المزيد...
آراء وافكار
2017/10/31 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1196   -   العدد(4055)
الموقف الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران
الموقف الأمريكي من الاتفاق النووي مع إيران


 د. جاسم الصفار

خطا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطوته الأولى للخروج من الاتفاق النووي الإيراني. فحسب القانون الأمريكي يتعين على رئيس الدولة كل ثلاثة أشهر، أن يخاطب الكونغرس مجدداً موقفه من نقطتين، الأولى عن مدى التزام إيران بالاتفاق النووي، والثانية عن توافق الصفقة النووية مع إيران والمصالح الأمريكية.
في 13 تشرين الاول/ اكتوبر، أعلن الرئيس الأمريكي أن الصفقة النووية مع ايران لا تتوافق مع المصالح الامريكية، لذلك يتعين على الكونغرس أن يحدد في غضون شهرين مصير الاتفاق النووي، أما بإلغاء الاتفاق أو اعادة النظر فيه، وفي حالة تعذر تحديد موقف الكونغرس من الاتفاقية، فقد وعد دونالد ترامب بالخروج منها. على أن ذلك يواجه عقبتين، هما:
الأولى، خروج الولايات المتحدة الامريكية من الاتفاق سيرفع القيود عن تطوير البرنامج النووي الايراني، خاصة وأن النشاط النووي الايراني لم يكن ممنوعاً، فحسب قوانين منظمة حظر انتشار الأسلحة النووية، تستطيع ايران تطوير طاقتها النووية للأغراض السلمية، والتحديد الذي ركزت عليه الاتفاقية كان لقطع الطريق على مراحل من التطور التقني تمنح ايران القدرة على امتلاك الأسلحة النووية، وقد اخذت إيران على نفسها الالتزام بهذا التحديد. فإن حصل وقررت امريكا الخروج من الاتفاقية دون أساس موضوعي واعتماداً فقط على رغبات الرئيس ترامب، فإنه سيصعب بعد ذلك اقناع ايران بالعودة مرة أخرى للالتزام بالمحددات التي ألزمت ايران نفسها بها وفقاً للاتفاق.
الثانية، إن ترامب بقراره الخروج من الاتفاق من طرف واحد مع عدم اخلال الطرف الإيراني بشروط الاتفاق، سيخلق حالة عدم ثقة بأيّ اتفاق مع امريكا في المستقبل. وسينسحب هذا على اوضاع أخرى في العالم تتطلب الحل عن طريق التفاوض والاتفاق كما هو الحال مع كوريا الشمالية. فإن كانت امريكا لا تحترم اتفاقاتها الدولية حتى عند الالتزام الصارم بها من قبل الطرف الآخر، فمن الذي سيضمن احترام اتفاقيات قد تعقد في المستقبل مع بيونغ يانغ.
على أن دونالد ترامب في سياسته الخارجية يبقى أسير نهج سارت عليه الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فلتجاوز المشاكل الداخلية يجب توحيد الأمة في مواجهة عدو خارجي. وحسب رؤية ترامب، فإن هذا العدو لا يجب أن يكون افتراضياً أو مصطنعاً كداعش وليس خطراً وكبيراً مثل روسيا ولا صغيراً محدود الإمكانات مثل كوريا الشمالية، ولهذا الغرض وقع الاختيار على ايران، وكبداية، يجب الخروج من الاتفاق النووي معها وتركها تتخبط متحررة من قيود الاتفاق منزلقة نحو التصعيد وخلق أسباب النزاع.
إنه تقليد عند رؤساء الولايات المتحدة الامريكية بالانشغال بتحديد الاعداء "محور الشر" مع "الإبداع" في اختيار هؤلاء الاعداء، فعند جورج بوش الابن، كان هذا المحور متمثلاً بالثلاثي (ايران والعراق وكوريا الشمالية) أما عند براك اوباما فكان (ايبولا وروسيا والإرهاب)، أما ترامب فاختار (فنزويلا وكوريا الشمالية وإيران)، واذا كان الموقف من فنزويلا وكوريا الشمالية له مبررات معروفة يمكن التعكز عليها، فإن الموقف من ايران يحتاج الى تفسير.
موقف ترامب من ايران كان واضحاً وبراغماتياً، فهو لم يهتم بطبيعة النظام ولا بالتزامه بحقوق الانسان، بل، النفوذ الكبير لإيران في المنطقة على حساب نفوذ امريكا ومصالح اصدقائها في المنطقة. أو كما بلور الرئيس الامريكي رؤياه تلك في خطابه امام الجمعية العامة للأمم المتحدة، والتي تتلخص فكرتها الرئيسة في، أن المصالح القومية لإيران لا تتوافق مع المصالح القومية لأمريكا.
فإيران هي المدافع الأقوى عن نظام بشار الأسد، وهي التي انقذته من الهزيمة كما أنها الممول الرئيس لحزب الله اللبناني وهي، حسب ما تعتقد الادارة الامريكية، وراء الفتن التي حصلت في اليمن والبحرين، وهي القطب الذي قد يجذب يوماً دول الخليج الى جانبه. وترامب ليس وحيداً في وجهة نظره تلك، بل تؤيده بحرارة في كل خطواته التصعيدية مع ايران دول اقليمية صديقة مثل العربية السعودية وإسرائيل. فإسرائيل ترى في زيادة نفوذ ايران في سوريا ولبنان تهديداً كبيراً لأمنها الوطني، وكذلك يثير حفيظة الرياض اتساع نفوذ ايران في العراق وسوريا وأخيراً في الخليج.
على أن اهتمام ترامب الاكبر يتركز اليوم في كسب تأييد المحافظين الجمهوريين في الكونغرس الامريكي الذين يناصبون ايران العداء بسبب سجلها في مجال حقوق الانسان وموقفها من الموديل الغربي للديمقراطية، والاهم من ذلك انهم لا يستطيعون نسيان استيلاء الإيرانيين المناصرين للثورة الإسلامية على السفارة الامريكية في طهران واحتجازهم القائمين بإدارتها في نهاية سبعينات القرن الماضي. فالمحافظون والصقور في الادارة الامريكية متعطشون للانتقام، وسترتفع شعبية ترامب كثيراً، بين صفوفهم، مع تبنّيه لسياسة متشددة تجاه ايران.
بموجب الاتفاق النووي بين ايران وامريكا وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا وألمانيا والاتحاد الاوربي، ترفع عن ايران جميع العقوبات ويسمح لها باستخدام اموالها المجمّدة وترفع القيود التي كانت تحدد انشطة ايران الاستثمارية والتجارية، مقابل موافقة ايران على وقف تطوير برنامجها النووي.
وفقاً لذلك، وافقت ايران على تخفيض مخزونها من اليورانيوم المنخفض التخصيب من 10 أطنان الى 300 كغم وعدم زيادة هذه الكمية لمدة 15 عاماً. في هذه الفترة لا يجوز على ايران زيادة نسبة التخصيب عن 3,67%، أي بدرجة تكفي للاستخدام في المفاعلات الخاصة بالأبحاث النووية وانتاج الطاقة، ولكن غير كافية للاستخدام في تصنيع قنابل نووية (في هذه الحالة تحتاج ايران الى نسبة تخصيب لا تقل عن 20%). وقد تخلت ايران عن جميع مخزونها من اليورانيوم المخصب بدرجة اعلى من 3,67% وتعهدت بأن لا تشيّد اي موقع جديد لتخصيب اليورانيوم لمدة 15 عاماً، وإن لا تقوم بأي ابحاث تخص اعادة انتاج الوقود المستخدم في المفاعلات، وأن ينقل كل الوقود الناتج عن المفاعلات الذرية الى خارج ايران. عدا ذلك فإن على ايران في العشر سنوات المقبلة، أن تستخدم فقط 5 آلاف من مجموع 19 ألفاً من اجهزة الطرد المركزي، علماً بأن عدد الاجهزة الخاضع عملها للتجميد هي الأكثر تطوراً وقدرة من بين الأجهزة جميعها.
والأهم من ذلك هو أن ايران وافقت على اخضاع جميع المواقع المستخدمة للتخصيب وابحاث الطاقة الذرية للمراقبة الدولية الصارمة، اضافة الى سماحها لمنظمات الرقابة الدولية بزيارة اي موقع تشك باستخدامه بصورة سرية للتخصيب. وفي حالة مخالفة ايران لبنود الاتفاقية، فإن الولايات المتحدة مع الاتحاد الاوربي تستطيع اعادة العقوبات على ايران حتى وإن اعترضت روسيا والصين.
ومع أن معظم المتخصصين في مجال الطاقة الذرية يعتبرون الاتفاق النووي الايراني صفقة ناجحة إلا أن المحافظين والصقور في البيت الأبيض ومن بينهم ترامب نفسه، يعتبرونها اسوأ صفقة على الاطلاق، لأنها في حدود تصورهم، قد رفعت عقوبات وقيوداً اقتصادية كان من الممكن أن تحد من نشاط ايران في دعمها للمنظمات "المارقة" وفتحت المجال لاستثمارات غربية هائلة في ايران من شأنها انعاش الاقتصاد الايراني وترسيخ النظام السياسي في إيران، والأهم من ذلك عند ترامب هو أن تلك الصفقة تعد الانجاز الاكبر لإدارة اوباما والتي يسعى ترامب للتخلص منها كغيرها من الإنجازات التي تحققت في زمن أوباما.
إلا أن الرئيس الامريكي في خطواته المحسوبة للخروج من الاتفاق النووي مع ايران، يواجه معارضة شديدة من قبل كل الأطراف الأخرى الموقّعة على الاتفاق، وكما قال الخبير الامريكي المعروف جوزيف تسيرينتسيونة "إن حلفاءنا (يقصد الاوربيين-ج. الصفار) قد حذرونا بأننا إن غادرنا الاتفاق النووي مع ايران، فإننا سنغادره لوحدنا". فمنذ توقيع رفع العقوبات عن ايران في عام 2015، عقد الغرب مع ايران صفقات بعشرات المليارات من الدولارات، وهم لا يرغبون بفقدان عقود الاستثمار هناك، تاركين السوق الايرانية للصين وروسيا، لذا فإنهم يعترضون بشدة على الغاء الاتفاق النووي مع ايران، وحسب ما ذكرته ممثلة الاتحاد الاوربي هيلكا شميت، فإن الصفقة النووية مع ايران هي في نهاية المطاف "ليست اتفاقاً ثنائياً بين طرفين بل اتفاق متعدد الأطراف، وكأوربيين سنعمل كل ما بوسعنا لكي يبقى الاتفاق النووي مع ايران قائماً".
بالطبع، تستطيع امريكا فرض عقوبات جديدة على ايران ووضع الدول الأوربية امام واقع، اما خسارة ايران أو تعرض شركاتها للعقوبات الامريكية كما هو الحال مع روسيا. ولكن ذلك سيخلق شرخاً في العلاقات الامريكية الاوربية ويضر بمصداقية امريكا كحليف تهمه مصالح حلفائه الأوربيين. وهذا ما دفع العديد من رموز الإدارة الامريكية للوقوف بالضد من توجهات الرئيس ترامب للخروج من الاتفاق، من بين هؤلاء وزارة الخارجية ممثلة برئيسها ريكس تيلرسون، اضافة الى مستشار الأمن القومي هربرت ماكماستر ووزير الدفاع جيمس ميتيس.
وهذا لا يعني بالتأكيد أن ترامب يمكن أن يتراجع عن موقفه في الخروج من الاتفاق، فهو من حيث الواقع، برفضه المصادقة عليها، فرض على الكونغرس بالتعاون مع إدارته تقديم مقترحات لتعديل الاتفاق، بحيث يستجيب للمصالح القومية الامريكية، الأمر الذي ترفضه ايران بصورة قاطعة ولا يؤيده أي طرف من الأطراف الموقعة على الاتفاقية.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون