آراء وافكار
2017/11/01 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 972   -   العدد(4056)
قضية للمناقشة:غضب شعراء الدقهلية
قضية للمناقشة:غضب شعراء الدقهلية


 فريدة النقاش

"هامشي في طريقي للنهاية".
استوقفني هذا الإصرار كأنه وعد قطعه الشاعر "عبد المنعم الحريري" على نفسه، وهو وعد قادم من حالة غضب كانت السمة الأساسية في أشعار وتعليقات سبعة عشر شاعراً ومثقفاً من أبناء وبنات الدقهلية في أمسية حافلة قضيتها معهم في مقر حزب التجمع في المنصورة، وكنا كأنما نسترجع معاً أيام مجد الحزب ومعاركه المميزة ضد الفساد والاستبداد، والجولات الانتخابية التي طرحنا فيها برنامج الحزب على جماهير الدقهلية، وكان لي شرف تمثيل الحزب مرشحة على الاتنخابات البرلمانية عام 1984، وثمة علاقة وثيقة بين الأمسية الشعرية الحافلة وبين الانتخابات التي تبارى فيها الشعراء لصياغة برنامج الحزب زجلاً وأغنيات تطوع منشدون ذوو أصوات جميلة وقوية وغنوها أمام جماهير حاشدة متطلعة ومنصتة، وكان المناخ العام حينها مفعماً بالأمل رغم الصعوبات. إذ قدم "حسني مبارك" نفسه للشعب المصري متقمصاً شخصية "جمال عبد الناصر" وواعداً بالتغيير إلى الأفضل، وذلك قبل أن تسفر سياساته بشكل كامل عن وجهها القبيح استمراراً بل وإضافة إلى منهج "السادات" وسياساته إلى أن انفجرت موجات الثورة بعدما يقارب النصف قرن لتطيح "بمبارك" ومن بعده "بمحمد مرسي".
وكان طبيعياً أن تضع موجات الثورة، بل وكل أشكال الاحتجاج التي سبقتها ومهدت لها بصماتها العميقة على الإنتاج الأدبي والثقافي بعامة، وهؤلاء الشاعرات والشعراء المميزون هم أبناء هذا الواقع الجديد، والذين لم يأت إبداعهم مجرد انعكاس له، بل إنه تعبير مركب عنه وحافل بالتجديد والتطلع إلى التجاوز.
ولعل هذا التجاوز الذي وصل بالشعراء والشاعرات إلى الإضافة التي قدموها، يتمثل في الخفوت والإلغاء الكامل أحياناً لطابع الإنشاد والهتاف ضمن مضامين كان بوسعها أن تعزز مثل هذا الطابع، سواء الوحدة أو الغربة، سواء الوجع أو انتصار العدم أو الملاحقة البوليسية "يرسلني العسكر للعسكر وأن لا أحمل في جيبي سوى عصفور" بينما وقف بعضهم على عتبات الدراما بمقدرة حوارية لافتة .
وكنا في تجربة الانتخابات قد وعدنا أنفسنا بفحص وتحليل الهتافات والأناشيد التلقائية التي انطلقت في المسيرات والمظاهرات والندوات التي رافقت الحملة الانتخابية.
وحين حللنا الموضوع بصورة شاملة توصلنا معاً إلى أن مصدرها هو هذا الوعي الجمعي الذي تشكل في أوساط الجماهير عن طريق الخبرات المتنوعة، وأشكال الصراع والتضامن بين الناس ضد الظلم والاستبداد والاستغلال، وكنا نضع أمام أعيننا هذا التعريف من عشرات التعريفات للثقافة أنها " ذلك الشيء الذي تبقى بعد أن يضيع كل شيء " .
وولدت أجيال جديدة من الشاعرات والشعراء والكتّاب والمثقفين المتلهفين للتواصل مع أوسع جمهور، وقد تذكرنا معاً حلم الشاعر والمسرحي الكبير "برتولد بريخت" الذي قال أتمنى أن يحظى المسرح والشعر بجمهور كرة القدم.
اتسعت المنابر العامة بما لا يقاس من صحف وفضائيات، ومجلات متخصصة، ومع ذلك بقيت أزمة التواصل وربما تفاقمت، ذلك أن المعايير التي احتكمت لها هذه المنابر بقيت غالباً ذاتية، وبالتالي انتقائية فضلاً عن أنها مركزية حتى أن المبدعة أو المبدع القادم من خارج العاصمة، لابد لكي يجد لنفسه مكاناً فيها أن ينشئ علاقات حتى يستطيع أن يجد له مكاناً في قلب التزاحم، وتزداد الأمور صعوبة مع المبدعة التي لاتزال حركتها مقيدة إلى حد ما، فتبقى غالباً في مكانها إلى أن يتذكرها مؤتمر أدباء مصر الذي يتميز دون غيره من المؤتمرات والمنابر بأن الأقاليم هي المصدر الأول للمشاركين والمشاركات في أعماله، وهو ينعقد بانتظام ولكنه ليس كافياً نظراً لأن مصر الولادة، أصبحت تضمّ أكثر من مائة مليون مواطن.
وأدى اتساع المنابر جنباً إلى جنب التطور المذهل في ثورة الاتصال إلى تزايد قدرة المبدعات والمبدعين على الوصول إلى منابع الثقافة على الصعيدين المحلي والعالمي وهو ما مكّنهم من تطوير أدواتهم وتعميق ثقافتهم والانفتاح على الأفكار والقوى الجديدة ومن ثم تجديد أدواتهم .
ولفت نظري وأنا أستمتع بالشعر المميز والأصوات الجديدة، أن القصيدة العمودية لا تزال تحتفظ برونقها، وأذكر هنا اسم "السيد سعيد وادي" الذي انسابت القافية في شعره لتفصح عن معرفة بالتراث واللغة، ووجدت الكتابة عبر النوعية مكاناً لها فيما قرأه "محمد يوسف" بينما أثرت الأمسية أشعار كل من "عبير طلعت" و"إلهام شرف" و"نيفين الطويل" الشخصية الآسرة متعددة المواهب، وعبرت هذه الأمسية التي أدارها الشاعر "مصباح المهدي" عن التنوع والثراء والصدق في هذه المجموعة الرائعة التي أعد بقراءة أخرى لشاعراتها وشعرائها كل على حدة لأبيّن كيف تحول الحزن والشكوى إلى غضب، فالذي يشكو ضعيف، لكن الغضب قوة، وكان الغضب سائداً والشعر قادراً على إيقاظ النائمين، وهذا طبيعي ألم يخرج هؤلاء جميعاً من عباءة الموجات الثورية .
تحيةً وامتناناً لشعراء الدقهلية والذين جاء بعضهم من قرى بعيدة.



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون