آراء وافكار
2017/10/29 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1198   -   العدد(4053)
ديموقراطية الطائفة.. حكم الطائفة
ديموقراطية الطائفة.. حكم الطائفة


 د. لاهاي عبد الحسين

لا يتفق الجميع على مثالية النظام الديموقراطي لتحقيق تطلعات أبناء المجتمع الإنساني في التمثيل العادل والبنّاء لإيصال الأكثر إخلاصاً وكفاءة ونزاهة من حيث أنّه نظام يقوم على إرادة الأكثرية والأكثرية ليست دائماً هي الكتلة النوعية والأكثر حكمة في المجتمع. الا أنّ البديل الذي يتفق عليه الجميع هو أنّ النظام الديموقراطي أفضل النظم المتاحة والقابلة للتطبيق بالمقارنة مع غيره من النظم السياسية في العالم اليوم. ومع أنّ النظام الديموقراطي صمّم أصلاً بحسب من أسسوا له في أثينا القديمة ليحل مشكلة الاختلاف والتباين وصولاً إلى حلول وسطية تعبر عن رأي وقناعة الأكثرية وتضمن احترام رأي وقناعة الأقلية إلا إنّه تعرض لتشويه جدّي في بعض التطبيقات العملية في عدد من البلدان لعلّ من أحدثها، العراق. فقد أخذ التطبيق العملي للنظام الديموقراطي في العراق شكل أنْ يكون تعبيراً عن ديموقراطية الطائفة والجماعة والذي سرعان ما صار وسيلة من وسائل حكم الطائفة وليس ديموقراطية الوطن الذي يسع الجميع ولا يفرق بين زيد وعبيد. فقد كان من أسوأ ما قام عليه النظام الديموقراطي في العراق منذ الشروع بتطبيقه بعد 2003 أنّه استند إلى التمثيل الديني والطائفي والقومي كما تجسد ذلك في بنية مجلس الحكم الأمر الذي أدى إلى دق إسفين الفرقة والنفرة والتناحر بدل المنافسة والتكامل وتقسيم العمل لتحقيق الغايات المستهدفة بحسب الفكرة والبرنامج والتصور المناسب لنمط الحكومة ومسؤولياتها الرئيسة تجاه المواطنين على مستوى الخدمات التعليمية والبلدية والاقتصادية اليومية الملحة. وكان مثل هذا قد حدث في لبنان قبل عقود من الزمن، وأسس له دستورياً وسياسياً حتى صار لزاماً على الناخب اللبناني أنْ يعود إلى ضيعته أو قريته التي غادرها طواعية أو قسراً من خلال التهجير والنزوح بسبب الحرب أو أي سبب آخر لينتخب من يمثله – شاء ذلك أم أبى - بحسب الدين والطائفة والمنطقة. معروف أنّ نظاماً كهذا أسس لانقسامات مجتمعية خطيرة في لبنان مهّدت لمشاكل وصراعات دموية كان أكثرها شراسة اندلاع الحرب الأهلية في سبعينات القرن الماضي وساهم من جانب آخر في ظروف السلم والسكينة النسبية بتعميق التفاوت الطبقي والتمايز الثقافي بين المدن اللبنانية على صغرها كما في طرابلس وبيروت وصيدا والنبطية وغيرها. النتيجة أنْ تحول النظام الديموقراطي في لبنان إلى قوة قاصمة لظهر المجتمع اللبناني حظي من خلالها بمعاول تقسيم طالت الجوانب القانونية والتعليمية والطبقية والاقتصادية لتصنع منه مجتمعاً يقف على حافات الأزمات الخانقة شبه الدائمة. كان يمكن للبنان أنْ يكون سنغافورة العالم العربي بعد أنْ وصف في مرحلة من المراحل بنيويورك العرب إلا أنّ معاول التقسيم لم تسمح للبنان الجميل إلا أنْ يسير قدماً باتجاه التصعيد والخلاف لإدامة غبار الحقد والكراهية عدا فترات متقطعة من الهدوء الحذر. وهذا ما يراد له أنْ يكون في العراق كما يظهر تسلسل الأحداث والتشكيلات التنظيمية والسياسية. ومع أنّ الدستور العراقي لا يقر مثل هذه الديموقراطية المعتلة بوضوح على الصعيد النظري الا إنّ احتواءه على فقرات تمييزية خصّ بها طائفة دون أخرى باحترام العقائد والطقوس والتطبيقات القانونية فتح الأبواب مشرعة على مصاريعها لممارسات مشابهة تقوم على اعتبارات عرفية ومعيارية شفوية غير مكتوبة والأخطر أنّها وجدت من يعمل على تغذيتها وإدامتها بدأب وانتظام وإدراك بما يقوم به وليس مجرد جهل واستسلام لا أدري لتراكم الأحداث وتطورها. وصمّت القوى السياسية التي قاد بعضها الصدفة المحضة إلى دائرة العمل السياسي في الدولة والحكومة أذنها ورضيت في أنْ تخرس لسانها مما أدى بها إلى أنْ تخفق في الاستماع إلى صوت المواطن العراقي البريء سواء بصورة مباشرة أو من خلال من يمثله إعلامياً واجتماعياً وهو يحذر وينبّه بحرقة قلب وضمير موجوع داعياً للعودة إلى التعامل بطريقة أعضاء الأمة الواحدة وأبناء البيت الواحد. ولكن لا من مجيب. حدث كل هذا بسبب ما يمكن أنْ يسمى "ديموقراطية الطائفة" التي تعرف بأنّها من نوع النظم الانقسامية الانشطارية والمتقوقعة الانعزالية بطبيعتها. وهي تعني أيضاً حكم الطائفة، حصراً. إنّه نظام يعمل بطريقة الصفحات المتعددة. فما أنْ يتم للداعين إلى هذا النوع من الديموقراطية تعبئة أبناء الطائفة ممن يفترض أنّهم يتسمون بولاء مضمون يروج له على أساس تمتين وحدة الطائفة وحمايتها فإنّه يصار إلى الصفحة التالية التي يميّز فيها بين العوام والخواص ليس على أساس الكفاءة والمهارة والعلم وإنّما على أساس الولاء لزعماء الطائفة ورؤوسها. ويمكن أنْ ينسب لما يسمّى بالعوام والخواص مختلف التسميات بصورة كيفية وعشوائية ولكنّها مؤثرة كما في العلمانيين والدينيين، والمدنيين والإسلاميين، والملحدين والمؤمنين وهكذا دواليك. وعندما تستكمل هذه الصفحة فإنّها تفسح المجال لصفحة أخرى تميز بين الأنصار المقربين والمؤتمنين في مقابل الأقل قرابة والأقل ائتماناً كما في أعضاء الطائفة ممن ورد ذكرهم في الصفحة السابقة وهكذا تدور الرحى وصولاً للجمع المرغوب به من صفوة الضالعين الموثوق بهم ممن يعبرون عن الاستعداد للعمل بحسب المطلوب منهم مما يؤهلهم لتوسم الوظائف والمناصب المهمة. ديموقراطية الطائفة تضع الناس في مراتب وتحتال على أكثر قواعد الديموقراطية جلاءً وأهميةً وهي المساواة في إعطاء الفرص للمواطنين دون الحكم عليهم والتمييز فيما بينهم. إنّها من نوع النظام الهجين والمشوّه الذي لا يحترم قاعدة موافقة المحكوم واحترام إرادته الحرة في اختيار من يمثله ويضع الثقة فيه للتصويت على القوانين التي تتحكم بحياته وليس الاكتفاء بإيصال أعضاء يختزلون مهام عضو المؤسسة التشريعية الأهم في البلاد، مجلس النواب في الاستجوابات ذات الأهداف التسقيطية، بوضوح وبلا شك.
ظهرت ملامح ديموقراطية الطائفة في الانتخابات النيابية العامة التي جرت في العراق عام 2005 وتعمقت عام 2010 وأخذت شكلاً أكثر حدّة عام 2014 عندما أفرزت أعضاء منتخبين بحسب الدين والطائفة والقومية صوت لهم جمهور متطابق معهم من حيث الانتماءات التقليدية المشار إليها. لا يستبعد والحالة هذه أنْ تعاود ديموقراطية الطائفة الظهور في الانتخابات النيابية المقبلة عام 2018 لتسجل نصراً على الضد من إرادة المواطن العراقي التي يفترض أنّها صمّمت من أجل تحقيق طموحاته وتطلعاته. المواطن الذي يُعرف بسلاح واحد لا غير هو أنّه يحمل "هوية الأحوال المدنية" العراقية. ومع أنّ هناك استطلاعات رأي تشير إلى تغير في مزاج الناخبين العراقيين باتجاه التعبير عن الرغبة بالتصويت لأعضاء في التيار المدني ومن يقترب منهم بحثاً عن بارقة أمل إلا أنّه لا يستبعد أنْ تمارس ضغوط تسعى لحرف التوجهات الحقيقية لجمهور الناخبين. ويبدو أنّ لهذا التوقع المتشائم ما يبرره وبخاصة بعد إعلان أسماء أعضاء مفوضية الانتخابات التي أصر القائمون عليها ألا تخرج عما بنيت عليها العملية السياسية في العراق منذ 2003. فقد تضمنت قائمة أعضاء مفوضية الانتخابات خمسة مقاعد للأحزاب والجماعات الشيعية الرئيسة والممثلة حالياً في مجلس النواب العراقي فيما تُرك للسنّة مقعدان ومثلهما للكرد. عملية أُريد لها أنْ تظهر بثوب نظيف ولكنّها بالحقيقة ليست كذلك بدليل ما حدث من اضطرابات ونزاعات دامية على مدى أربعة عشر عاماً مضت بين أبناء المجتمع الواحد. لا ضمانة لنجاح أي نظام ديموقراطي حديث خارج احترام قاعدة التعددية والتنوع. لذلك، فإنّ حصر الجماعة بأيّ دوافع كانت ضمن حدود الطائفة من خلال بث الرعب والتخوين والشك بنيّات الآخر المختلف سيؤدي لا محالة إلى مصادرة قوة الجماعة التي تستمدها من قوة التنوع مما يؤدي بها تدريجياً إلى أنْ تكون مشلولة وغير فاعلة، في أحسن الأحوال. السيئ في ديموقراطية الطائفة أنّها تشبه ديموقراطية الأحزاب الشمولية المركزية الدكتاتورية المستبدة التي لم تقتنع يوماً بأنّ للجماهير رأياً مختلفاً ومتنوعاً وأنّه لابد لهذا الرأي من أنْ يُحترم إذا ما أُريد للبلاد أنْ تنهض حقاً. أما اذا لم يكن هذا مهماً فقد علمتنا التجارب أنّ للمتجبر صولةً إلا أنّ عليه توقع أنْ تكون عليه صولات.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون