آراء وافكار
2017/11/01 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1432   -   العدد(4056)
مقاربة بين الدينيين والعلمانيين في ثورة الحسين
مقاربة بين الدينيين والعلمانيين في ثورة الحسين


د. قاسم حسين صالح *

ما تنفرد به ثورة الإمام الحسين، إنها تتجدد مع أنه مضى عليها اكثـر من ألف عام، والسبب هو أن الصراع بين الاستبداد والطغيان والاضطهاد وظلم السلطة والرذيلة من جهة، وبين الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية والفضيلة واحترام الانسان من جهة أخرى.. مسألة أزلية، لا يحدّها زمان ولا مكان، ولا صنف من الحكّام أو الشعوب.

وسيكولوجياً.. كان مشهد استشهاد الحسين تراجيدياً من نوع فريد.. ليس فقط في الموقف البطولي لرجل في السابعة والخمسين يقف بشموخ وكبرياء أمام آلاف الرجال المدججين بالسيوف والرماح المنتظرين لحظة الإيذان بالهجوم عليه وقتله، ورفضه عرض مفاوض السلطة بأن يخضع لأمرها وله ما يريد، وردّه الشجاع بصيحته المدوّية:(هيهات منّا الذلّة)، وعلمه أن الطامعين بالمكافأة يتدافعون في أيّهم يقتله أولاً، وأيّهم سيمثّل بجثته.. بل ولأن المشهد كان فيه نساء واطفال.. فأيّ مشهد تراجيدي افجع من مشهد قطع رؤوس جاء اصحابها يطالبون بإصلاح حال السلطة والناس وتعليقها في الرماح والطواف بها بين البلدان؟! وأي مشهد تراجيدي أفجع من مشهد طفل رضيع ينحر بسهم بين يدي أبيه طالباً له منهم شربة ماء؟! وأي احتجاج أبلغ وأقسى وأوجع من ثائر يرمي بوجه السماء دم ابنه الرضيع المنحور بين يديه.. مع أنه ثار من أجل تحقيق عدالتها؟!


تجيير الثورة..بأسم الشيعة
ما نؤاخذ عليه أننا لم نقدم الحسين الى العالم بمضمونه الانساني بوصفه ثائراً مطالباً بتطبيق قيم الحق والعدالة الاجتماعية والوقوف بشجاعة بوجه الظلم والقهر والاستبداد، وحيثما كان هنالك نظام يحتكر السلطة والثروة، بل قدمناه بوصفه رجل دين ثار من اجل قيم دينية. وجرى للأسف تضييق هذا البعد وجعله محصوراً بطائفة محددة، مع إن ثورة الحسين ما كانت طائفية ولا محسوبة لجماعة معينة، بل كان فيها الحجازي والشامي والعراقي واليمني.. والمسلم والمسيحي. ويبدو أن السبب في ذلك ما كان عراقياً.. بل إيرانياً لأسباب يطول شرحها. ولقد حان الوقت لمنح هذه الثورة بعدها الانساني الذي تلتقي فيه اهداف العلمانيين والدينيين بعد أن توافرت لكليهما الظروف السياسية والاجتماعية والاعلامية. لكن هذا لن يتحقق اذا جرى التركيز على الجانب الديني والطائفي، لسبب سيكولوجي هو أن الأديان والطوائف الأخرى لا تتقبل أن تطرح عليها القضايا بصيغة المفاضلة، فيما تتقبله اذا طرحت بصيغتها الانسانية، واذا جرى التركيز أيضاً على ابعادها الاجتماعية والاخلاقية والاقتصادية. كما أن البعد الانساني لهذه الثورة لن يأخذ مداه اذا ظلت السلطة تبقى وراء الترويج لها كما هو حاصل الآن في عدد من الدول الآوربية، حيث تقوم بعض السفارات العراقية بإحياء هذه المراسيم، فلا يتقبلها الأوربي لأن عقله تحليلي يبحث عن المصدر الذي يوصله بالنتيجة الى أنه طائفة تسلمت سلطة.. فيما لن يتقصّى ذلك لو أن المراسيم كانت عفوية تلقائية.
لقد ازدادت المواكب الحسينية وصارت الأرقام تتحدث عنها بالملايين، وأحد أسبابها هو أن الشيعة بوصفها كانت طائفة مضطهدة تريد أن تقول للآخرين عبر هذه الطقوس، اننا رغم ما تعرضنا له من اضطهاد وظلم واستبداد، فإننا هاهنا موجودون وأن قوتنا في ازدياد ليس محلياً فقط، وإنما عالمياً أيضاً حيث الآلاف من انحاء العالم يأتون لمشاركة إخوانهم الشيعة في العراق.. ليشكّلوا قوة عالمية جديدة معترف بها. وأن صوتنا الذي كان محصوراً بحدود منابرنا، صار الآن مسموعاً على مستوى العالم،(56 فضائية تنقل مراسيم عاشوراء، بعضها شيعية خالصة وصفها السيد رئيس الوزراء حيدر العبادي "14 ايار 2016" بأن أصحابها أسّسوها من ثروة الشعب!).


للعلمانيين..حصة في الحسين
القراءة التقليدية لثورة الحسين وطقوسها ومآتمها كانت قد جعلت العلمانيين في حيرة.. فهم إن شاركوا فيها صاروا في حالة نشاز بين أفكار تقدمية يؤمنون بها وسلوك يعدونه متخلفاً.. فنأوا بأنفسهم عن المساهمة العملية فيها مع انهم يتعاطفون معها ويعدّون الحسين بطلاً ثورياً. ويبدو أنهم كانوا لو تحدثوا في مناسبات عاشوراء بما تضمنته ثورة الحسين من قيم العدالة والحرية والكرامة الانسانية واقامة سلطة الحق (وهي قيم اشتراكية، أو لنقل.. ليبرالية) فإنهم سينظرون الى أنفسهم كما لو انهم يغردون خارج السرب، وإن الدينيين سيسلقونهم بألسنة غلاظ. وهذا صحيح لو أن ذلك حدث في زمن النظام الدكتاتوري، لكنهم لو تحدثوا بها الآن لالتحقت بهم حصة من سرب الزيارت المليونية تكون، إن اجادوا فن الخطاب..ف ي ازدياد، لأن هذه الجماهير المليونية نكبت بحكومة وبرلمان وقادة احزاب أشاعوا الفساد، ليصبح عراق الحسين في زمنهم ثاني أفسد دولة عربية ورابعها في العالم، مع أن بين كبار المسؤولين الفاسدين من يدّعي أن الحسين جدّه!
كان على العلمانيين التقاط هذه الأمور التي تمس حياة الناس ويدركون أن لهم في الحسين حصة. فالفساد يعدّ أحد أهم اسباب ثورة الحسين، وهم أول من تظاهر مطالباً بالإصلاح ومحاسبة الفاسدين. والتشابه يراه الجميع بين ما كان وما هو كائن، وهذه مفارقة مؤلمة. فالسلطة في زمن يزيد احتكرت الثورة لنفسها ولأقارب السلطان وعاشوا حياة الترف والبذخ وتركت الناس تعيش حياة بائسة. وهذا ما هو حاصل الآن وياللفاجعة!. فوزارات الدولة ومؤسسات الحكومة جرى تقسيمها بين عوائل معتبرين العراق غنيمة لهم. وبسببهم بلغت نسبة من هم دون خط الفقر في زمن ترليونات النفط (13%) وفقاً لتقريري لجنة الاقتصاد النيابية ووكالة المساعدات الأمريكية، وارتفعت لتصل( 30%) بعد 2014 وفقاً لوزارة التخطيط، ما يعني أن اكثر من سبعة ملايين عراقي يعيشون بأقل من دولارين في اليوم، فيما الذين تولوا السلطة من (14) سنة (وبينهم من يدّعون أنهم حسينيون) امتلكوا البيوت الفاخرة في عواصم الدنيا، ويتقاضون رواتب ضخمة وامتيازات خيالية.. ومع ذلك يواصلون لبس السواد ولطم الصدور في مواكب عزاء الحسين!.
إن ما تضمنته أفكار هذه المقاربة تصلح مشروعاً سياسياً وثقافياً للتقريب بين الدينيين والعلمانيين بما يوحدّهم في تبني هدف ثورة الإمام الحسين تضع الخاتمة لبؤس العراقيين وفواجعهم.
* مؤسس ورئيس الجمعية النفسية العراقية



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون