العراقية أيضاً لأن أكثر من نصف مقاعد الطائرة بقيت فارغة في مؤشر على تخوف الكثيرين حالياً من زيارة العراق والإقليم. هكذا أضطر مثلاً زملاء لي يعملون لصالح مؤسسة دويتشه فيله الإعلامية الألمانية، لتأجيل خططهم بزيارة أربيل للتحضير لعقد دورة تدريبية لعدد من الصحافيين العراقيين. وفي كل الأحوال فإن مثل هذه الأزمات تمسّ مباشرة قطاع الطيران العراقي وتُحجّم دوره في الرحلات الدولية وتسهم في نفس الوقت في تأجيل تحول حُلمي الآخر إلى واقع.
حالياً أحلم بأن أقوم برحلة دولية إلى جنوب شرق آسيا أو الصين أو إفريقيا، على أن تتوقف طائرة الخطوط الجوية العراقية في بغداد قبل أن تواصل الرحلة إلى مقصدها النهائي، كما تفعل الخطوط التركية في اسطنبول أو القطرية في الدوحة. ومن المؤكد أن موقع بغداد الجغرافي يؤهلها لأن تلعب مثل هذا الدور وأن يصبح مطارها محوراً جديداً للرحلات الدولية، غير أن تحقيق مثل هذا الحلم يتطلب شروطاً سياسية واقتصادية كثيرة يصعب التنبؤ بإمكانية تحقيقها حالياً.



تعليقات الزوار
الاسم: بغداد
د. ناجح العبيدي انشاء الله حلمك يتحقق تسافر من بغداد الى برلين مباشر بدون توقف وبالعكس وبدون إحباطات عندما يكون هناك الرجل المناسب في المنصب المناسب ولكن مو كابتن بحرية مثل فنجان عندما خاطب العراقيين في احد تصريحاته الكوميدية التراجيدية ان مطار الناصرية هو اول مطار عالمي هبطت به الملائكة قبل خمسة الآلاف سنة ؟! اذا بقي فنجان فأقرأ على الطيران السلام ؟!
اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون