آراء وافكار
2017/10/30 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1284   -   العدد(4054)
الحركات السلفية الجهادية.. من منشأ الفكرة إلى المناصرين


 حسين جاسم الخزاعي

تعتمد بالضرورة كل أيديولوجية على أصولها الفكرية، والتي تستقي منها الأهداف الستراتيجية والمرحلية، والتي على أساسها تنظم السياسات والبرامج الخاصة بالايدلوجية وتنمية مؤسساتها الحيوية. وتعود الأصول الفكرية الى أشخاص مؤسسين ينشأون تلك الأفكار ويضعوها بين يدي القرّاء والمتلقين. على الرغم من أن منشأ الفكرة يعتبر من وضع باكورة الفكرة، إلا أنه لايمكن له أن ينشأها من فراغ، فالفكرة لابد أن تكون ذات خلفية تاريخية ولها جذور يعلمها الجمهور ويؤمن بها ويعتمد عليها.

يعتبر كل من (سيد قطب) ومن قبله (ابو الأعلى المودودي) الهندي الأصل منشئا فكرة السلفية الجهادية التكفيرية في زمننا المعاصر، حيث قاما بإنشاء مايسمّى بفكرة الجاهلية المجتمعية أو ما يعرف بجهالية القرن العشرين والتي تتلخص بتكفير كل المجتمعات بما فيها الإسلامية الحالية كونها لا تطبّق حكم الله في الأرض (الحاكمية الالهية) وتستعيض عنه بالأحكام البشرية الوضعية، حتى لو كانت تؤمن على مستوى الفكر بالوهية الله وربوبيته وسلطانه. ما تقدم يوجز لنا باختصار نشأة الفكرة وهي أنها ولدت من المنشأ كسيد قطب و أبي الأعلى المودودي اللذين اعتمدا في توليدها على الجذور التأريخية من نصوص وحوادث في التأريخ الإسلامي كما أن ما تقدم، يبيّن لنا أن التسلسل الطبقي والتصنيفي للسلفيين الجهاديين يبدأ بالمنشأ او ما نسميه بمنشأ الفكرة.
بعد أن ثبّتت أفكار سيد قطب وأبي الأعلى المودودي على شكل كتب وخطب أو محاضرات، تلقتها الشرائح الاجتماعية والفكرية فقرأتها وسمعتها بجميع مستوياتها وغدت أفكاراً مبثوثة تأخذ مكانها بين المثقفين ليتم التعاطي معها بحسب مستوى المتلقي. وهنا بالضرورة ستظهر طبقة جديدة وهي الطبقة المثقفة أو الطبقة المتميزة بالعلم والبحث والتقصي الفكري في مجال اختصاصها. ومن ميزات هذه الطبقة انها عندما تنتشر فكرة ما داخل المجتمع وفي مجال اختصاصها، فإنها أما تعارضها بشدة وتنظّر ضدها أو تقوم بعكس ذلك، أي أنها تتأثر بها وتتشرب بما فيها فتباشر بالتنظير لها، وهنا تظهر الطبقة ذات المستوى الثاني وهي طبقة المنظّرين وقد ظهر أهمّ منظري أفكار سيد قطب بعد مقتله ليضعوا الأصول الفكرية في وقتها ومنظومة فكرية كبيرة رشحت عنهم كتب ومؤلفات لاتزال تمثل الرافد الحقيقي للحركات السلفية الجهادية ككتاب (الجهاد ..الفريضة الغائبة) للمنظّر السلفي الجهادي (محمد عبد السلام فرج) ، و(العمدة في اعداد العدّة) لعبد القادر عبد العزيز الشيهر
بـ(سيد امام) ، و (ملة ابراهيم) للمنظّر السلفي الكبير عصام البرقاوي (ابو محمد المقدسي) وغيرها من الكتب والمنظرين.
الطبقة الثالثة من طبقات السلفية الجهادية هي طبقة (الدعاة) وهم الاشخاص التي تقع على كاهلهم نشر الدعوة في اصقاع العالم، وكذلك بثّ ما كتبه المنظّرون وتوصيله الى التابعين والعامّة، وقد برع الكثير من دعاة السلفية الجهادية في مجال الدعوة واستطاعوا تحريك الشارع، حيث تقع على عاتقهم مسألة الكسب وإلهاب الحماس ودفع الناس الى الانتماء والمناصرة، ومن أهم الدعاة هم من كانوا ودرسوا في المملكة العربية السعودية وخصوصاً أساتذة الحديث في جامعات المملكة (كجامعة الملك فهد) و (المدينة المنورة) وبلغت قدرتهم الكبيرة على صنع حركات سلفية جهادية كالقاعدة وأخواتها وداعش من خلال جهودهم الدعوية، ومن اهمهم (عايض القرني) و (محمد العريفي) و (محمد سرور) و (ناصر العودة) و(يوسف القرضاوي) و(العرعور) وغيرهم.
إن جهود الدعاة بعد أن أخذت تثمر وتؤتي أكلها على شكل تأسيس حركات مسلّحة وتنظيمات كبيرة، فإنها بذلك كونت مجتمعاً حركياً مسلحاً ومنظماً يخضع لقيادات ميدانية، وله هيكلية تنظيمية مترابطة المفاصل والاقسام، وهؤلاء المنظّمون ضمن هذه التنظيمات من قيادات وأفراد يشكلون الطبقة الرابعة والتي يصح تسميتها بالتابعين، وهم كل اعضاء التنظيمات، سواء كان أسامة بن لادن أو الزرقاوي أو أبو عمر البغدادي أو أبو بكر البغدادي، الى اصغر عضو بالتنظيم ينتمي له ويأتمر بأوامره. يذكر أن هذه الحركات والتنظيمات المسلحة وإن كانت أسست بفضل منشأ الفكرة ومنظّريها ودعاتها، إلا أن عامل التوظيف الدولي واللاعب الدولي لعب دوراً مهماً في تأسيسها وتقديم التسهيلات والدعم اللوجستي لها، وذلك لتحقيق غايات سياسية وأحياناً عقائدية.
تتمتع الحركات الجهادية بشعبية ليست بالقليلة، وهي المجتمعات المسلمة المؤدلجة أو المنفعلة والتي ينتمي لها التابعون للتنظيم اجتماعياً، كالآباء والأبناء والزوجات والإخوة والذين يمثّلون الطبقة الرابعة .
إن المناصر هو الطبقة الخامسة والأخيرة للحركات السلفية الجهادية، وتكمن اهميتها انها تعتبر الحاضنة المهمة لتواجد الافكار السلفية الجهادية، كما انها تعتبر المادة الأولية والمدخر الأساس لها، فإنها تسد بها حالة النقص الحاصل بالموارد البشرية بين الفترة والأخرى ، وكذلك الدعم المادي والمعنوي. والمناصر هو مشروع مستقبلي كتابع .كما أن المناصر هو المتأثر الأكبر بإعلام التنظيمات ومنشوراتها، وهو من يقدم التبرعات والهِباتْ لنصرتها، كما يقع المناصر دائماً ضحية الدعاة وناشري الافكار السلفية الجهادية.
لقد استطاع الدعاة وهم الطبقة الثالثة، أن يملأوا المراكز الإعلامية للتنظيمات الجهادية كداعش وغيره، بالأفكار والمرغبات، وتجسدت جهودهم على شكل برامج اعلامية ممنهجة، استطاعوا من خلالها تجنيد آلاف من التابعين، وجذب الملايين من الأنصار، وتعدى ذلك لوصولهم الى القدرة على تجنيد الكثير من المقيمين في الدول الغربية كأوروبا وأمريكا.
لابد لمن يريد أن يكافح هذه الآفة السرطانية المسمّاة بالحركات السلفية الجهادية، أن يعي مدى خطورة الطبقات التي ذكرناها آنفاً، ولابد لستراتيجية مكافحة الارهاب المتّبعة من قبل العالم، أن تضع في حسبانها هذا التصنيف في الطبقات، وان تفرق جيداً بينها، أو أن تضع حلولاً ناجعة للحيلولة دون ترابط هذه السلسلة والعمل على تفكيكها. إن منشأ الفكرة قد يكون شخصاً لم يكن يتوقع أن تؤول فكرته الى هذه النتائج التي يشهدها عالمنا الآن، وإن المنظّرين هم من وضع الأسس، ثم جاء دور الدعاة لنشرها، وقام التابعون بتنزيلها منزلة العمل الميداني كما فعل بن لادن وغيره، لكن يجب أن نعلم أنه سيبقى المناصرون هم الخطر المستقبلي المقبل، فهم دائماً يمثلون المشروع المستقبلي للتنظيمات الجهادية المقبلة.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون