آراء وافكار
2017/10/30 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1405   -   العدد(4054)
هل يدشّن وزير التعليم العالي عتبةً جديدةً؟
هل يدشّن وزير التعليم العالي عتبةً جديدةً؟


 د. نجم عبدالله كاظم

كنت أود أن يكون تساؤلي بصيغة: هل التعليم العالي على أعتاب عهد جديد؟ ولكني رأيت أن مثل هذا التساؤل قد يلمّح إلى تفاؤل أتردّد في تبنّيه، في ظل أنّ ما يدعو إلى ذلك اليوم إنما يأتي في أعقاب مسيرة طويلة جداً من الإخفاقات والفشل والفساد والانحراف عن الأكاديمية والعلمية. ولكي أُبقي على شيء ولو يسير من التفاؤل حمّلت العنوان ضمنياً ما قد يكون عتبة إيجابية. فمقالي يأتي في أعقاب قرارات إيجابية للسيد الوزير قرأت فيها، على تواضعها، ملامح لم نعتدها في مسيرة التعليم العالي السلبية امتداداً من عام 2003 وبشكل أكثر تأسيساً لهذه السلبية مع بدء عهد الوزير الأسبق السيد علي الأديب عام 2010 وتواصلاً لها في عهد الوزير السابق السيد حسين الشهرستاني.
فبعد بدء السنة الدراسية الجديدة في تأريخ مبكر مقارنةً بالسنوات السابقة، والانتهاء من قبول طلبة الدراسات العليا ومباشرتهم في وقت أبكر أيضاً، سمعنا من الوزير الحالي اتخاذه قرارات بدت حازمة وحاسمة ومنها عدم اعتماد الدور الثالث وعدم إعادة الطلبة المرقّنة قيودهم، كما نُقل مؤخراً على شبكات التواصل الاجتماعي قوله: "على الأساتذة السادة التدريسيين عدم محاسبة الطالب على الحضور وترك عملية تسجيل ومتابعة أسماء الطلبة الحاضرين للمحاضرة وكذلك ترك محاسبتهم". فمع نفي الناطق باسم وزارة التعليم العالي الدكتور حيدر محمد جبر، أن يكون السيد الوزير قد وجّه بمثل هذا، نجد أن مثل هكذا توجيه، لو صحّ صدوره عن الوزير، صحيح تماماً، فليس من شأن الأستاذ محاسبة الطالب على الحضور وعدم الحضور، عدا الدراسات العليا، وذلك لأن هناك نظاماً للمحاسبة وهو ليس من شأن الأستاذ. ولكن، وهنا نأتي إلى المهم، ما يؤخذ على هذا النظام، أو بالأحرى على المسؤولين على تطبيقه، أنهم لا يفعّلونه ولا يطبقونه، خصوصاً حين تكون السنة الدراسية في النصف الثاني من الفصل الثاني، بينما الصحيح هو حرمان الطالب من أداء الامتحان في حال تجاوز غياباته الحد المسموح به، وأظنه 15 بالمئة من مجموع الساعات السنوية، حتى لو كان هذا الأمر في اليوم الأخير من السنة الدراسية، لأن المسألة ليست لها علاقة بعقوبة وإعفاء من عقوبة، كما يفهمه البعض، ولا بالوقت الذي يتجاوز فيه عدد غيابات الطالب هذا الحد، ببساطة لأن في هذه الحالة يكون قد افتقد أحد متطلبات النجاح، فحضور عدد معين من الأيام أو الساعات هو متطلب، شأنه شأن تحقيق درجة الـ(50) كحد أدنى في كل مادة، وأحياناً درجة الـ(60) كحد أدنى للمعدل العام، وإنجاز مشروع بحث تخرج في السنة النهائية. فكما لا يجوز مثلاً التسامح مع الطالب وتنجيحه إذا ما فشل في الأيام الأخيرة من العام تحقيق درجة الـ(50) في كل مادة، أو تخريجه إذا ما أخفق في إنجاز بحث تخرج في السنة النهائية، أو تحقيق المعدل العام، حتى لو اتضح هذا في الأيام الأخيرة من السنة، وهذا ما ينسحب على متطلّب عدد الأيام أو الساعات.إن توقّفي عند (القرارات) وزير التعليم العالي، التي أتمنى أن تكون صحيحة، يأتي بعد أن اعتدت خلال أكثر من سنتين على كتابة المقالات عن واقع التعليم العالي في العراق وصولاً إلى نشر بعض مقالاتي في كتاب صدر تحت عنوان (التعليم العالي في العراق إلى أين؟)، وكان من الطبيعي أن تكون عن سلبيات هذا التعليم، في ظل الواقع المتردّي له وإصرار جل مسؤوليه من وزراء ورؤساء جامعات ومدراء عامين وعمداء على المسار الخاطئ والاتّكاء على أمور ما هي، في الحقيقة، إنجازات ونجاحات بقدر ما هي نفسها ظواهر دالة على سلبية الواقع، كما هو حال تشبّث رئيس جامعة بغداد بما (حقّقه)، وليس هو في الواقع بتحقيق، على تصنيف (كيو أس) سيّئ الصيت. فإن هذا وموقفي المنتقد بشدة لسياسة التعليم العالي لم يكونا ليمنعاني من الكتابة عن أي إيجابية أراها، ولندرة هذه الإيجابيات فقد كتبت عنها مقالة واحدة، من أكثر من عشرين مقالة، لتأتي وقفتي الثانية هذه. وفي ظل هذه القرارات الأخيرة، إنْ صحّت، كثيراً ما يردد بعض الأساتذة وبعض مسؤولي التعليم العالي وبعض من هم خارج هذا التعليم على حد سواء، الدعوات لمساعدة الطلبة في الامتحانات والدرجات ونتائج النجاح والرسوب الغياب والإكثار من هذه المساعدات. ومع أن هذه الدعوات تأتي، ظاهرياً، بحجج ودوافع الطيبة والإنسانية، فإني أرى أنها أحد ثلاثة أو أربعة أسباب رئيسة وراء انهيار التعليم والتعليم العالي. وهي تذكّرني بشكاوى الطالب، أيام الحصار، من عدم القدرة على الدوام أو التحضير أو أداء الامتحانات، بحجج الضائقة المالية ووجود العائلة التي فقدت معيلها، وغير ذلك، وحينها كنت أقول له: ابني بطّل، اترك الدراسة، نعم أنت صادق، وتستحق التعاطف، بل المساعدة. ولكن هذا يحق لو كنّا في جامع لنجمع لك تبرعات، أو مؤسسة إنسانية لنساعدك في معيشتك، أو مؤسسة رعاية شهداء لنرعاك بوصفك ابناً أو أخاً لشهيد مثلاً، أو في دائرة لنعفيك من دوام بعض أيام الأسبوع. أما أن نكون في مؤسسة علمية ونساعدك بإعفائك من الامتحان أو المادة الامتحانية أو برفع درجتك إلى درجة النجاح، فهذا لا يجوز، لأن المساعدة في هذه الحالة تعني إسهاماً في تدمير التعليم وفي النتيجة في تدمير البلد.
وهكذا فإن كل أولئك الذين كانوا يعانون حينها، وهؤلاء الذين يعانون الآن ممن يشير إليهم أصحاب الدعوات (الإنسانية) يستحقون أن نضعهم على رؤوسنا وأن نجمع لهم تبرعات وأن تتولى الدولة رعايتهم. ولكن أن نتساهل معهم بأكثر من هامش صغير جداً في متطلبات أي مؤسسة علمية، مدرسة أو كلية أو جامعة، يعني تدميراً لهذه المؤسسة، وللتعليم عامةً، وتبعاً لذلك تدميراً للوطن، وهو ما يحدث الآن. فمع احترامي لرأي من يدعو إلى مساعة الطلبة بهذا الشكل، ومع وضوح منطلقه الإنساني والأبوي، ليسمح لي أن أقول له بكل صراحة: إن اتباع منهج مراعاة الظروف في التعليم العالي وعلى حساب العلمية والتشدّد فيها، سيعني أن نُتيح لليتيم والذي يرعى عائلة أو عائلتين، وابن الشهيد والمقاتل في الحشد الشعبي أن يمتحنوا خمس مرات وستاً وأكثر- فهم يستحقون- في كلية الطب مثلاً، ولن نتركهم حتى ينجحوا ليلتحقوا بالمستشفيات والعيادات يكملون تعلّمهم الأعرج هذا بأجساد مرضاهم. والأمر نفسه ينطبق على من سيهندسون بيوتنا وعماراتنا ومشاريعنا ومصانعنا، وعلى من سيعلّمون الأطفال والصبيان وهم لا يعرفون حتى حروف الهجاء، وعلى غيرهم في الاختصاصات الأخرى، وهذا ما نظنه يحدث الآن بدرجة أو بأخرى، ويا ويل من لا يتساهل مع هؤلاء من التدريسيين والمسؤولين.
بقي، في العودة إلى القرارات الإيجابية الأخيرة الصادرة عن وزير التعليم العالي، آمل أن لا تكون قد جاءت لأن من اتفقوا عليها، من وزير ورؤساء جامعات، في أيامهم الأخيرة في المسؤولية مع اقتراب الانتخابات، وعليه فهم يعون أنهم لن يكونوا مسؤولين عن تطبيقها والحفاظ عليها، وفي النتيجة سيكون المتراجعون عنها مسؤولين آخرين.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون