عام
2017/11/02 (00:01 مساء)   -   عدد القراءات: 1156   -   العدد(4057)
شـــاي وخـــبز.. حكايات البيت والأزياء والطعام في العراق
شـــاي وخـــبز.. حكايات البيت والأزياء والطعام في العراق


 د. علاء مشذوب

لطالما شغلتني كتابات الباحث الأنثروبولوجي خضير فليح الزيدي، ومنها (تمر ولبن، سلة المهملات، أمكنة تدعى نحن، الباب الشرقي، سيد اسود باذنجان، ابن شارع)، لما تتميز بنوعيتها وخصوصيتها، وهذا النوع من الدراسات يكاد يكون نادرا من تعرض له على مستوى العالم وتشير الأنسكلوبيديا الى ان الأنثروبولوجيا علم حديث، برع فيه (كلود ليفي ستروس، مرسيل موس، رادف كليف براون وآخرون).
يسعى الزيدي جاهدا الى دراسة العلاقة بين الإنسان وبيئته البشرية، من خلال كل التفاصيل البسيطة، أولها اللغة وثانيها الأزياء والطعام وصولا الى السلوك والعادات والتقاليد، يبحر من خارج الإنسان الى داخله وبالعكس. ولذلك يتسيد الباحث الساحة العراقية بدراساته الانثروبولوجية بشقيها اللغوي والاجتماعي وفي بعض الأحيان المزاوجة بينهما حسب رأيي المتواضع، وهو في كل مرة يفاجئ القارئ بغوره في تفاصيل حياة الإنسان العراقي الغاطس منها والطافي وليس آخرها كتاب شاي وخبز، هذا الكتاب الذي نفد بطبعته الأولى ولم يكن قد مضى على إصداره أكثر من شهر. وهنا يُطرح سؤال مهم وسط هذا الموج الهادر للرواية العراقية والعربية عن الأسباب التي أدت الى نفاد الكتاب بطبعته الأولى، لربما هذا الاستفهام يستحق التوقف عنده؟
يذهب الزيدي في تقصّيه لعالم اللغة مبتدأ بـ(بلاغة التحشيش) وما ("القميص والجمعة”إلا أثنين وربما أكثر، ففي جرسها الصوتي طقطقة لفقرات العمود الفقري للمفردات المتناحرة والجمل المتراصة والأفكار الشاردة بتبادل الحروف فيما بين الكلمات حتى تدل على معنى آخر ص10)، هذه الالتقاطات التي وضعها الباحث تحت مجهر بحثه وأخضعها للتشريح ومن ثم نظّر لها هي في الحقيقة أديم الواقع العراقي وخزين لا ينضب من الثقافة والمزاج الشعبي المسكوت عنها، والتي لم يسلط عليها الضوء، وإنما تظهر حسب الضرورة وتختفي باختفائها، ولكم جايلنا واحتككنا بمثلها ابان الحرب العراقية الإيرانية، دون أن تلفت انتباه الباحثين ليسجلوا ذاكرة الشعوب بكل أحزانها وأتراحها، لتكون شاهدة على مرحلة مجتمعية مرت من تاريخ الشعب.
لينتقل الزيدي الى موضوع الكذب والنصب على الآخر مستشهدا بالمثل الشعبي (لا يحلى الشاي إلا بطعم الكذب)، أن الكذب الأنيق خير من الصدق المهلهل. جماليات كذب”القفاصة الجدد"، دون ازدراء الواقع العراقي عندما يغور في قاع الطبقة الشعبية قدر إضاءة كشافات البحث لسبر أغواره كما في حسن دراجة وبحثه عن الغلمان والحلوين، ومن ثم الى الـ(ستوتة – التوك تك – السازوكا – الطرطيرة) وتحولاتها من مركبة أرضية الى محل جوال للحيم الولدن والأوكسجين الى محل بقالة أو ربما عربة صندوقية مغلفة لبيع قناني الخمر المحظورة علنا ان (ما يشفع لي ان مادة هذا الكتاب قامت على فضيلة التلصص الحذر لحركة افراد الجغرافية والتاريخ المتلبسين وحكاياتهم على بقعة أرض متحركة كأرض رملية) وهذا ما يزيد الكتاب – شاي وخبز – رصانة وقوة كونه – أي الباحث - لم يكن حبيس الجدران وحلق في مخيلته ليتصور ويتخيل، وانما عاش وعايش الكثير من التفاصيل وغار في قاع المجتمع كما فعل ذلك من قبل في الباب الشرقي، وكتبه الأخرى. لكنه يتوقف كثيرا عند فترة الحصار، وكيف أن الجوع والعوز عرى الذات العراقية بعد ان وضعها في مواجهة غرائزها الفسيولوجية وفي مقدمتها الجوع الذي يعني الوجود، فقد كان الحصار يهدد وجود الإنسان العراقي ليبدأ بقصة الرجل وبناته الست ومن ثم ليضرب ضربته القاصمة من خلال ثقة منزوعة السلاح بالتساؤل الآتي : (بماذا تفسر كيف شرعت دوائر الدولة نظام صحّة الصدور؟ طبعا لكثرة الكذب والتزوير وانعدام الثقة، وما الأقفال الكبيرة وأجراس الانذار المبكر وكاميرات المراقبة و. و. ص28). فالكتاب في بحثه يمتد لأكثر من ثلاث عقود ابتداءً من السبعينات صعودا، ليتنقل بين هذه العقود منتقيا كل ما يؤشر الذاكرة الشعبية العراقية.
كما يمتد الكتاب في أطلسه الى أربعة فصول أولها (عراقيون سوابق)، يتعرض الباحث فيه الى معنى وقصة السوابق او”مصطلح (56) على كل شخص يخرج عن السلوك النمطي التقليدي ليحتال ويمارس النصب والادعاء الكاذب على الآخرين، وفق مادة (456) الشهيرة في العراق ص32"، ولكن القارئ باللاشعور وربما يتلمس ما بين السطور من التلميح الى ان الكاتب مثل كثير من العراقيين يميل الى الملكية بعد ان غادرت شمس المدنية / الملكية كرسي السلطة مرغمة للتخلي عن فترة الأزياء الملكية التقليدية في البدلة الرسمية السوداء والقميص الأبيض والسدارة الباشوية / الفيصلية والأناقة الكلاسيكية الغربية بكامل عدّتها. كونه يزدري الجمهوريات التي تعاقبت على حكم العراق بعد ذلك من خلال حكاية : اسماء الذوات”أول مرة أسمع بكلمة جمهورية عندما تعرفت على واحدة سوابق في بيوت الدعارة الرسمية تسمى جمهورية، وكانت شهيرة بلسانها الباشط والسباب المستحدث والفشار القادح الذي ترتجف له الأبدان... والزبون فوقها يرتجف من لسانها وعلو صوتها، جمهورية تشبه جمهوريتنا هذه بالضبط... إبان الجمهورية الأولى بسنين قليلة، تمردت جمهورية الصبية الصغيرة وخرجت عن نطاق العائلة، وهربت متخفية في أماكن بعيدة حتى تحولت الى أسطة بالدعارة ص42".
يفسر ويشرح ويحلل ويأوّل الباحث التغيرات التي طرأت على العناوين الخاصة بالأشياء والأشخاص والأماكن، كما في تغيير مصطلح الجمهورية العراقية الى مصطلح ذكوري أسموها بجمهورية العراق وما عادت عليه هذه الذكورة من ثلم وانكسار للذات العراقية القلقلة، لينتقل بعدها الى القسم الثاني في الفصل الأول تحت عنوان (عراقيو الجمهورية) وبعنوان فرعي – الكمش والقشمر – يذهب فيه الكاتب الى مناقشة المصطلحات الشعبية التي نتجت عن التحول من الملكية الى الجمهورية وما أفرزته من معسكرات تدريب، في مقابل انزياح الدولة المدنية وعسكرة الذات التي تمزقت منذ لحظة الانقلاب الأولى وستستمر؟؟؟
ثم يبحر في عالم الطعام، والذي إستمد منه مقولة (شاي وخبز) عنوانا للكتاب، ليبحر الى داخل الانسان وهو يقول: اذ تعتبر المعدة هي المحرك الأقتصادي العظيم والذي يخفي الشخص سلوكه خلف شبقها المحتدم. ولعل عادة تناول الخبز والشاي عادة عراقية أصيلة. والكتاب خليط من الحكايات الشعبية المشاعة، مع رصد دقيق من قبل الكاتب للكثير من العادات والتقاليد المجتمعية للكثير من تفاصيله المهمة التي أغفلها الكثير من الكتاب والمفكرين.
7/ 6/ 2017



اضف تعليقك

شروط نشر التعليقات والتعقيبات في "المدى"

تود "المدى" أن تعلن لقرائها وزوار موقعها الالكتروني الكرام بان تعليقاتهم وتعقيباتهم على ما ينشر فيها يخضع لذات القواعد التي تحكم عملية النشر في الصحيفة الورقية والمتقيدة باخلاقيات الصحافة المتعارف عليها دولياً، وتؤكد انها لن تنشر ما يتعارض مع هذه القواعد وفقاً للآتي:

1 - يلتزم القراء وزوار الموقع الالكتروني بلياقات التفاعل مع المواد المنشورة ومواضيعها المطروحة، وبعدم تناول الشخصيات والمقامات الدينية والدنيوية والكتّاب وهيئات الدولة والهيئات الاجتماعية وسائر الناس، بكلام جارح ونابِ ومشين ويحتوي على معلومات غير مؤكدة، ويلتزمون أيضاً بعدم المساس بالشعوب والأعراق والإثنيات والأوطان بالسوء.
2 – يحق لإدارة تحرير المدى ان تنقّح تعليق القارئ او الزائر بما يتناسب مع اللياقات الموصوفة اعلاه، وإطلاق الحوار البنّاء، مع الحفاظ على مضمون التعليق، أو أن تحجبه إذا كان غير مناسب أو متعارضاً مع قواعد النشر.
3 – تنطبق هذه الشروط على ما ينشر في الملاحق وسائر مواقع وإصدارات مؤسسة المدى
4 - لا تتحمل مؤسسة المدى أي مسؤولية مادية أو معنوية حيال صاحب التعليق.
الاسم:  
البريد الالكتروني:    
التفاصيل:  
رمز التحقق:
جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة المدى للاعلام والثقافة والفنون