عام
2017/10/29 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 461   -   العدد(4053)
في البدء: أجانب مرّوا من هنا.. مالذي فعلناه لهم؟
في البدء: أجانب مرّوا من هنا.. مالذي فعلناه لهم؟


 علاء المفرجي

أجانب كثيرون مرّوا في هذا البلد الذي كان - ياللمفارقة- آمنا، جاء بهم المستعمر لأداء وظيفة ما، فطاب لهم العيش فيه ، حتى استغرقتهم الحياة وهاموا به حباً.. منقبين للآثار، ومفتونين بسحره الغامض وجاذبية أساطيره، وسياسيين أدلّاء، ارتبطت اسماؤهم فيه، وكان لهم فيه أكثر من منجز، وصرنا نشيد بالموصوف لا بالواصف، باعتباره نال ثناء الأجنبي، فحق علينا أن نباهي الآخرين به.
هؤلاء الأجانب لم نتذكرهم، بل لم يترك لهم أثر لتقتفيه الأجيال اللاحقة عدا ماتركوه هم من آثار كثيرة. أجاثا كريستي، وزوجها الآثاري ماكس مالون، وديزموند ستيورات، ولفرد ثيسيغر، وكافن يونغ .. وآخرين.
فالكثير لايعرفون ديزموند ستيورات، لولا ماكتبه الأديب جبرا ابراهيم جبرا في مذكراته، او الدكتور صباح الناصري في مدونته فـدزمـونـد سـتـيـوارت ولا شـكّ واحـد مـن الـبـريـطانـيـيـن الّـذيـن يـسـتـحـقـون أنّ نـتـذكّـرهـم ، فـهـو قـد ارتـبـط بـالـشّـرق الّـذي أحـبّـه و تـعـاطـف مـع قـضـايـاه وعـاش فـيـه حـتّى نـهـايـة حـيـاتـه وكـتـب عـنـه مـا لا يـعـدّ ولا يـحـصى مـن الـمـقـالات والـكـتـب.. كـتـبـه عـن الـعـراق روايـتـه : "الإنـكـلـيـزي غـيـرالـمـرغـوب فـيـه" الّـتي نـشـرهـا عـام 1952، قبل ان يغادر الى لبنان ومصر ويكتب كتابه المهم (القاهرة) الذي قرأناه بترجمة الأديب يحيى حقي.
ما الذي فعلناه نحن لهذه لأجاثا كريستي التي وفدت الينا مُتلحفة بغطاء المستعمر برفقة زوجها عالم الآثار لتعمل في التنقيب والاهتمام بالقطع الأثرية في أور ونينوى والتي وصل بها الأمر إلى درجة تنظيف الـ (موناليزا ) بمستحضرات العناية بالبشرة.
مدن بلاد الرافدين من بين مدن الشرق التي شملتها رحلات كريستي،كانت منعطفاً مهماً في حياتها وإبداعها.. هناك إلتقت أول مرة بزوجها العالم الآثاري ماكس مالوان، وهناك ايضاً كانت شاهدة على العثور على الـ(نمرود).. بل هي من أطلق عليه (موناليزا نمرود) هذا التمثال الذي يرجع تاريخه إلى ثمانية قرون قبل الميلاد هي.. أيضاً من عاش لحظات أكتشاف قصر نبوخذنصر والقيثارة السومرية.. انها مَنْ ألهمتها مدن ما بين النهرين أفكاراً لأفضل ما كتبت (جريمة في بلاد الرافدين) و(المجيء إلى بغداد)و (بوابة بغداد)..بل إن فكرة القطار السريع نفسه جاءتها وهي عائدة من العراق في هذا القطار.
الغرب يمنح باسمها بينما الشرق يأنف من ابنة الامبراطورية التي لم تغرب عنها الشمس والوافدة إليه تحت تأثير سحره وجماله.. هو لا يرد إليها الجميل على الأقل في إسهامها في إزاحة الغبار عن طلاسم حضارته ولا نقول بسبب سحره وغرائبيته التي ألهمتها أجمل ما كتبت.
تماماً وبزمن موازٍ لزمن كريستي سحر الشرق رحالة مثل ولفرد ثيسيغر الذي غادرنا قبل ثمانية أعوام بإعلان سمعناه من إذاعة البي بي سي مفاده: (مات صديق العراق.. مات صديق الأهوار) وزميله كافن يونغ اللذان يعرفان جيداً عجرم بن حسين وسيد صروط وأولاده وجثير الفريجي أكثر مما نعرف...
تماماً كما يعرفون تلك البقعة في جنوبي الوطن التي تذهب الروايات إنها هي جنات عدن.. الأهوار.. والتي وثّقها تماماً بيئة وحيوانات وثقافة وتاريخاً..
فكان ما سطـّرا مرجعاً- ويا للمفارقة - لمن يريد أن يسبر أهوار الجنوب.
يونغ وثيسيغر رحالة من الغرب وفدا إلى الشرق ليستكشفوا غموضه وسحره وأساطيره ليجدوا أنفسهم عاشقين له..
ما الذي فعلناه لهم؟



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون