مسرح
2017/10/31 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1400   -   العدد(4055)
نمذجة الوقائع التاريخية العينية..في ضوء إسهامات يهود العراق المسرحية
نمذجة الوقائع التاريخية العينية..في ضوء إسهامات يهود العراق المسرحية


عقيل جعفر مسلم

إن الأهمية البحثية التي ينطوي عليها كتاب (اسهامات يهود العراق في المسرح) للأستاذ الدكتور علي محمد هادي الربيعي الذي صدر حديثاً عن مؤسسة دار الصادق للطباعة والنشر والتوزيع 2.17، فهو يتناول مجمل إسهامات الطائفة اليهودية في تأسيس دولة العراق الحـديـثــة ودورهم في تشييد بنيته المؤسساتية الإدارية والاقتصادية والثقافية .

 

كما يـسلط الكتاب ضـــوءه الرئيس على مجـــالات الفـــنون المتنـــوعة والآداب والـدراما ، ويؤكـد الربيعي رأيـــــه بالآتـي : ( اهــتم يهود العراق كــثيراً بالفنون وخـصوصاً بفــنون الموسيقى والغــناء والمقامات والجالغي البغدادي والتلحـين وغيرها . وبـدأت بواكير دورهم فـي هذا المجال عـــندما كانت تقــام الحفـلات في محلات سكنهم الخاصة أو فــي تجــمعاتهم ، كما اشتغل الكثــير منهم في فنون الموسيقى التي أجادوا فيها ومثلوا العراق فـي الحافل الخارجية ). كذلك ممارسات الطائفة اليهودية وتفوقها في مجالات حياتية أُخرى مثل الصحافة والإعلام والإدارة والمحاسبة والشؤون المالية والقانون والتجارة ، فضلا عــن تركيز مواضع الكتاب على الفرجة المسرحـيـــــة .وهناك تناولات بالبحث والتفصيل تطرق إليها الكتاب تؤكد الأهمية البالغة التي انفرد بـها هذا الكتاب كمصدر جامع لهذه الطروحات (الفرضيات) فهو أول دراسة شاملة تتناول شخصيات يهودية عراقية اشتغلت في المسرح .
وإذا كان التراث اليهودي السوسيولوجي قد ضم خلال القرن العشرين حضوراً فاعلاً أكثر شـمولاً فـــي الثقافات العراقية من اسهامات وبروز كتاب أعلام وفــنانين متخصصين قدموا انجازات انســانية قد أشار لهم بالتفسير والتحليل فضلاً عن ( حقل الطب والتمريض حقق اليهود شهرة واسعة مارسوا اختصاصاتهم في المستــشفيات ودوائر الصحة العراقية وفي العيادات الخاصة ، كــما كـــان لهـــم حـضور واضح في تدريس العلوم الطـبية في الكلية الملكية الطبية وقد نال قسم من الاطباء الـيـهود شهرة واسـعــة ) . ذلك أن فصول الكتاب بحثت في أنماط ونظائر فنية كانت حاسمة في عراقيتها ، وبقدر تعلقها بواقع الحقبة ( أسست المملكة العراقية في سـنة 1921) وقـــد ساعدت في بلورة دراسات تاريخية حــرة جريئة ، فضلا عن أساليب الطرح استخدامات للطرح الموضوعي ، يمكن أن تأتي باستنتاجات بحـــثــية مــدهـــشــة في هـــذا المــضــار .
فرض إنشاء هذه الدراسة التاريخية بحــثاً معاصراً دائباً عن الجـذور ومحاولات لإدراك كيفيات تعنى بفنون الحاضر ولمعرفة منابعه وثم مؤداه . إن التنوع الفكري المقدم يعبر عن تجسيد للحركة المسرحية ( الخالصــة ) ولـيدة عـصرها ، وقد بدت وكأنها وجدت ما يقابلها من تــيار يرى فيه المؤلف افـتـتان بالتاريخ وهـو المحافـظ والقديــم ، أصـلاً وفصــلا ً.
يناقــش الربيعي الاهــتمام بالمــعاصر الســائـد ، فيتعرض عبر كتابه ( الفصل الثـاني / الفرجة المسرحية ) وبأوسـع التناول تتبع أي أيدلوجية أو يقـيـن جـاد لماضٍ وتحريره إلى أشكاله التاريخية في اسلوبية ممتعة لربط نـمط تطــورها بالواقع الحـاضر والآني . فـكانت المعالجات النافذة للمؤلف تستمد حقائقها من ( المنهج التاريخي ) فضلاً عن ذلك ، فإن نســق المعلومات عنده هي السمة الابرز في فكر المرحلة حيث يؤكد انتفاعه من بعض الآراء والجدليات المقنعة لتحقيق مبدأ الاستمرارية التاريخية .
وانعكاساً للأثـر الصادر من الولوج في المصادر التاريخية النادرة والتي تتـطلب الترحــل والــترحال للحصول عليها ، جـــاءت المبادرات المنوعة لتأسيــس روابط الوصــول بالتراث الأصيل والمستقاة من أساليب الأهداف والغايات من المسرح وفــنونه ( التعليم ، الترفيه ) . ومــن نافــلة القــول أن الربيعي يـقـدم التاريخ الفني في العراق كمـفتاح وحيد يـتـيـح معرفة الحاضر الفني ويتخذ مبدأ الالتزام بخــصوصـية الحاضر سـر جــدية التاريخ وإن الأخــــير فلسفة الحاضر الفعلية . وعدّه منظوراً لإدراك وتتبع الدراسات التخصصية المعاصرة.
وعلى الرغم من التسليم بالحاجة الماسة الى تحديد معالم بدايات فن المسرح في الـعراق فأن الربيعي أكد على طبيعة البناء التركيبي الخاص بالنص لتلك الحقبة الزمنية وقد أشارت المحـتويات الى مـشاهــد من مسرحية ( ولـيم تـيل ) للشـــاعــر الانكـــلــيزي ( شريدان ) التي ترجــمها ( أنور شاؤل ) عن الانكـليزية وطبـعها في مطبعة الجـمعــية الخيرية ببغداد ( 1931 ) ويؤكد حصوله على مشهد واحد فقط من الفصل الأول . أما المسرحية الثانية فهي مسرحية ( ربــقة واسحاق ) للكاتبة الفرنسية جوي دافلين وترجـمها شاؤل أيضاً عن الفرنسية . على أن عرض الرؤية يـــتوجه بـــوضوح مــــع مســرحية ( مــوسى ) وهـــي الـثالـثة في الكتاب للكاتب ( لورانس لانجار ) وترجمها شاؤل عن الانـكـلــيــزيـة ونشرت في جريدة الحـــاصد بعددها السادس عشر الصادر في حزيران 1929.
ومن استعراضٍ حرفي لفصول الكتاب يخلص القارئ إلى حـقيقة مهنـية لا مناص منها يؤشرها تقصي حيثيات الماضي القائمة على تحــقيق معرفي للتفوق التاريخي مــن خلال حقب الحاضر ، فضلا عن ذلك أن يلتمس ( التاريخ - الماضي ) ويشعــر بأزمــته كأفعال يمكن أن تبدو له حــقائق ومـــنطلقات ايجابية ، فالماضي كيان حيوي وهو فـلسفة الزمن الحــديــث .
وعلى الرغم من التسليم بالحاجة الماسة الى تحديد معالم بدايـات فن المسرح فن المسرح العراق فأن الكاتب هنا أكد على البنية التطوريّة التدريـجـية لفكرة الأنشطة المسرحية ذلك جــدلاً ووفق التـــنوع الأسلوبي لأدبيات المسرحية ، فمع ( بداية العقـد الثالث من القرن العـشرين أخذ النشاط المسرحي في العراق بالنماء بشكل لافت للنظر فبــدأ تأسيـس الفرق المسرحية التي تزاحمت فيما بينها على تدشين المسرحيات العالمــية والعربــية والعراقـية . وأخذت المدارس العراقية تتبارى في تقديم العروض المسرحية ، وتسابقـت المسارح الى استقـبال الفرق المسرحية الزائرة سواء العربية منها أو الاجنبية) ص155 .
إن أي مسـح لإسهامات يهود العراق في الفنون والآداب عامة والمسرح خاصـــة مهما كان موزعا ومؤرشفاً في مصادر عرضـية إلا أنه سيؤدي إلى تبيان أهمية بحثية مركزية (تأريخانـية) وهذا عنصر تتجلى فيه أسـاليب ومعالجات متــنــوعة وحـسب ارتباط ذلك بآمال وطموح الباحث ذاته لإثبات حـقـيقـة تاريخـية يمكن تـناولها بحثياً في المستقبل.
على أن مرحلة إسهامات الطائفـة اليهودية ، تعد حقبة خـصـبة تمحور خلالها العديـد من الكـتاب والفنانـين الذين قدمهم الكاتب بالعرض والتحـليل والاكتشاف ، واستخدمـهــم أنموذجاً ومثالاً وتراثــاً وثــقــافـة وظــاهرة ومن هؤلاء اسماء الأعلام : عـزرا حـداد ، سلمان شـينه ، شـالوم درويـش ، سـتيرينـه إبراهـيم ، شاؤل حـداد ، أنور شاؤل ، يعقوب بلبول ، وغـيرهم . لـقد أكد الربيـعي دائـماً إن دراســة الحـقـب الماضـية والتي عرفــت المسرح ومارسـته بوصفه أكــثر الفـنون تعــبيرا عن الحرية والتعليم وبهذا يحقق منهجـا متفرداً للحياة المسرحية في العراق ، ويشير الى المهمة الجادة للدراما موضوعاً مـتداخلا مـع التاريخ يمكن لها أن تمتلك خصوصية بامتياز فهي تـغدو فنوناً قومية محلية راقية جديدة تـفرد بـها العراق آنذاك وهـي في الواقع أسـست للموروث الشـرقي وجـمالـياتـــه . ومـن خلال عدد من المفاهــيم التي طرحـها المسـرح العراقي آنـذاك والتي سـاهــم فـي صنعها اليهود العراقيون أسـتطاع الربيعي تـقديم تـنوع لتلك المفاهيم وأشار لها في كتابه وقد تمثلت بالتصورات والرموز والأفكار المتتابعة والمتجذرة غالباً في الواقع الشعبي المحلي ، فقد واجه قراءه بمشاكل الواقع الاجتماعي . وعلى الرغـــم مما تقـــدم من أسـباب وغيرهـــا فأن اليهـود ومؤســسـاتهم التعلـيمية استشعروا أهمية المسرح ووجدوا فيه سـبيلاً لتـمرير غايات مـعــينة وبدأوا يمارسونه في مدارسهم وجمعــياتهم مع بدايــة القرن العــشرين وهذا ما أشار إليه اليهودي العراقي (نـسـيم رجــوان) في مذكراته الى أن المدارس اليهـودية اهــتمت بالمسرح مع بداية القرن العشرين بعدما وجدت فيه فوائد ترفيهية وتربوية على حد سـواء وأنها مـهدت في أدخال الـدراما الحديـثة في منهاجــها ، وهذا ما أكده الربيعي . على ذلك التــناول السـيروري كان يمثـل اهــتمام النــاس والمؤســسات الحـكومية كالمدارس ومراكز عـبادة الطـائفة . ويــبدو من الجلي إن تسمية الريادة في تقديم عروض مسرحية لمسرحيات أجنبية مترجمة بداية توصم بالطائفة اليـهودية وبالمعنى الحرفي . وقد أشـار الربيعــي بالتأكيد الى صانعي الإنجاز المسرحي فـيرى حـقيـقة في هذا المـضار بالآتـــي : ( ولـئن كان علينا أن نعطي للممثلين كـلا حقـه فأن هـملت - هرون افندي خرموش - ولايرت - صالح افندي يـنـطــوب - كانا موضوع إعجاب الجمهور وتقـديره الأول فيما أبرزه من الإجادة في تمثيل حبه أوفيليا وهيامه بـها والأخذ بـثأر أبـيـه والتظاهر بالجنون وغـــير ذلك مـن المواقــف التي تـتـطلب مرونة الشــاعر تارة وتصلبها في أخرى . والثاني فــيما أظهره مــن الإجادة في التعـبـــير عن الحكمة الخلـقـــية ، وفــي تمثيله دور البطولة والشهامة).
وعلى هذا النحو يتم استكـشاف مرحلة الريادة التاريخية العيـنيــة بوصـفه مدخلاً متــفرداً للفن المسرحي وتاريخه في تناول العروض المسرحية الأجنبية المترجمة كـــمنطلق أولي مارسته الطائفة اليهـــودية وحـسب ما أكده الربيـعي في قوله : ( وفي يوم الاربعاء الموافـــق الـثـامـــن والعـــشرين مـــن آذار 1928 أقامـت إدارة مدرسة كان مناحيم للبنات فـــي بغــــداد حفــــلة أدبية فــنية شائقة قدمت خلالها طالبات المدرسة مسرحية الطـائر الأزرق . وفي يوم السبت الموافق الحادي عشر من أيار 1929 مـثل طلبة مدرسة الأليانس في بغداد مسرحية الطبيب رغماً عنه للكاتب الفـرنسي مـولير) . ويضيـف الربيعي ( بقي المسرحان – المسيحي واليهودي - يعـتاشان في بواكـيرهما على المسرحـــيات الأجنبية لقـلة التأليف المـحلي ) . وتـشــير الدراسة الى أن الفنون التي كانت مزدهرة ومعبرة وحيوية سائدة ، إنما هي الرموز المجسدة لتلك العصور العراقية لتحقيق نفاذها وشــــيوعها آنذاك وهي بمـــثابة مداعبة واثبات وجـود لعـين الأنـماط الفكرية المـسنودة الخاصة والمسـتـنـبـطــة مــن الأطلال الأجنبية ، فالاختبارات لنصوص مترجمة عمل رائد لهذا الجنس الأدبي ، وهو لم يتجاوز حـدود الهوايات والتمتع الجمالي . وإن ما يذكر في إسهامات الطائفة اليهودية في العراق للأنــشطة المسرحية ووفـــق قراءتنا فـقــد أكتـفـت تـلك الأنشطة بمداعبة أنماط محدودة لا تـسـتـثـني المـبالغات الرومانـسـية وتركزت في تقديــم ما يـثـير عواطـــف التعـصـب والحـنيـن السـلبي إلى التاريــخ القديــم ، وما يرافـق ذلك مـن خصوصية التقديم ، والبحث عن الثيـمات المعبرة عن التضخيم وحيث تميل الطبـقات المترفعة اجتماعياً واقتصادياً تلك ، التي أحاطت بكل أشكال الفنون المسرحية من أجـل المتعة والترفيه فحسب . إن التمعـــن بدراستها تعني الربط الفعلي بين تلك الممارسات الفنية وبين المرحـلة التاريخية للمسرح فــــي الـعـــراق . .



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون